الصفحة الأساسية > البديل الوطني > النظام التعليمي التونسي يواصل إنتاج البطالة والخوصصة تسدّ منافذ التشغيل
وجهة نظر:
النظام التعليمي التونسي يواصل إنتاج البطالة والخوصصة تسدّ منافذ التشغيل
29 أيار (مايو) 2010

1. غياب استراتيجية تشغيلية:

يواصل منظرو السياسة التعليمية في تونس تجاهل الكفاءات بجميع أنواعها والمتخرجة من الكليات والمعاهد ومراكز التكوين وتتجلى تمظهرات هذا التجاهل في:

  • الذي يؤهل لموطن شغل مشخص بشكل مسبق وموجود فعليا في سوق الشغل.
  • إقصاء عديد الإختصاصات الأدبية والإنسانية من دائرة الإنتاج الخدماتي والسلعي
  • بطء نسق التشغيل بالنسبة إلى حاملي الشهادات ذات الإختصاصات العلمية بما فيها الحديثة العهد و"الواعدة" التي عوّلت عليها الدولة في بعث المشاريع الخاصة.
  • القصور الحاصل في مستوى الخدمات التي تقدمها مكاتب التشغيل:
    • عدم توخي الدقة والموضوعية عند تحيين طلبات الشغل الملبات وغير الملبات
    • تقطع في عملية تشخيص معطيات سوق الشغل
    • عدم وجود تنسيق مشترك يوحد مختلف القنوات الرسمية والأطراف المتدخلة في عملية التشغيل
    • إخفاء هوية المؤسسات التي تعرض شغلا
    • إعلان لمناظرات وعروض شغل وهمية
    • تعمّد المؤسسات انتداب أعوانها بطرقها الخاصة رغم وجود البعض من اعلاناتها في مكاتب التشغيل
  • السماح لمكاتب التشغيل الخاصة بالمتاجرة بالكفاءات تجسيما لمرونة الشغل وتكريسا لمبدأ الهشاشة la précarité)) التي ينص عليها قانون الشغل التونسي.

أمام هذا القصور والتردّي تتحوّل وزارة التشغيل إلى أداة دعاية واعلام مزيّف يساند خطابات السلطة عندما تقدم خدمات صورية لتبتعد عن دورها الأساسي المتمثل في تتبع مسار التشغيل في البلاد وخلق بدائل حقيقية للتشغيل القار الذي يحفظ كرامة المواطن التونسي، مع تأجيل تنفيذ حكم المواطنة إلى أجل غير مسمّى...

إزاء هذا الوضع الفوضوي والهشّ يزداد إحساس آلاف مؤلفة من المعطلين بعدم ثقتهم في وعود الجهات الرسمية.

2. كفاءات معطّلة وتضحيات شعب:

إن أصحاب الشهادات يتبعون خطوات مدروسة وملموسة في البحث المضني عن شغل بصفة ملحة وبشكل منظم ومتواصل، فهم ليسوا من الكسالى أو يريدون العيش عالة وعلى هوامش المجتمع أو اختاروا البطالة الإرادية كما يدّعي النظام، بل على العكس من ذلك نجدهم يقبلون بموطن شغل هشّ متى توفّر ذلك ودون الاحتجاج على غياب التأمين على المرض والتغطية والضمان الإجتماعيين.

إن الكفاءات التونسية معطّلة عن "نموّها الطبيعي"، فالإنسان بحاجة إلى تلبية رغباته البيولوجية كالمأوى (النوم) والأكل والشرب، وهو أمر يتطلب الإنفاق والإنفاق يقتضي دخلا والدخل يتأتى من العمل في أيّ نشاط اقتصادي.

عندما تتحدث السلطة عن التضحيات الإجتماعية وعن التحديات ورهانات المستقبل من أجل تونس الغد، فإنه من بين هذه التضحيات إعالة العائلات التونسية لأبنائها من الكفاءات وأصحاب الشهادات ومساعدتهم على تحمّل قساوة البطالة ماديا ومعنويا. كما أخذت العائلات على عاتقها مساعدتهم على الإنتصاب لحسابهم الخاص، تلبية لرغبة السلطة وتوجهاتها نحو إرساء ما يسمّى بثقافة المقاولة والإستثمار، إلا أن المشاريع كانت في مجملها هشّة وأعلنت إفلاسها منذ مرحلتها الأولى في الإنتاج.

إنّه دليل آخر على هشاشة القاعدة الإقتصادية التونسية وإفلاس النظام السياسي التونسي الذي باع البلاد والعباد والذي لا يزال يتشدق بالخطب الرنانة حول "المقاربة التونسية لحقوق الإنسان" أو حول "تلازم البعدين الإقتصادي والإجتماعي"، الخ.

أمّا أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل والذين ليس لهم سند عائلي أو قرابي أو غيره، فإنهم معرّضين في أية لحظة إلى الإحساس بالجوع ونقص التغذية بما أننا أمام أفراد قد عطلتهم الآلة الإقتصادية بعد أن أنهكتهم الآلة التعليمية والتكوينية وأخذت معها أموالهم وشبابهم طيلة سنوات الدراسة والتي ليست بالقصيرة (مرحلة ابتدائية، مرحلة ثانوية، مرحلة جامعية)، وهي تمثّل 17 سنة دون احتساب سنوات الرسوب. 17 سنة من الإنفاق على الدراسة. وكلما وقع تجاوز مرحلة إلا وكان الإنفاق أكثر ليصل أقصاه في المرحلة الجامعية وخاصة في غياب المنحة والسكن الجامعيين. 17 سنة من المشاركة في الدورة الإقتصادية التونسية والدخول قسرا مجتمع الإستهلاك الذي فرضته السياسات النيوليبرالية في تونس.

أليس هذا ما يسمّى بسياسة سحب البساط من تحت أرجل الذين أفنوا حياتهم في التعليم والدراسة؟ أليس من حق المعطلين عن العمل اليوم في تونس أن يطالبوا بحقهم في الشغل والعيش الكريم وأن يدافعوا على هذا الحق الطبيعي مهما كلفهم النضال من تضحيات؟ ألا يستحي النظام التونسي من الحديث عن "خلق مواطن شغل جديدة"، بمعنى هشّة، وقتيّة، محدّدة المدّة؟ ألا يستحي من إحصاء أنماط الشغل اللانموذجية على أنها أنماط شغل قارّة ودائمة؟

وفيما يلي يمكن ذكر بعض المؤشرات الدالة على التدهور العام لمستوى الأوضاع المعيشية للطلبة وعائلاتهم في علاقتها بالوضع الاقتصادي العام وبالسياسة التعليمية بشكل خاص:

3. تخلي الدولة عن مسؤولياتها إزاء إحتياجات الطلبة:

الإحتياجات المادية:
- نقص كبير في الإنفاق الحكومي على منظومة التعليم
- ارتفاع معاليم التسجيل وضرب مجانية التعليم
- ارتفاع مشط للأسعار
- تجميد الأجور والمنح الجامعية
- نقص فادح في نسبة الطلبة المنتفعين بالسكن الجامعي
- تراجع نسبة الطلبة المنتفعين بالمنح الجامعية والقروض
- التكوين الخاص ذو التشغيلية المضمونة وفي اختصاصات ممهّنة يبقى حكرا على العائلات ميسورة الحال لأنه مشط التكاليف
- الدراسة بالخارج ليست في متناول الجميع

الإحتياجات الأكاديمية:
- نقص المعدات والتجهيزات الجامعية وتآكل العديد منها
- عملية تأطير الطلبة تحكمها العلاقات الشخصانية عوض الضوابط الإدارية المقننة والمنظمة لمسألة التأطير العلمي
- برامج تعليمية مسقطة لا تراعي رغبات وميولات الطلبة العلمية قد أدت إلى انهيار المستوى التعليمي
- تحصيل شهادات علمية خارج "منظومة" التشغيل

4. "منظومة" تشغيل هزيلة ومتقطعة الأوصال:

إن الخدمات التي يقدمها الأساتذة الجامعيون منهم أو غير الجامعيين والمكوّنون وغيرهم بناء على البرامج المدرجة ضمن جداول مختلف الوزارات المعنية بالعملية التربوية التعليمية والتكوينية أصبحت اليوم بلا جدوى إجتماعيا وإقتصاديا. لماذا؟

إن من بين الأدلة القاطعة التي تؤكّد مشروعية القول بعدم جدوى السياسة التعليمية والتكوينية هو ببساطة تنامي البطالة بشكل مكثّف في صفوف حاملي الشهادات بجميع أنواعها. وأن وجود البطالة كظاهرة إقتصادية واجتماعية يعني ضرورة وجود أزمة تشغيل خانقة.

حتى وإن تمّ التسليم برغبة وإرادة السلطة السياسية الحالية في إيجاد حلول لهذه الأزمة، فإنها لن تفلح ما دامت "منظومة" التكوين والتشغيل تفتقد إلى ما يسمى "بالأحزمة الناقلة". ما معنى ذلك؟

إن التكوين يمثل المحتوى العلمي مهما كان نوع هذا العلم وأن هذا المحتوى ليس جامدا وإنما يتصف بطبيعته التراكمية والإبداعية المتجددة. ويعتبر الإطار المؤسساتي ضروريا ليخدم مسألة البحث والتطوير(R&D) في جميع المجالات بما فيها الأدبية والإنسانية. وإن لم يقع توظيف جميع هذه العلوم في دائرة الإنتاج، فما الفائدة منها إذن؟ وإذا لم تتكفّل مؤسسات الإنتاج بالاستثمار في العلم قصد تطويره، فإنها تبقى تابعة وهشة ولن تتطوّر نحو الأفضل خدمة لتقدم المجتمع ككل. فالأحزمة الناقلة تقوم بنقل العلم إلى دائرة الإنتاج وهذا الأخير ينبغي أن يستثمر في العلم من جديد عبر البحث والتطوير من أجل تحسين الإنتاج كما وكيفا. العلم إذن يحرّك آلة الإنتاج وإن اقتطاع جزء من الإنتاج لصالح البحوث العلمية يحرّك العلم من جديد بشكل تراكمي وهكذا دواليك.

إن غياب هذه الأحزمة الناقلة يساهم في تفاقم البطالة بما أن المؤسسات الاقتصادية تساهم بشكل مباشر في تفشي ظاهرة التفقير الاجتماعي العام، باعتبارها لم تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية والتاريخية. وبالتالي، تحافظ عمدا على ذات الخلل القائم في طبيعة العلاقة بين التكوين والتشغيل.

وفي هذه الحالة لا يمكن الحديث عن معنى "منظومة تشغيلية واحدة" لا لشيء سوى أن العمل بالنسبة إلى تعريف المؤسسة زمن العولمة الرأسمالية يعدّ كعامل إنتاج لا بدّ من احتسابه كتكلفة. يحيلنا هذا التفكير على هدف الإنسان الاقتصادي (homœconomicus) الرأسمالي من الاستغلال والمتمثل في الربح السريع ومراكمة الأموال والاستثمارات المتنوعة الأنشطة.

إن عملية الانخراط في العولمة الاقتصادية من الباب الواسع بداية بما يسمّى "الإصلاح الهيكلي" الذي أقرّته المؤسسات الدولية الكبرى، كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، مرورا بتخفيض نسبة دعم الدولة للمواد الأساسية التي يستهلكها أفراد الشعب ووصولا إلى التقليص التدريجي للمعاليم الجمركية، هي عملية نصب واحتيال على الشعوب الضعيفة والفقيرة ومختلف الفئات الاجتماعية الهشة اقتصاديا والمهمّشة اجتماعيا.

لاتعتبر تونس في منأى عن هذا النصب والاستغلال الوحشي، بل هي في قلب الأزمة الإقتصادية والاجتماعية العالمية.

إن إقرار الخوصصة قد أدّى إلى اتساع دائرة رؤوس الأموال الأجنبية منها والتابعة. هؤلاء هم رجال الاقتصاد الذين تمتعوا بمناخ استثماري مغر في "بلد الأمن والأمان"، بما فيه من تسهيلات قانونية واجرائية واعفاءات ديوانية وضريبية هامة. هؤلاء المستثمرون يتحكمون اليوم في دواليب الإقتصاد "الوطني".

مهما ادعت الإرادة السياسية تحليها بالروح الإجتماعية، فإنها لن تستطيع إخضاع رؤوس الأموال لتنفيذ البرامج الإجتماعية التي تندرج ضمن المسألة الديمقراطية لأن الاقتصادي في تونس اليوم يسيطر على السياسي والإجتماعي وأن السياسي اليوم قد تحوّل إلى خادم مطيع لدى رجال الإقتصاد ولأن السياسي أيضا يريد أن يظفر ببعض الأسواق الإقتصادية كي يحمي نفسه من الإنقلابات.

إن أفضل مثال على ذلك برنامج التشغيل الذي يتوسط بين ما هو اقتصادي بحت وما هو سياسي ديمقراطي، وإن الشرط الأساسي لإرساء عدالة إجتماعية في هذا السياق يتمثل في إعادة النظر في مختلف القوانين والإتفاقيات الاقتصادية التي تسير وفقها الدولة التونسية في إطار الاقتصاد المعولم.

يعلم القاصي والداني أن تلك القوانين مفروضة من المؤسسات الدولية الكبرى المذكورة آنفا، وهي المنسق الأساسي لحركة العولمة الإقتصادية.

إن مراجعة الأوضاع الراهنة بكل جدية ينبغي أن تكون لصالح التوازنات الإجتماعية الكبرى وخاصة محو البطالة الهيكلية من الخارطة الاجتماعية التونسية، وذلك بفرض قوانين جديدة تلزم رجال المال ولو في المرحلة الأولى، بتنفيذ مختلف البرامج الاجتماعية التي تستجيب لهموم الشعب إنطلاقا من التشغيل. هذا الأخير لابدّ وأن يكون همّ كل قوى المجتمع وخاصة رؤوس الأموال الذين لابدّ وأن يستأنفوا تحمّل مسؤولياتهم الإجتماعية من جديد، سعيا إلى تحقيق المشروع المجتمعي المنشود والخالي من الفوارق الاجتماعية والاقصاء والتهميش الإجتماعيين في مرحلة أخرى متقدّمة.

وهكذا، فبين نظام تعليمي يحطّم الكفاءات وخوصصة تقضي على ما بقي من أحلام شباب تونس، وبين خطاب سياسي ديماغوجي مفبرك يبث ثقافة الإستثمار والمقاولة عبر بعث المشاريع الصغرى واعلان إفلاس الكثير من الشباب الذي انتصب لحسابه الخاص بسبب إشكالية التمويل أو عدم مردودية النشاط... يبقى السؤال مطروحا: إلى متى سوف يبقى الشعب التونسي يضحّي إجتماعيا وإقتصاديا بالغالي والنفيس، من أجل رفع مداخيل الدولة إلى أعلى مستوى كي تستطيع دفع أجور موظفيها المتواضعة، ومن أجل خدمة قلة قليلة من رجال المال والأعمال المفلتين من الضرائب بتعلّة تبني "الجمعيات" الصورية و"معاضدة" "مجهود الدولة الإجتماعي" الفاقد للروح الإجتماعية؟؟

عباس المولهي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني