الصفحة الأساسية > البديل الوطني > النظام يمعن في خنق المجتمع
النظام يمعن في خنق المجتمع
26 آذار (مارس) 2010

بقلم عمار عمروسية

تصرّ السلطة النوفمبرية أكثر من أيّ وقت مضى على المعالجة الأمنية لمجمل القضايا المطروحة. فمهما تعدّدت المشاكل وتنوّعت، وأيّا كانت السياقات (سياسية- حقوقية- اجتماعية...) كثيرا ما سارعت الحكومة إلى استحضار وصفتها الجاهزة التي تقوم أولا وقبل كلّ شيء على تشغيل ماكينة القمع بهدف فرض الهدوء والحيلولة دون اتساع رقعة الاحتجاجات.

ومعلوم أنّ جهازي البوليس والقضاء لعبا أدوارا أساسية في الهجوم المحموم الذي يهدف إلى مزيد إحكام الطوق على مجتمعنا وتدجينه حدّ العبودية لتعبيد الطريق أمام استمرارية الائتلاف الطبقي العميل في حكم البلاد.

والحقيقة أنّ استمرار الانغلاق السياسي كل هذه السنوات وتزايد وتائر القمع والتنكيل في الأشهر الماضية مثّلا الأرضية الخصبة ليس فقط لتكاثر الأسئلة المتصلة بجدوى النضال والتضحية وإنّما أيضا لتغذية مشاعر الشكّ وحتّى اليأس والقنوط من قدرة المعارضة الجدّية على حلحلة الأوضاع وتغييرها... ولعل تكاثر موضة الانشقاقات والانسحابات التي طفت مؤخرا في أكثر من حزب سياسي وتيّار، يمكن تمثّل البعض منها ضمن إطار الانكسار المعنوي وانسداد الآفاق الذي تمكّن من أصحابه وجعلهم إمّا يودّعون مواقعهم النضالية ويتحوّلون إلى كُتل صامتة قابلة بالأمر الواقع، وإمّا إلى جماعات تعمل سرّا وعلنا في ركاب الديكتاتورية التي أفلحت إلى حدود كبيرة في خنق المجتمع وكسر إرادته نحو التحرر والحرّية، وأقامت الجدران العازلة بين ما هو وعي سياسي وحقوقي وحتّى نقابي وبين الحركة الشعبية.

وكعادة كلّ ديكتاتورية سخّرت سلطة بن علي كلّ إمكانيات الدولة لتحقيق هدفها ذلك. فالإعلام والبوليس والقضاء والتعليم في كلّ مراحله وبطبيعة الحال المال، يتمّ تسخيرهم وفق الحاجيات والأوضاع لتدجين المجتمع واستمرار الهدوء الاجتماعي.

ولعلّ استمرار تراجع النضال الشعبي والاجتماعي، وضعف الحراك السياسي وانحساره في دوائر نخبوية جدّ ضيقة خصوصا في السنوات الثلاث الماضية، كلّه قد أسهم في إمعان السلطة في هذا النهج خصوصا في ظلّ مقتضيات التوريث أو التمديد وتزايد مصاعبها الاقتصادية التي يقع تنفيسها بصفة دائمة على حساب الطبقة العاملة ومجمل الشغّالين.

فالقمع بهذه الدرجة وبدرجات أخطر في المستقبل هو الخيار الذي ستمضي فيه السلطة (إن استمرّت موازين القوى الحالية على ماهي عليه) على الأقلّ حتى تجد الصيغة الملائمة لفضّ مسألة خلافة الرئيس الحالي.

والحقيقة أنّ تمسّك السلطة بنهجها في إدارة الشأن العامّ بهذا الأسلوب يبدو مثمرا من زاوية الحفاظ على مصالحها الطبقية والسياسية وهي دون شكّ على وعي تامّ بنجاحها، وهو ما يبدّد اعتقاد البعض بمناسبة وبدونها في تغيير ذلك الأسلوب، وهو أمر منطقي فالرابح لا يغيّر تكتيكاته وأساليبه إلاّ متى أُجبر على التغيير ومعلوم أنّ إجبار السلطة لن يأتي لا بدعوات الحوار ولا بالمشاركة في المهازل الانتخابية وإنّما بتطوير النضال السياسي وتوسيعه في اتجاه إشراك أوسع للجماهير على قاعدة مطالب ملموسة فيها الاجتماعي وفيها السياسي لخلق موازين قوى جديدة بالإمكان الاستفادة منها لتقليم أظافر الاستبداد وتحقيق مكتسبات مادية وسياسية لعموم الكادحين والشعب وفتح آفاق ملموسة لتحقيق التغيير الديمقراطي الحقيقي الذي يعيد للوطن عزّته وللمواطن كرامته.

ولا نخال هذه السلطة ولا حزبها الذي اغتصب الإرادة الشعبية بقوّة الحديد والنار وتلاعب بدستور البلاد كيفما أراد معنيّ بأيّ شكل من الأشكال حتى "بالإصلاح" فما بالك بتحقيق الديمقراطية.

فـ"التجمّع الدستوري" الذي يسيطر بالكامل على مقدّرات البلاد ودواليب الحكم من القاعدة إلى القمّة قد أضحى على الأقل في العشريتين الماضيتين ليس فقط عاجزا عن الحوار مع الآخر سواء كانوا فرادى أو أحزاب أو جمعيات، وإنّما حتّى على قبول الأفكار والرؤى المتباينة داخله. فالجميع يعلم الأسلوب الفوقي وحتّى الفردي في إرادة هذا "الحزب" الذي تحوّل نهائيا إلى مجرّد جهاز متهرئ يقتات من المال العام ويقوّي صفوفه باندماجه الكلّي مع السلطة التي تصرّ على بقائه حيّا- ميّتا لإعطاء واجهة مدنية لنظام الحكم وهو ذات الدور مع اختلاف المواقع الذي تلعبه المعارضة الديكورية التقليدية وتسعى بكلّ جهد بعض الفصائل المحسوبة على النضال لاحتلال مكانة ما في المربّع الديكوري معوّلة على انفتاح حكومي قد يأتي.

والملفت للانتباه أنه كلّما صعّدت السلطة في وتائر القمع، كلّما تكاثر الطامعون في الحصول على مغانم مادية وسياسية دون الاهتمام بالكلفة الباهظة لتلك المغانم، ممّا مكّن الأخيرة، أي السلطة، من هوامش إضافية مريحة لتلميع صورة الاستبداد في الداخل وخاصّة في الخارج، والأخطر من ذلك هو تمكين النظام من ذرائع سياسية لتمرير المسرحيات الانتخابية (رئاسية- برلمانية- وبلدية) من جهة، وتركيز عصا القمع والتهميش لقوى المعارضة الراديكالية من جهة أخرى.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني