الصفحة الأساسية > البديل الوطني > انتفاضة سيدي بوزيد تكشف عورة النظام
انتفاضة سيدي بوزيد تكشف عورة النظام
26 كانون الأول (ديسمبر) 2010

شهدت مدينة سيدي بوزيد انتفاضة عارمة منذ يوم الجمعة الفارط 17 ديسمبر. هذه المدينة الولاية الذي يبلغ عدد سكانها 396000 نسمة والتي تضم 12 معتمدية، والتي تحدها في مستوى الجغرافيا 6 ولايات. هذه الولاية التي تعاني التهميش والمحرومة من ثمار التنمية والمتضررة من السياسات المتبعة سواء كان ذلك في العهد السابق أو الذي تلاه في الامتداد الكرونولوجي والأمني والاقتصادي والإعلامي والسياسي...

هذه الانتفاضة اندلعت إثر إقدام الشاب محمد يوعزيزي على إحراق جسده أمام مقر السيادة (الولاية)، وهو حامل لشهادة عليا في الإعلامية معطل عن العمل، يمارس مهنة بيع الغلال على عربة يجول بها المدينة. أضرم النار في جسده على خلفية عدم تركه يمارس مهنته كبائع متجول من قبل أعوان تراتيب البلدية.

وأمام هذه المشهدية المروّعة تجمّع جمع غفير من المواطنين عشية 17 ديسمبر الجاري أمام الولاية محتجين ومطالبين بإيقاف المتسببين في دفع الشاب مجمد إلى إضرام النار في جسده ومحاكمتهم، مثلما نددوا بالسياسات المنتهجة من قبل الطغمة الحاكمة، ورفعوا شعارات [1] تدين هذه السلطة القمعية وكل مظاهر الاستغلال والفساد والحيف الاجتماعي والتهميش وما يسمّى زيفا بـ"الجهود المبذولة من لدنه لدفع العمل التنموي بالجهات...". عندها تكالبت على سيدي بوزيد المدينة وتقاطرت أرتال التدخل السريع وكل أنواع البوليس ومن كافة الولايات. تعزيزات أمنية هائلة تذكّرنا بهولها انتفاضة الحوض المنجمي في الرديف 2008، ولكن آلة القمع هذه لم تثن المحتجين عن الخروج في الأيام الموالية وتنظيم المسيرات الحاشدة، حيث دارت مواجهات عنيفة بين قوى الأمن المتجبرة والشباب المنتفض. وتم إيقاف العديد من المنتفضين من مختلف الشرائح والمشارب الفكرية والسياسية والنقابية، وتعرّضوا داخل مراكز الأمن إلى أبشع أنواع التعذيب والتنكيل..

هذه الاحتجاجات على سياسة الحيف الاجتماعي والتفقير والتهميش واللاتوازن في التنمية، امتدت إلى معتمديات هذه الولاية (المكناسي / سيدي علي بن عون / جلمة / الرقاب / منزل بوزيان / المزونة / الحفي...)، حيث جابت جملة هذه المظاهرات والمسيرات العارمة أرجاء وأنهج هذه المعتمديات بحضور وتأطير العديد من النقابيين أغلبها. كما شهدت مواجهات دامية بين المحتجين وقوات البوليس المتغطرسة.

الأنكى من هذا وذاك أن جماهير شعبنا في الأرض والشتات تابعت ما يحدث في سيدي بوزيد عبر وسائل العلام العالمية (الجزيرة / روسيا اليوم / فرنسا 24 / وفي الفضاء الافتراضي والصفحات الاجتماعية.. وحتى إعلام دولة زمبيا لم يفوّت الحدث http://www.zambianews.net/story.php?rid=41497171&ht=Tunisia---Police-violently-prevent-journalists-from-covering-Sidi-Bouzid-riots). فسلطة بن علي الفاسدة وكما هي معلومة عند القاصي والداني وكعادتها دوما مارست التعتيم الإعلامي عمّا يجري وما جرى سابقا، وهو أسلوب توخته في السنين الماضية بدءا بانتفاضة الحوض المنجمي إلى انتفاضة فريانة إلى الصخيرة إلى بنقردان وصولا إلى انتفاضة سيدي بوزيد. فالإعلام الرسمي وشبه الرسمي و"المستقل" زيفا، مكتوبا كان أو مسموعا أو مرئيا غائب تماما، وكأن ما يجري في سيدي بوزيد يجري في كوكب آخر يبعدنا مسافات ضوئية. أخرس هذا الإعلام طبعا وبأوامر أعرافه في مخافر وزارة الداخلية. فصحافتنا الدائرة في فلك الإعلام الرسمي وهي في أغلبها صحافة تعليمات، خَبرَها شعبنا ومنذ انتصاب جلاد الشعب بن علي في أعلى هرم السلطة في 1987.

وفي الأيام الأخيرة وبعد أن أُعطِيَ الضوء الخضر والتعليمات وكل السيناريوهات الواجب اتّباعها، طلت علينا جملة من الأبواق الناعقة والمأجورة، تتهم مرة أطرافا سياسية على أنها تريد خلق القلاقل في سيدي يوزيد لأغراض سياسية وتعكير صفو الأمن والأمان الذين أرسي دعائمهما وبعنايته الموصولة طبعا بن علي، وأخرى تحط جام لومها على الشاب محمد بوعزيزي الذي خرق القانون بانتصابه الفوضوي ولم يلتزم بالأوامر والتراتيب البلدبة، لا بل ذهب أحدهم "فيصل بعطوط" إلى نعت الشاب ناجي فالح - الذي رمى بنفسه من على عمود كهربائي أمام مقر معتمدية سيدي بوزيد احتجاجا على وضعيته الاجتماعية المزرية منتحرا "بالمخمور".

أمّا رئيس تحرير أول صحيفة الشروق اليومية و"المستقلة" جدا عبد الحميد الرياحي وفي الصفحة 2 (الأربعاء 22 ديسمبر 2010) فذهب بعموده المفتت الوصال قائلا: "وتظل تنمية الجهات الداخلية أولوية مطلقة من سياسات الدولة...". حقيقة كلام أجوف لا يحمل في داخله سوى الارتزاق والتزلف على فتات موائد العائلة الحاكمة. فإذا كانت هذه الإشكالية المعضلة -تنمية الجهات الداخلية- أولوية وحدث ما حدث ويحدث فعلا في سيدي بوزيد والحوض المنجمي وبنقردان والصخيرة.. ماذا لو كانت لم تحظى بهذه الأولوية والاهتمام من لدنه؟ هل كنا سنشهد أسوأ ممّا حدث؟. ويضيف وبجرأة المتزلّف الذليل "أن الجهات الداخلية عانت في العهد السابق من التهميش وحرمت من ثمار التنمية. لكن يبقى ملف هذه الجهات مفتوحا على الدوام على مكتب رئيس الدولة". وكأن العهد الحالي في قطيعة كلية وتخطي متجاوز في التعامل مع ملف الجهات الداخلية وتنميتها على خلاف العهد السابق من جهة، ومن جهة أخرى كأن ثمار التنمية موزعة على بقية الجهات الأخرى بالقسطاس. والحال يثبت بما لا يدع للشك أن هذه الثمار حكر على العائلة الحاكمة والمسترزقين من عطاياها أمثال هذه الأقلام المأجورة.

إن جماهير شعبنا أذانها مجّها نعيق غربان الصحافة التونسية وكلامها الفارغ في مثل هكذا محطات. فهذه الإسطوانة المشروخة في الكذب والرياء وقلب الحقائق والوقائع، خاصية من خاصيات الصحافة المأجورة.

ولن تظل طويلا طالما أن شعبنا بدأت تحصنه هذه الانتفاضات والاحتجاجات المتواترة بحقيقة سياسات ين علي وخياراته الاقتصادية الفاشلة وبحلوله المنية الفجّة وبإعلامه الأجوف.

وأخيرا وليس آخرا، إن ما هو مطروح اليوم أكثر من أي وقت مضى، ولتجذير الاحتجاجات في ولاية سيدي بوزيد ومعتمدياتها. أن تكون لجنة المواطنة والدفاع عن ضحايا التهميش بسيدي بوزيد في تماس حقيقي وفعلي وعملي مع نبض الشارع، وهذا يبقى طبعا مرهونا بثقة الناس في قياداتها، مثلما أن القيادة الميدانية ضرورة ملحة كهيئة منظمة ومنظمة وفائدة وممركزة لكافة التحركات. كما أن المنظمات الحقوقية والسياسية والحركة النقابية والسياسية مدعوة اليوم هي الأخرى أمام هذا الحريق والاحتراق التي تعانيه ولاية سيدي بوزيد إلى الانتفاض على جلباب بيانات التنديد والعمل على تجذير الموقف التعبوي بالمساندة الميدانية والفعلية.

إن أركان هذا النظام بدأت تترهّل.. لا بل ترهّلت..
تسقط سياسات التهميش والقمع والاستغلال
يسقط لجلاد الشعب
عاشت انتفاضات شعبنا المستمرة والمتواترة

نجمة سعيد
24 ديسمبر 2010

هوامش

[1يسقط حزب الدستور يسقط جلاد الشعب / التشغيل استحقاق يا عصابة السراق / لا للقمع والاستبداد يا حكومة الفساد...


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني