الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الناخبون «يورّطون» النهضة ويُعاقبون اليسار
الناخبون «يورّطون» النهضة ويُعاقبون اليسار
27 تشرين الأول (أكتوبر) 2011

باحت صناديق الاقتراع بأسرارها وأسفرت عن فوز كبير لـ «حركة النهضة» مقابل هزيمة قاسية لكل الأحزاب اليسارية بما فيها حزب العمال الذي جاءت النسبة التي تحصل عليها مخيبة للآمال وهو ما شكل مفاجأة غير سارة لكل مناضلاته ومناضليه وأنصاره وحتى لبعض المراقبين المستقـلين. في حين جاء بعض «المستقلين» والأحزاب الليبيرالية و«الوسطية» في المرتبة الثانية.

فلماذا صوّت الناخبون لـ«حركة النهضة» بهذه الكثافة؟ وهل يضع ذلك «حركة النهضة» في «ورطة» حقيقية بالنظر إلى حجم التحديّات التي تنتظرها والمعارضة الهامة التي ستواجهها خاصة من النخبة؟ ولماذا تدحرج اليسار إلى مؤخرة الترتيب رغم إرثه النضالي ووضوح برامجه؟ وهل يعدّ ذلك عقابا له من الناخبين؟

لماذا اختار النّاخبون النهضة؟

ثلاثة عوامل على الأقل جعلت أكثر من نصف الناخبين يختارون «النهضة»:
أولا: تاريخ هذه الحركة الحافل بالمواجهة مع الدكتاتورية سواء في عهد بورقيبة أو في عهد بن علي. وتعرضها بسبب ذلك للقمع المتواصل ودخول الآلاف من أتباعها السّجون وقتل وتشريد العشرات من كوادرها وأنصارها. وهو ما جلب لها تعاطف عدد كبير من المواطنين الذين يعتبرونها رمزا من رموز المقاومة والصمود في وجه الدكتاتورية.
ثانيا: استغلال هذه الحركة للدين وتوظيفها له واستعمالها المساجد للدعاية السياسية، وهو ما جلب لها عددا كبيرا من المتديّنين وخاصة من الأوساط الشعبية الذين يرون فيها مدافعا عن «الهوية» وصائنا للدين.
ثالثا: الدعم الخارجي (وخاصة الإعلامي) الذي تلقاه من الخارج وخاصة من دول الخليج، وحتى من بعض الدول الغربية التي أصبحت ترى فيها حركة إسلامية معتدلة ولا تشكل خطرا مباشرا على مصالحها خاصة بعد المراجعات التي قامت بها في السنوات الأخيرة في علاقة بحقوق المرأة واحترام حقوق الإنسان.

وفي علاقة بالظروف التي جرت فيها الانتخابات فإن «حركة النهضة» استفادت كثيرا من الاستقطاب الذي حصل بعد الثورة على أساس ديني، والصراع الذي المفتعل بين «علمانيين» و«إسلاميين» والذي انعكس بشكل مباشر على وعي عدد كبير من الناخبين الذي اعتبروا حركة النهضة «مؤمنة» والقائمات اليسارية وخاصة قائمات حزب العمال قائمات «كافرة».

لماذا عاقب الناخبون اليسار؟

الأصوات التي تحصل عليها اليسار ضعيفة ولا تعكس إرثه النضالي ووضوحه الفكري والسياسي. وفي اعتقادنا أن هذه النسبة الضعيفة كانت منتظرة خاصة بالنسبة إلى الأحزاب والتنظيمات اليسارية التي هادنت بن علي باسم التصدي للخطر الإسلامي، لكنها في الحقيقة غير منطقية ومفاجئة في علاقة بحزب العمال. فهذا الحزب ارتفعت شعبيته قليلا بعد سقوط بن علي خاصة وأنه الحزب الوحيد الذي كان أمينه العام في وزارة الداخلية إبان الثورة، وهو أول حزب طالب برحيل بن علي ورفض الإمضاء على الميثاق الوطني الذي أمضت عليه كل الأحزاب بما فيها «حركة النهضة». كما أنّه أوّل من طالب بمجلس تأسيسي بعد هروب بن علي ورفض دخول حكومة الغنوشي والسبسي والهيئة التي شكّلها. وقد تمكن الحزب من استقطاب أعداد لا بأس بها من المواطنات والمواطنين وخاصة من الشباب. ورغم ذلك فإن صناديق الاقتراع لم تمنحه سوى عدد قليل جدا من المقاعد.

وفي اعتقادنا أنّ النّسبة الضعيفة جدا التي تحصّل عليها اليسار تعود أوّلا وقبل شيء إلى انعزاليته وسكتاريته وتعاليه عن الجماهير وعدم قدرته على الانغراس في الفئات الشعبية. كما أنها تعود أيضا إلى نجاح الأطراف المعادية لليسار في تشويهه وتقديمه في صورة المعادي للدّين وللهويّة والمتفسخ أخلاقيا، مستعملة في ذلك المساجد وبعض القنوات التلفزية والإذاعية، ومراهنة على تخلّف الوعي السياسي لدى بعض الفئات الشعبية، التي تنساق بسهولة وراء الإشاعات والتشويهات. وفي الحقيقة فإن بعض المنتمين إلى اليسار أو ما يعرف بـ «الحداثيين» لعبوا دورا سلبيا في تأجيج هذه التشويهات بانخراطهم عن وعي أو عن غير وعي في معارك مفتعلة حول الحداثة والعلمانية مبتعدين بذلك عن مشاكل الشعب الحقيقية وعن المعارك المصيرية التي تتعلق بالحياة اليومية للمواطن مثل غلاء المعيشة والبطالة والتي لا تملك الحركات الإسلامية حلا جذريا لها على عكس اليسار الذي له بديل علمي وواقعي.

الناخبون ورّطوا النهضة

النسبة الكبيرة من الأصوات التي تحصّلت عليها النهضة وإن كانت منحتها نوعا من الشرعية الشعبية إلا أنها سوف تحمّلها مسؤولية جسيمة وتجعل الشعب وخاصة فئاته الشعبية يطالبها بتحقيق المطالب التي رفعتها الثورة ومن أهمها التشغيل وتدني المقدرة الشرائية وتحقيق الأمن وتطهير أجهزة الدولة من الفاسدين وخاصة في وزارة الداخلية وقطاع القضاء وفتح ملفات الفساد ومسألة الشهداء والقناصة وغيرها من المسائل الشائكة.

كل هذه المطالب لن يكون سهلا على «النهضة» تحقيقها خاصة وأنها تفتقر إلى برنامج ثوري وواضح. فبرنامجها الاجتماعي والاقتصادي لا يختلف في شيء عن البرنامج الذي كان يطبقه بن علي مع بعض الاختلافات الجزئية. وهو برنامج يعتمد على اقتصاد السوق وحرية المنافسة. وكل ما ترفعه النهضة من شعارات حول إعادة توزيع الثروة والقضاء على الفقر والبطالة والأخذ بيد الفقير، كل هذه الشعارات تبقى بلا معنى في ظل تطبيق اقتصاد «حوت ياكل حوت وقليل الجهد يموت».

كما أن هذه الحركة سوف تواجه معارضة قوية خاصة من النخب السياسية والنقابيين والمثقفين والحقوقيين ومن المنظمات النسائية والشبابية وغيرها من المنظمات التي ترى في «حركة النهضة» تهديدا للطابع العلماني للدولة. وإذا ما توحدت هذه المعارضة مع التحركات الشعبية حول المطالب الشعبية الملحة مثل التشغيل وغلاء المعيشة فإن حركة النهضة ستجد نفسها في ورطة حقيقية وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبا على شعبيتها خاصة في ظل إمكانية ارتفاع الوعي السياسي لدى المواطن التونسي بعد أن أصبح من الممكن مناقشة الأفكار السياسية والاطلاع على برامج الأحزاب في وسائل الإعلام.

عبد الجبار المدوري



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني