الصفحة الأساسية > البديل الوطني > بين الرغبة في خوض معركة ضد الديكتاتورية وخدمة المصلحة الفئوية الضيقة
المعارضة وانتخابات 2009:
بين الرغبة في خوض معركة ضد الديكتاتورية وخدمة المصلحة الفئوية الضيقة
24 شباط (فبراير) 2009

لم يعد يفصلنا عن مهزلة 2009 الإنتخابية إلا القليل وكلّ الدلائل تشير إلى أنّه لن يكون لهذه المهزلة من الانتخابات إلا الاسم. فأيّ معنى لانتخابات لا تتوفر فيها حرية الترشح وحرية الدعاية للبرامج، وإمكانية مراقبة العملية الانتخابية ذاتها؟ لا أحد يشك في أنها ستكون انتخابات كالعادة معلومة النتائج مسبّقا: بن علي رئيس بأغلبية ساحقة، و"تجمع" فائز في كل الدوائر الانتخابية وبأغلبية ساحقة أيضا و25 بالمائة مكافأة للمعارضة التي شاركت حسب درجة الولاء والمهادنة.

وإن كان لا أحد يقرّ بوجود رهان انتخابي حقيقي فإنّ البعض يرى ضرورة المشاركة واستغلال "الفرصة" لخوض معركة ضد الديكتاتورية بل وحتى يعتبر أن لا مجال لغير المشاركة وأن كلّ حديث عن المقاطعة يعني الدعوة "للفرجة" وعدم الفعل في الواقع، وأنه لا مواطنة ولا إمكانية للارتباط بالجماهير والارتقاء بوعيها إلا بالمشاركة.

ولا يخفى على أحد أن الدكتاتورية النوفمبرية، ولتأبيد سيطرتها وتمرير مشاريعها، تعمل على تشتيت المعارضة وتوجيهها ضدّ بعضها والحيلولة دون توحّدها. فهي تدرك تمام الإدراك أن لا إمكانية لخوض معركة حقيقية ضدها بمعارضة ضعيفة ومشتتة خاصّة وأنّنا نعلم أن لا الشروط القانونية لخوض مثل هذه المعركة متوفرة ولا ميزان القوى الحالي يسمح بذلك.

فإذا لم تتوحّد المعارضة الديمقراطية لتخوض معركة بصفة مشتركة فالديكتاتورية ستكون طليقة الأيدي وسوف لن يكون هناك أي قوة قادرة على الوقوف في وجهها ولو بصفة جزئية ومحدودة.

وفي هذا الإطار، فانقسام المعارضة بين مشارك ومقاطع وقوائم مختلفة بالنسبة للمشاركين في حدّ ذاتهم سوف لن يخدم سوى مصلحة الديكتاتورية. فمعركة حقيقية لمواجهة مهزلة 2009 لا يمكن أن تخوضها إلا معارضة ديمقراطية موحّدة واعية أنّ الاختلافات التي بينهـا، مهما كبرت، تبقى ثانويّة مقارنة بخلافاتها مع الدكتاتورية القائمة، ومتجاوزة كلّ المصالح الفئوية الضيقة ومترفعة عن الفتات الذي تتركه السلطة ذاتها لتلميع صورتها وتمرّر مهازلها وبث الأوهام حول طبيعتها.

إن وحدة المعارضة الديمقراطية مسألة أساسية وحيوية تستدعي منّا جميعا أن نوليها الأهمية التي تستحق.

ونحن إذ نعتقد أن الموقف الأسلم في الظروف الحالية هو مقاطعة مهزلة 2009. فإننا نولي وحدة المعارضة أهمية بالغة ونعتقد أن هذه الوحدة هي التي ستُكسب المقاطعة النجاعة والفاعلية اللازمتين ولا تجرّم المشاركة في المطلق. فمشكلتنا ليست مع المشاركة في حدّ ذاتها، بقدر ما هي مع مهادنة الدكتاتورية ومع تسبيق المصلحة الفئوية الضيقة على حساب مصلحة الشعب والحركة الديمقراطية. فمشاركة موحّدة هدفها مواجهة الدكتاتورية وتجاوز الحدود التي تفرضها ورفض رشوة الـ25 بالمائة لا يمكن أن تكون إلا مشاركة إيجابية يجب دعمها والوقوف إلى جانبها. ولكن أين نحن الآن من مثل هذه المشاركة؟ فبصفة معلنة أو غير معلنة يطغى على دعاة المشاركة اليوم الرغبة في الحصول على كرسي في البرلمان الصوري وضمان تمويل حزب أو جريدة وتبرير ذلك بمنطق "السياسة هي فن الممكن" و"لا إمكانية في الظروف الحالية لغير ذلك" بل وقد وصلت مغازلة السلطة بالبعض إلى حدّ التصريح أنّ "تونس في طليعة البلدان التي حققت تقدما اقتصاديا واجتماعيا" متجاهلا معاناة شعبنا على كافة المستويات.

هذا إلى جانب أن الدكتاتورية تتحكم في الأوضاع إلى أقصى الحدود، فهي التي تقصي من تريد وتفتح الباب أمام من تريد بقدر الولاء والتواطؤ والتخلي عن مصلحة الشعب. فهي لم ولن تسمح بمشاركة مناضلة تفضحها وتهدّد مصالحها. والكل يتذكر إسقاطها لكل قائمات المعارضة الديمقراطية في الانتخابات البلدية الأخيرة لا لشيء إلا لأنها كانت قائمات موحّدة أرادت أن تواجه التجمع بصفة مشتركة. ومن لا يعرف أنها دأبت على إسقاط كلّ القائمات التي تتوقع أنها ربما لن تكون تحت السيطرة وربما قادرة على تجاوز الحدود المرسومة لها، وتجسّد تحديا حقيقيا مختلقة شتى التعلات ومتبعة كل الطرق في سبيل ذلك. وهكذا فالمشاركة مُتحَكّمٌ فيها من قبل الدكتاتورية أو لا تكون. ورفض ترشّح الأستاذ نجيب الشابي وغيره أكبر دليل على ذلك. ولا خيار أمام القوى الديمقراطية الحقيقية غير تجاوز الانعزالية والفئوية الضيقة والعمل المشترك والموحّد حتى وإن اضطررنا لتقديم تنازلات مؤلمة عن بعض الأحيان وذلك من أجل فرض واقع ميداني جديد يتجاوز إرادة السلطة وسيطرتها ويمكننا من الوصول إلى الجماهير الواسعة وإيصال مواقفنا ورؤانا وبدائلنا.

سميح


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني