الصفحة الأساسية > البديل الوطني > المسيرة مستمرة للقضاء على الاستبداد وإقامة الجمهورية الديمقراطية
في الذكرى 24 لتأسيس حزب العمال:
المسيرة مستمرة للقضاء على الاستبداد وإقامة الجمهورية الديمقراطية
23 كانون الثاني (يناير) 2010

في الثالث من شهر جانفي 2010 بلغ حزب العمال الشيوعي التونسي من العمر 24 سنة كاملة. لقد تم إعلان تأسيس حزبنا في الثالث من شهر جانفي 1986. وهو ما يناسب الذكرى الثانية لانتفاضة الخبز المجيدة. وكان اختيار هذه الذكرى لإعلان التأسيس يهدف إلى التأكيد أنّ حزب العمال وُلد لإسناد نضال الشعب التونسي وتطويره والعمل على قيادته من أجل وضع حدّ للاستبداد السياسي والاستغلال الفاحش والفساد المستشري والتبعية التي يكرسها نظام حزب الدستور الذي يحكم البلاد منذ أواسط الخمسينات من القرن العشرين وإقامة نظام وطني ديمقراطي وشعبي على أنقاض كل ذلك.

لقد بينت انتفاضة الخبز التي اندلعت شرارتها الأولى في أواخر ديسمبر 1983 بالجنوب وتواصلت حتى يوم 6 جانفي 1984 وبلغت ذروتها يوم 3 جانفي 1984 بتونس العاصمة، أن الشعب التونسي المنتفض في كافة أنحاء البلاد، بصورة عفوية، دون تأطير لا من الأحزاب ولا من المركزية النقابية قادر على النضال وعلى منازلة الدكتاتورية والاستبداد وأن ما ينقصه هو القيادة السياسية التي تسلـّحه بالوعي والتنظيم، القيادة التي تساعده على رسم الأهداف الصحيحة ووضع الخطط الموصلة إليها وتجميع صفوفه في جبهة أو جبهات عمل حتى لا يذهب نضاله وتضحياته سدى وتتمكن الرجعية الدستورية في كل مرة، كما حصل بعد انتفاضة الخبز ذاتها، من استعادة السيطرة عليه عن طريق القمع والديماغوجيا والاستمرار في اضطهاده واستغلاله.

وقد انخرط حزب العمال الشيوعي منذ اليوم الأول لتأسيسه في النضال، وسعى، رغم المنع والقمع، إلى الانغراس في صفوف الطبقة العاملة وكافة الطبقات والفئات الكادحة والشعبية التي أعلن بوضوح انحيازه لها ولمصالحها وعكس ذلك في برنامجه وخططه النضالية ونشاطه العملي. وقدّم حزب العمال من أجل ذلك التضحيات الجسيمة، فاستشهد من استشهد تحت التعذيب (نبيل البركاتي) واعتقل من اعتقل وعُذب من عذب ونفي من نفي وأطرد من العمل أو الدراسة من أطرد من مناضلاته ومناضليه، ومع ذلك فإن المسيرة مستمرة بعزيمة فولاذية وهو ما جعل من حزب العمال، بمرور الوقت، قوة سياسية مسلّما بها، تقرأ لها الدكتاتورية النوفمبرية ألف حساب وتُحظى باحترام كافة القوى الديمقراطية والتقدمية في الداخل والخارج.

لقد كافح حزب العمال خلال مسيرته هذه على كافة الجبهات الفكرية والسياسية والنقابية والحقوقية والثقافية والنسائية والشبابية. وكان مشدودا باستمرار إلى الهدف المرحلي الذي أعلنه منذ اليوم الأول من تأسيسه، وهو القضاء على الاستبداد لفتح أفق أرحب أمام بلادنا لتسريع نموّها وتطوّرها على أسس وطنية صلبة وأمام شعبنا لينعم بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ومع أن حزبنا كان دائما متمسّكا بمبادئه وباستقلاليته الفكرية والسياسية، فقد أظهر في كل الفترات ما يلزم من المرونة في التعامل مع الواقع ومع الأحداث بهدف تكتيل الجهود من أجل تحقيق التحول الديمقراطي ببلادنا الذي لا يعني حزبَنا وحده بل يعني قوى سياسية واجتماعية أخرى أيضا. وفي هذا السياق ساهم حزب العمال في السنوات الأخيرة في بعث "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" التي قطعت اليوم، بإصدار وثيقتها الثالثة حول العلاقة بين الدولة والدين، أشواطا مهمة نحو إرساء المقومات الدنيا لعمل سياسي مشترك بين مختلف مكوّنات المعارضة.

إن حزب العمال الشيوعي التونسي يستغل هذه المناسبة، مناسبة عيد ميلاده الرابع والعشرين، ليتوجه إلى كافة الأحزاب والجمعيات والشخصيات المستقلة لحثها على ضرورة نبذ الخلافات الظرفية والتفاهم حول برنامج أدنى للتغيير/الانتقال الديمقراطي ببلادنا. إن هذا التغيير ما انفك يطرح نفسه، كضرورة موضوعية، بإلحاحية كبيرة، ومن شأن تأجيل الخوض فيه وفي شروط تحقيقه أن يلحق مزيدا من الأضرار بوطننا وشعبنا. لقد سطا نظام بن علي في شهر أكتوبر الماضي مرة أخرى على إرادة الشعب التونسي، عبر مهزلة انتخابية، كان الجميع على علم مسبّق بنتائجها. وهو يشن منذ نهاية تلك المهزلة، التي مثلت فشلا سياسيا ذريعا له، حملة قمعية وإعلامية على كافة معارضيه ومنتقديه. ولا تهدف هذه الحملة إلى فرض نتائج المهزلة فحسب، بل كذلك إلى كسر أي تطور جدي للحركة السياسية والاجتماعية، من شأنه أن يهدد في القادم من الأيام مصالح الأقلية الفاسدة التي تنتفع من الاستبداد.

إن هذه الأقلية تواجه مصاعب اقتصادية متزايدة جراء انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية التي تأبى أن تنتهي وكذلك جراء ما ألحقته هذه الأقلية من خراب باقتصاد البلاد بسبب النهب والفساد والبيع للرأسمال الأجنبي. ومن الواضح أنها ممعنة في تحميل تبعات كل ذلك للشعب الكادح بمزيد إثقال كاهله بالبطالة وغلاء الأسعار الذي لا يتوقف (الزيادات الأخيرة في أسعار السكر والمحروقات...) وتردّي الخدمات الاجتماعية، وهو ما يدفعها إلى تشديد القبضة الأمنية على المجتمع خوفا من انفجار الأوضاع على غرار ما حصل في منطقة الحوض المنجمي في مطلع 2008.

وتواجه الأقلية الحاكمة مصاعب سياسية أيضا. لقد افتضح نظامها الاستبدادي وازدادت عزلته في الداخل والخارج. وكانت "انتخابات" أكتوبر الماضي خير شاهد على ذلك رغم كل الضجيج الذي أقيم لتغطية الفشل. وتنشغل هذه الأقلية اليوم بكيفية تأبيد سيطرتها على البلاد، فالولاية الحالية هي الأخيرة لبن علي حسب الدستور، لذلك فهي تخطط للانقلاب مرة أخرى على الدستور إما للتمديد لبن علي، تكريسا لرئاسة مدى الحياة غير معلنة، أو لإيجاد صيغة من صيغ التوريث تحافظ بها على الحكم، وهو ما يفسر التوتر الحالي للطغمة الحاكمة وسعيها المحموم إلى تكميم الأفواه وقمع كل تحرك سياسي أو اجتماعي، فهي تريد ترتيب الأمور خارج أي ضغط داخلي أو خارجي عليها. وإذا كان القمع هو أسلوبها الدائم في التعاطي مع الأوضاع الداخلية، فإنها لن تتورع بالنسبة إلى الخارج، عن تقديم المزيد من التنازلات إلى القوى الاستعمارية الكبرى، على حساب سيادة تونس ومصالحها الوطنية، لاسترضائها وكسب صمتها على ما تقوم به.

إن الحركة الديمقراطية بمختلف مكوناتها الحزبية والجمعياتية، مطالبة بأن تتصدى لهذا الوضع حتى لا تتجاوزها الأحداث ويحصل لها ما حصل في 7 نوفمبر 1987، عندما جاء بن علي إلى السلطة ووجدها مشتتة، وعاجزة عن إملاء شروطها. فهي لئن كانت مطالبة مباشرة بالتنسيق لمواجهة الحملة القمعية التي تشنها السلطة عليها وعلى الطلاب والناشطين الحقوقيين والإعلاميين، مدعوة أيضا إلى التحاور، دون تأخير، حول متطلبات المرحلة ككل، لتقديم بديل إلى الشعب التونسي يخرجه من النفق المظلم للاستبداد ويمكّنه بالتالي من إفشال مخططات "التوريث" التي لا تخدم سوى مصالح أقليات معادية للشعب وللديمقراطية.

إن حزب العمال الشيوعي التونسي يؤكد مرة أخرى أنه لن يدّخر أيّ جهد لإنجاح أيّ مسعى مشترك للارتقاء بأداء المعارضة المستقلة وتقوية حضورها وتأثيرها في مجرى الأحداث ببلادنا، لأن الشعب التونسي لا يستحق المهانة التي هو فيها، وهو جدير بأن ينعم بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في وطن مستقل، مزدهر ومتقدم.

حزب العمال الشيوعي التونسي
تونس في 3 جانفي 2010



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني