الصفحة الأساسية > البديل الوطني > بطاقة زيارة
عفاف بالناصر:
بطاقة زيارة
11 أيلول (سبتمبر) 2010

في كلّ مرّة كنت أجتاز فيها البوّابة الخارجيّة للسجن الذي أسمّيه (منذ أن كنت نزيلته) "الغول الكبير"، إلاّ وأشعر أنّ قدماي تتثاقلان، أشعر كذلك بالعجز عن أن أفتكّ الفاهم من مخالب هذا الغول، وغالبا ما يداهمني السؤال المُحرق "ماذا يفعل الفاهم بوكدّوس إلى حدّ الآن في هذا المكان؟ لماذا لا يعود معي إلى البيت؟".

ما زاد في تثاقل قدماي هذا اليوم وباعتبار أنّها زيارة العيد مرارة احتمال دمع أخوات وأمّ الفاهم وهي تتشبّث بي كالطفلة الصغيرة ماضية للقاء ابنها.

الفاهم يقضي عقوبة "الخروج عن القانون" وتطحنه آلة القمع السلطويّ، والطغاة لا محالة سيدفعون فاتورة كلّ دموع الأمّهات..

أمّ حسن بن عبد الله، أمّ الفاهم بوكدّوس، أمهات شبان المظيلة، أمّهات شهداء الحوض المنجمي، أمّي التي أحبّت الفاهم كأخ ثالث لابنيها.. ودموعي ربّما أيضا تحت الغطاء وحيدة أشعر بالأمومة الطافحة الثكلى تجاه كلّ المسحوقين.. وغيرنا من الأمهات الموجوعات في فلذات أكبادهنّ.

تركت لها جهاز الاتصال، ارتبكت، ضحك لها وداعبها بمرحه الطفوليّ، تبسّمت وانزاح بعض من همّها، اطمأنت قليلا، تركتها تستمتع بمحادثته ولا تشبع. وعندما فاض دمعها من جديد أخذت منها السمّاعة لأسأله عمّا لم يبُح به لأمّه وإخوته.

قُلت صحّتك وكيف قضّيت يوم العيد؟

وفعلا وكما تنبّأتُ فقد تأثّرت معدته بكمّيات الأدوية التي أخذها في المدّة الفارطة كما قال له طبيب السجن بعد أن كان ضحيّة لحروق حادّة في المعدة ليلة الثلاثاء 7 سبتمبر.

إنّها طريقة جديدة إذ لم يُسبق لها للتنكيل بسجين الرأي في تاريخ السجون التونسيّة، أن يتمّ حشوُه بطريقة عشوائيّة بكميّات هائلة من الأدوية حتّى يكاد أن يهلك، والحال أنّ بيدهم دواء أكثر نجاعة وهو أن يُخلو سبيله فيرتاح من جوّ السجن الموبوء.

سألته عن العيد "وقد أصابتني فعلا عدوى الأسئلة"

أجابني: لا أعياد في الزنازين

لا أعياد في غياب شمس الحرّية.

الحرّيّة لك
وسيُجفّف دمع أمّك قريبا.

عفاف بالناصر
قفصة في 11 سبتمبر 2010


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني