الصفحة الأساسية > البديل الوطني > "اِلـِّي تعرفو خير مِ اللي ما تعرفوش"
"اِلـِّي تعرفو خير مِ اللي ما تعرفوش"
(من تعرفه أفضل ممن لا تعرفه)
23 كانون الثاني (يناير) 2010

"اِلـّي تعرفو خير مِ اللي ما تعرفوش"، هذه العبارة التي تجري مجرى الأمثال في بلادنا، وفي أقطار عربية أخرى بصيغ مشابهة، يقع تداولها بشكل خاص في المواعيد الانتخابية. فأمام اليأس من أيّ تغيير عن طريق انتخابات حرة وديمقراطية، ترى العديد من الناس يرددون تلك العبارة في أحاديثهم. وقد ردّدها البعض بالفعل بمناسبة المهزلة الانتخابية ليوم 25 أكتوبر الماضي بعد أن يئسوا من إمكانية رحيل بن علي الموجود في الحكم منذ 22 سنة والمرشح، الفائز حتى قبل إجراء الاقتراع بما لا يقل عن 90% من الأصوات، لولاية خامسة، وإذا "أطال الله في عمره" سيكون الفائز من الآن، وبعد "تحوير الدستور" لإلغاء شرط السن القصوى (75 سنة)، في "انتخابات" 2014 لولاية سادسة ما دام "الشعب يحبه ويتمسك به" وحتى إن كان وَعَدَهُ منذ اليوم الأول لوصوله إلى الحكم في نوفمبر 1987، وعدا قاطعا بأن "لا رئاسة مدى الحياة"!!

قلنا إذن ردّد التونسيون أو بالأحرى عدد منهم القول المأثور "اِلـّي تعرفو..". وإذا حاولتَ أن تعرف لماذا يردّد مخاطبك هذا القول فإنه سرعان ما يجيبك: "يا أخي بن علي تعودنا بيه... تخاف لا يجينا حد ما نعرفوشو ونوليو نرحمو على بن علي كيف ما رحمنا على بورقيبة..." ثم يصمت مخاطبك. وإذا "قرأ فيك الثقة" فإنه ينتقل بك إلى "الرسمي" فيضيف: "حكامنا بكلهم سرّاق... وإذا واحد منهم مش سارق، اِلـّي معاه سرّاق... يأتي الواحد منهم للحكم وهو "تِرْ فِرْ" فإذا به سرعان ما يملأ جيوبه ويفقرنا ويفقر البلاد... بن علي نفسه لما جاء إلى الحكم كان هو وعائلته "كح بح"... انظر اليوم كيف استغنى واستغنى أفراد عائلته وأنسابو... ما خلاو فيها شيء... ماو عاد خير يبقاو هوما على الأقل عبّاو، خير ما يجينا "جيعان" جديد يكمل علينا ويحبّلو باش يستغنى هو وعائلتو وأنسابو وأبناء عمو...".

إن من يتمعّن في هذا الكلام يدرك ما فعله الاستبداد بقطاعات واسعة من شعبنا. فالناس أصبحوا يشعرون بأنهم لا قوة ولا حول لهم على "الحاكم". فهو "قضاء وقدر" تماما كما كانت الأمور أيام البايات، عندما كان الحكم وراثيا، لا دخل لعامة الناس فيه. وبما أنهم يعتقدون أن الأمر ليس بيدهم فإنهم يفكرون بعقلية "اِلـّي تعرفو.." و"شدّ مشومك لا يجيك ما أشوم منو" إلى غير ذلك من الأمثال التي لا تنتعش إلا في مناخات الاستبداد. ومن البديهي أن هذه العقلية لا نجدها في البلدان التي تمكنت فيها شعوبها من افتكاك حقوقها السياسية وأصبح لها دور نشيط في الحياة العامة.

إن الناس في البلدان الديمقراطية يعرفون المرشحين للوظائف العامة، للرئاسة والبرلمان والبلديات، إلخ. يعرفونهم بفضل حرية التعبير والصحافة والاجتماع، ويزدادون معرفة لهم خلال الحملات الانتخابية، وبهذه الصورة تتوفر لهم فرصة الاختيار، الاختيار بين مرشح وآخر، على أساس ما يقدمه من برامج ومقترحات وأفكار... وحتى إذا ما أخطأ الناس في اختيارهم فإن لهم من الوسائل الديمقراطية ما يمكنهم من محاسبة من انتخبوه. فبإمكانهم انتظار الموعد الانتخابي الموالي واختيار غيره ويكونون بذلك قد عاقبوه على عدم الإيفاء بوعوده. وإذا ما كانوا في عجلة من أمرهم بسبب ما لحق بهم من ضرر، فبإمكانهم التجند لعزله، عبر العرائض واللوائح، وعبر الاجتماعات والمظاهرات والمسيرات والاعتصامات، ناهيك أن "الحاكم" ذاته قد يرى أن من مصلحته ومصلحة البلاد و"النظام" الاستقالة أو الدعوة إلى انتخابات جديدة حتى يعرف إن كان الناخبون مازالوا يثقون به أم لا. ولذلك لا تجدُ الأمثال من نوع "اِلـّي تعرفو.." و"شدّ مشومك..." أرضا خصبة لها في البلدان الديمقراطية لأن الناس "كلهم معروفون" أو بالأحرى بالإمكان معرفتهم بفضل ما توفره الحريات من إمكانيات، ولأن "المشوم" بإمكان الناس تغييره والبحث عما هو أفضل منه، لأن الإمكانية موجودة لاجتناب "الأشوم منه".

أما في بلادنا "المحروسة" فوسائل الإعلام لا تتحدث إلا عن شخص واحد وهو بن علي، وهي مغلقة أمام معارضيه ومنتقديه، وهو ما يحدّ من معرفة الشعب لهم. كما أن الانتخابات لا يترشح لها إلا بن علي وجماعته وحتى إذا ما عنّ لهم فسح المجال لـ"آخرين" للترشح فهم يختارونه من "الموالين" الذين يترشحون ليقولوا للناس "صوّتوا لبن علي..." وبالتالي فإن إمكانية الاختيار غير متوفرة لعموم الشعب. ثم إن نتائج الانتخابات معروفة عندنا مسبقا ولا مجال للتخمين حولها. وبالتالي فإن "الحاكم" عندنا معروف لا يتغير إلا بانقلاب أو بالوفاة. أمّا الأساليب الديمقراطية فلا مكانة لها في هذه الربوع. ومن هذا المنطلق تنتصب السلطة عندنا قوة رهيبة جاثمة على عقول الناس وعلى أجسامهم، "لا حول ولا قوة لهم عليها" مما يجعلهم يفكرون بعقلية أن لا دخل لهم فيها وهو ما يغذي عندهم التفكير بـ"اِلـّي تعرفو.." و"شد مشومك"...

إن المعركة مع الاستبداد ليست في الواقع منحصرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل تتعداها أيضا إلى المستوى الفكري والثقافي. فالتغيير لا يمكن أن يحصل، والجماهير الشعبية لا يمكن أن تنهضن إلا إذا تمت مقاومة العقليات الاستسلامية "القدرية" التي تنظر للحكم على أنه "قضاء وقدر" ولا تؤمن بأن الشعب هو الذي يصنع التاريخ، وينجز التغييرات وأنه القادر على كنس الحكام المستبدين إذا وثق بقدراته، ووعى وتنظم.

إن المعركة من أجل الحرية السياسية والديمقراطية ينبغي أن ترتبط إذن بالمعركة الفكرية الثقافية من أجل القضاء على فكر الاستبداد وثقافته المتغلغلين في العقول.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني