الصفحة الأساسية > البديل الوطني > تشكيل الحكومة الجديدة بين مطمع الأحزاب وانتظارات الشعب
تشكيل الحكومة الجديدة بين مطمع الأحزاب وانتظارات الشعب
10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011

من المنتظر أن يتمّ الإعلان في وقت لاحق عن أعضاء الحكومة التونسيّة المؤقتة. وتسود حالة من الترقب وسط الشارع التونسي حول قائمة الأسماء المرشحة التي يكتنفها شيء من الغموض. ويأمل الشارع التونسي أن تكون الاختيارات في محلها نظرا لطبيعة المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد والتي لا تحتمل أية أخطاء، فالحكومة الجديدة ستقود البلاد لفترة لا تقلّ عن العام لوضع الترتيبات النهائية لشكل الدولة الجديدة. وهذه أهم مرحلة ستمر منها تونس وهي مرحلة «ما بعد ثورة الكرامة» و «ما بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي» .

فهل سيتم إنجاح مشروع الانتفال الديمقراطي؟ أم سيتم إعادة إنتاج النظام القديم بوجه جديد؟ و بالتالي إعادة إنتاج العبث السياسي والضحك على ذقون الشعب.. الذي يبدو إلى حدود اللحظة أن بعض السياسيين التونسيين تبادلوا الأدوار في حين بقيت جلّ الشخصيات على حالها... وهنا نطرح السؤال: من يمثل أبناء ثورة الكرامة ؟ هل هو «حزب النهضة» المكتسح في انتخابات المجلس التأسيسي؟ أم الباجي القائد السّبسي رئيس الحكومة الحاليّة وربّما رئيس الدّولة اللاحق؟ أم أولئك الذين قادوا الحراك الثوري وبقوا خارج المجلس الوطني التأسيسي؟

بعض المعطيات الأوليّة

صرّح السيّد حمادي الجبالي أمين عام «حركة النهضة» في مؤتمر صحفي عقده الجمعة 28 أكتوبر الفارط بأن «النهضة» ستسرّع عملية تشكيل حكومة جديدة، مرجحا أن تستغرق العملية ما بين أسبوع وعشرة أيّام. وفي مقابلة مع «العربية.نت» قال نور الدين البحيري، عضو المكتب التنفيذي لـ «حركة النهضة» ، والمسؤول عن الملف السياسي بالحركة أنّ إمكانيّة الإبقاء على وزراء من الحكومة الانتقالية وارد، وهو ما كان قد أكـّد عليه زعيم الحركة راشد الغنوشي في تصريحات لوكالة «رويترز» عشية أول مؤتمر صحفي له بعد الإعلان عن النتائج الرسمية لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي من أن التغيير في الحكومة لن يكون كاملا، وأن تلك القرارات ستتخذ بعد التشاور مع شركاء الحركة في الحكومة الائتلافية، ليترك بذلك الباب مفتوحاً لاحتمال أن يلعب الباجي قائد السبسي دوراً مهماً في المرحلة القادمة.

وبحسب التسريبات الإعلامية ومواقف قيادات النهضة، فإن هنالك سيناريو يتردد بقوة مفاده فرضية قوية حول ترشيح الباجي القائد السبسي رئيس الحكومة الحاليّة لرئاسة الدولة في المرحلة القادمة. إضافة إلى ذلك بروز إرادة قوية لدى النهضة في إشراك الجميع، وعدم الانفراد لوحدها بإدارة الحكومة القادمة.

وكان الباجي قائد السبسي قد طمأن التونسيين في آخر إطلالة تلفزيونية له قبل الانتخابات «أنه حين يوافق المجلس التأسيسي على التنظيم المؤقت للسلطة تنتهي مأمورية هذه الحكومة بكل أجهزتها، وتسلم الأمانة لمن يتم انتخابه أو تعيينه» ، مشدداً على أنه «لن يكون هناك أي فراغ في السلطة. «

ولادة عسيرة... ومفاوضات صعبة

يتبيّن لدى الرّأي العام التونسي أن المشاورات المكثفة لتشكيل الحكومة الجديدة بين أبرز الأحزاب الفائزة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تونس تتعثر بسبب تشبث كل طرف بمواقفه وغياب روح التنازل بين «حلفاء» المشهد السياسي الجديد، فحركة النهضة الفائزة بـ 90 مقعدا في المجلس التأسيسي تطرح خيار حكومة إئتلاف وطني، وأكّدت مصادر مقربة من حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة إلى أنّ الحزب لا يستبعد حصول اتفاق مع النهضة في هذا الشأن. في المقابل يدعو حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، الفائز بـ21 مقعداً، إلى حكومة مصلحة وطنية. أمّا حزب التجديد فقد طرح تشكيل «حكومة كفاءات وطنية» من خارج الأحزاب، في حين أعلن الحزب الديمقراطي التقدمي المتحصّل على 17 مقعدا داخل المجلس التأسيسي بعيد الانتخابات أنّه تحول إلى صفّ المعارضة وهذا نفسه ما انتهجه حزب العمال الشيوعي التونسي الذي رفض الدّخول والمشاركة في أيّ تشكيل حكومي جديد.

أيّ الخيارات أقرب للمنطق

من المفيد جدا أن يكون هناك خبرات مهنية كفؤة وعلى مستوى الوزراء يمكن الاستفادة منها في عملية البناء الجديد للدولة ولكن يجب اختيار العناصر الوطنية التي يمكن التأكد من ولائها لتونس. والتغيير التدريجي قد يعيد تجربة بن علي وعليه يجب عدم إعطاء المجال لعودة أي شخص ساهم في دعم السياسية القديمة وكتم أنفاس الشعب وممارسة الظلم ضده. إن تونس الجديدة تحتاج لفكر سياسي جديد وساسة جدد. ويجب منح حرية العمل السياسي للجميع على حد سواء في بناء تونس ديمقراطية جديدة.

أين الشعب من كلّ هذا

في خضم المشاورات والمناورات لتشكيل الحكومة الجديدة فإننا نلحظ أصواتا نكراء تتعالى من كلّ البقاع ترهب التونسيّين وتحذرهم من التمادي في مطالبهم الثورية لأن ذلك يهدد «وحدتهم الوطنية» حسب زعمهم. ومن بين هؤلاء حكـّام عرب ورأسماليّون انتهازيّون، يصلـّون ليلا ونهارا ويدعون من أجل انهيار تونس لتصبح عبرة للشعوب «المشاكسة» التي لا ترضى بالاستبداد والفساد، وأيضا بعض والإسلاميين الذين يريدون لتونس أن تكون فأر تجارب آخر لنظرية «الدولة الإسلامية الفاضلة» .

إنّ شعبنا يطمح إلى حكومة وطنية، تعددية، تنفتح على كل مكونات المجتمع المدني والسياسي وتستجيب لمطالب الناس في الحرية والكرامة، والشغل وتتجاوز سياسة كتم الأصوات وملاحقة المناضلين، وتقدّم تعويضات للمساجين السياسيين وأسر الشهداء، وتقدم ضمانات لتنفيذ الوعود، ولا تلتفّ على أحلام المحتجّين، ولا تسرق نصرهم.

ليس المهم في تشكيل الحكومة بل في برنامج هذه الحكومة. هل ستجعل هذه الحكومة تونس دولة ديمقراطيّة، تضمّ الجميع، وتحترم حقّ الاختلاف وحقّ التعبير عن الرّأي والنقد البنـّاء... أم سيبقى التونسيون تحت ظل موسى الحلاق وتنحدر الوطنيات فيها إلى الهاوية؟

وعلى الحكومة القادمة أن تستوعب دور شعبنا وأن تشتغل وفقا لتطلعاته وآماله... وتكفّ عن التلاعب بمشاعره الدينية وإثارة القضايا الجانبيّة. فمتى اشتمّ التونسي وذاق رائحة وطعم الحرية فلن يتوقف عند هذا الحد. وليستوعب «الحكام الجدد» ذلك، فطلبات الشعب ليست بالمستعصية أو المعقدة. إنه يطلب الحرية والعيش بكرامة وإقصاء الفاسدين والمفسدين بالكامل عن السلطة. وقيام حكومة منبثقة عنه لا يهيمن فيها حزب على حساب الآخر بمواقفه وإكراه وإجبار الناس على اعتناق ما لا يريدون وإنّ هذا لمن الأمور المنطقية بعد كل تلك التضحيات الجمّة التي طالت طغيان الشعب لعقود طويلة. وبعد أن يتمّ كلّ هذا حينها فقط سنقول هنيئا للشعب التونسي على إصراره للوقوف بحزم وهنيئا له بثورته العظيمة.

الثورة... إلى أين؟

إن تشريك ذيول النظام السابق في الحكم لا يصبّ في مصلحة ومستقبل الشعب التونسي. فنحن بصدد علاج جسد مريض من أورام خبيثة ولا يعقل أن نستأصل جزء من هذا الورم ونبقي الجزء الآخر لإحساسنا بشيء من الراحة والسّكون والرّهان على تجربة عاشها الشعب التونسي سابقا بكل مرارتها. وأعتقد أنّ الحل الأمثل دحر براثن النظام السابق مع التذكير بأنّ هذه البراثن ليست تلك التي اشتغلت مع المخلوع وحزبه المنحلّ فقط، بل هي أيضا تلك التي تسعى إلى انتهاج نفس السّياسة المعتمدة في السّابق بالتعويل على القروض والدّيون الخارجيّة والاستثمارات الأجنبيّة والشراكة الأوروبيّة وإغراق البلاد وتسليمها للقوى الامبرياليّة. لذلك يجب التفكير في بناء اقتصاد وطني يضمن استقلاليّة البلاد وتوزيع خيراتها على أصحاب الأرض بالعدل والتساوي.

خلاصة القول أن الرجوع إلى الخلف لم يعد مقبولا. فالشعب التونسي بلغ «سن الرشد» ولا يمكن الرجوع للخلف بعد هذه الدماء التي سالت على أرض تونس الحبيبة، وشعب تونس يَعِدُ كلّ متآمر بمزيد من الثورة حتى اقتلاع سياسة الاستبداد والتبعية، وهو سيكون بالمرصاد لكل من يتلاعب بإرادته أو يراهن على «غفوته» ، وهو مستعد للثورة من جديد في وجه كل مستبد.

عبداللطيف الجربي



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني