الصفحة الأساسية > البديل الوطني > تصريف الأزمة على حساب الشعب والوطن
ميزانية الدولة لـ2010:
تصريف الأزمة على حساب الشعب والوطن
1 نيسان (أبريل) 2010

انتهت مداولات "مجلس النواب" و"مجلس المستشارين" في موفى شهر ديسمبر الماضي بالمصادقة على قانون المالية الجديد لسنة 2010. وقد جاء نص القانون في 56 فصلا أدخل أغلبها تنقيحات على تشريعات قديمة مثل:
- مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية
- مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات.
- مجلة المحاسبة العمومية

وبعض أحكام قوانين مالية للسنوات الماضية.

وترتكز ميزانية هذه السنة على حاصل ميزانية العام الفارط لكنها أيضا تنبني على جملة المعطيات الاقتصادية والاجتماعية المرتقبة في ظل أجواء الأزمة الاقتصادية العامة وانعكاساتها على بلادنا. لذلك تخضع تقديراتها للنتائج المسجلة نهاية العام الفارط من جهة وللإمكانيات الحقيقية التي سيسمح بها الظرف الاقتصادي الراهن وتطوراته المستقبلية على المدى المنظور من جهة ثانية.

في البداية لا بد من الإشارة من الناحية الشكلية إلى أن المداولات جرت على العموم داخل اللجان المختصة فيما اقتصرت الجلسات العامة على استفسارات النواب وردود أعضاء الحكومة بحيث لم يكن متاحا للنواب التعمق في دراسة جوانب مشروع الميزانية بصورة معمقة ومتأنية وبحيث تمت المصادقة على مختلف أبوابها في وقت قياسي وبمعدل ثلاث أو أربع وزارات في اليوم. الأمر الذي يجعلنا نقول أن مشروع الميزانية يمثل وجهة نظر السلطة التي "اقتلعت" مصادقة شكلية من قبل "نواب الشعب" الذين يعرف الشعب حقيقة تمثيليتهم له ولمشاغله ويدرك الظروف التي تم فيها انتخابهم.

كما لا بدّ من التذكير بخصائص الظرف الاقتصادي والاجتماعي العام السائد الآن والذي سيلقي بظلاله على البلاد طيلة السنة الحالية 2010 التي سيقع خلالها تنفيذ هذه الميزانية. فمن المعلوم أن الاقتصاد التونسي يمرّ بفترة صعبة نسبيا نتيجة انعكاسات آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي اشتدت وتيرتها خريف 2008 في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وامتدت لتشمل باقي اقتصاديات العالم المنخرطة في نظام العولمة الرأسمالية.

لقد انخرط اقتصادنا في النظام الاقتصادي الرأسمالي كليا منذ الشروع في تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي ثم بعد أن بدأت الحكومة التونسية في تطبيق بنود اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي 2008. ومن المعروف أن الاقتصاد التونسي الذي يرتكز على المؤسسات الصغرى والمتوسطة ويختص، في نطاق التقسيم الدولي للعمل، في الإنتاج البضاعي والاستخراجي والصناعي التحويلي وفي قطاع الخدمات، يركز على الإنتاج للتصدير للأسواق الأوروبية خصوصا. وعلى هذا الأساس فإن الظرف الاقتصادي التونسي مرتبط على الدوام بحالة الطلب في الأسواق الخارجية وما يعتريها من تقلبات ومصاعب. ونتيجة لذلك فإن آثار الأزمة في الاقتصاديات الأوروبية على مستوى قدرة الاستهلاك هي التي تحدد المعطيات الاقتصادية في تونس. وتتجلى هذه الانعكاسات على جميع مظاهر وأنشطة اقتصادنا انطلاقا من الاستثمار وبعث المؤسسات وصولا إلى القدرة على افتكاك الأسواق وتصدير موادنا ومنتجاتنا مرورا بالقدرات الإنتاجية لهذه المؤسسات وقدراتها على خلق مواطن الشغل وبحجم الاستهلاك والادخار وغيرها من جوانب العملية الاقتصادية الكلية.

وبصورة ملموسة لا مفر للاقتصاد التونسي من أن يعاني خلال سنة 2010، تماما مثلما كان الأمر بالنسبة للسنة الفارطة، من انكماش الاستثمار (المحلي والأجنبي) بل وتفاقم ظاهرة غلق المؤسسات وتراجع الإنتاج والتصدير والاستهلاك الأمر الذي سيحتم على الدولة اللجوء أكثر للاقتراض وتفاقم الدين العمومي وعجز الميزانية وتراجع القدرة التشغيلية وبالتالي تفاقم ظاهرة البطالة إلى جانب تدهور المقدرة الشرائية إما بالزيادة في الأسعار أو بالتخفيض في قيمة العملة وما إلى ذلك من المآسي الاجتماعية التي ستنجم عن كل هذه التوقعات الاقتصادية والاجتماعية العامة.

ذلك ما يفسر الإجراءات التي جاء بها نص قانون المالية لتنقيح المجلات والقوانين المذكورة أعلاه. فيتضح من ذلك أن اهتمامات السلطة منصبة على تشجيع الاستثمار عبر المصادقة على تقديم تسهيلات وتشجيعات وامتيازات جديدة لأصحاب رأس المال (محليين وأجانب) بالنظر للتراجع المسجل خلال السنة الماضية من جهة ولحاجتها الماسة لمزيد من الموارد لتمكين الميزانية من مواجهة مصاريف التصرف من جهة ثانية. كما يتضح من التنقيحات المذكورة اضطرار الدولة إلى مزيد تقوية أشكال وأبواب آليات استخلاص الضرائب للتعويض عن "الخسائر" الناجمة في هذا الباب عن تطبيق مقتضيات اتفاق الشراكة وحذف الضرائب على المواد الاستهلاكية الأجنبية الوافدة على السوق التونسية. هذا إلى جانب تخوفاتها من تفاقم ظاهرة البطالة التي ستزداد نسبها أمام عجز النسيج الإنتاجي عن استيعاب الطلبات المتراكمة وطلبات الشغل الجديدة.

1. نتائج هزيلة واقتصاد مأزوم

يتضح من خطاب الوزير الأول أثناء تقديم الميزان الاقتصادي لافتتاح النقاش حول الميزانية تخلي النظام عن خطاب التبجّح بـ"النجاحات" وبـ"المعجزة الاقتصادية التونسية" والإقرار عوضا عن ذلك بصعوبات الظرف الاقتصادي والاعتراف بأن الأزمة قد طالت الاقتصاد التونسي حتى وإن حاول الوزير الأول التخفيف من ذلك وتلطيفه. فقد اعترف الوزير الأول تصريحا وتلميحا أن كل المؤشرات الاقتصادية التونسية لسنة 2009 قد شهدت تراجعا متفاوت النسب. وجاء في خطابه أن نسبة النمو لم تتجاوز 3% أي نصف ما كان متوقعا سنويا للمخطط الخماسي الحالي 2007-2011 علما وأن خبير صندوق النقد الدولي الذي زار تونس مؤخرا كان صرّح أنه على بلادنا تحقيق نسبة نمو لا تقل عن 10% إذا ما أرادت أن تواجه آثار الأزمة وتحقق نسبة تشغيل تساعد على التحكم في ظاهرة البطالة (تشغيل 85 ألف سنويا طيلة المخطط الخماسي). كما اعترف الوزير الأول أن الاستثمار الخارجي قد سجل تراجعا كبيرا. وأكد وزير التنمية والتعاون الدولي يوم 25/12/2009 أمام "مجلس النواب" أن نسبة التراجع بلغت 35% مقارنة مع سنة 2008 وأن الصادرات التونسية قد سجلت نسبة تراجع تزيد عن 20% مقارنة بـ2008 أيضا. وتفيد الأرقام المتوفرة أن سعر الصرف للدينار التونسي قد تراجع مقارنة مع العملة الأوروبية الشريك التجاري والاقتصادي الرئيسي. ومن جهة أخرى سجلت الميزانية العامة للدولة عجزا قارب 4% فيما لا تزال نسبة الدين الخارجي تصل إلى 42% من الناتج الداخلي الإجمالي، و10% من المقابيض الجارية لتسديد خدمات الدين العمومي.

وعلى الصعيد الاجتماعي لم تفلح الدولة في خلق 85 ألف موطن شغل المقدّرة سنويا في المخطط الخماسي الحالي ولم تتوصل إلا لخلق 57 ألف فقط أي بعجز 23 ألف طلب شغل سيُضاف إلى الطلبات القديمة وإلى الطلبات الجديدة (85 ألف كل سنة تقريبا). لذلك فإن نسبة البطالة التي اعترفت بها السلطة في إحصائيات 2004 (14.9%) هي في الحقيقة أبعد ما يكون عن الواقع. علما وأن أكثر من 53 مؤسسة من قطاع النسيج كانت أغلقت أبوابها السنة الماضية وأن حوالي 100 مؤسسة أخرى أجلت التوقف عن العمل نتيجة تمكينها من إجراءات السند الإستثنائية التي تم إقرارها في شهر ديسمبر 2008 وتبعتها خلال شهر فيفري 2010 سلسلة أخرى من الإجراءات في نفس الاتجاه.

نفس النبرة، نبرة الاعتراف بالأزمة والتخلي عن التصريحات الانتصارية المعتادة، طغت على مشروع الميزانية الجديدة. فقد جاء في تقديم الميزان الاقتصادي أن السلطة لا تطمح إلا للحفاظ على نسبة النمو الحالية بـ3% لا غير بدلا عن الأرقام المتفائلة التي انبنى عليها المخطط معترفة بمحدودية إمكانياتها في الحد من تداعيات الأزمة الاقتصادية. ومن جهة أخرى تأمل السلطة في حصر عجز الميزانية في حدود 3.6% من الناتج الإجمالي الداخلي الذي تأمل أن يتطور بحوالي 4% فقط. وتعول على تطور مداخيل الجباية بـ10% مقارنة بالسنة المنقضية. وعلى هذا الأساس تعترف الحكومة أنها لن تكون قادرة إلا على خلق نفس عدد مواطن الشغل للسنة الماضية أي 57 ألف موطن فقط وهو رقم كما أسلفنا القول بعيد كل البعد عن عدد الطلبات الجديدة (85 ألف) رغم أن السلطة وعدت بأنها ستبذل مجهودات استثنائية لانتداب حوالي 16 ألف عون وإطار في الوظيفة العمومية.

أمّا بالنسبة للدين فقد وعدت السلطة بأن تبذل المجهود من أجل أن يقع تقليص نسبة الدين الخارجي إلى 40% من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة عالية ومن غير المتوقع تحقيقها بالنظر إلى اعتزام الحكومة مزيد الاقتراض لتمويل الميزانية تنمية وتصرفا. وعلى افتراض أن الظروف ستكون مواتية لتحقيق هذه المؤشرات فإن هذا يقيم الدليل على أن البلاد لن تفلت لا محالة من الأزمة وسيظل اقتصادنا رهين العوامل الخارجية من جهة بما أن النظام سيلجأ لمزيد الاقتراض وسيبذل قصارى جهده لاستقدام استثمارات أجنبية بما يعني أنه سيمعن أكثر في بيع مقدرات البلاد لعصابات النهب كما سيلجأ من جهة أخرى لمزيد إرهاق الشعب، والشعب وحده، باستنزاف دخله الضعيف عبر الجباية المباشرة وغير المباشرة (الضريبة على الدخل وعلى الاستهلاك). وفي ذات الوقت سيتواصل عجز الاقتصاد التونسي عن توفير الشغل واستيعاب الطلبات المتبقية من السنوات الفارطة علاوة على تلبية الطلبات الجديدة بصورة جزئية، هذا إذا لم تتعمّق ظاهرة البطالة بغلق مؤسسات جديدة وتسريح أفواج أخرى من العمال.

خلاصة القول أن الميزانية الجديدة ستكون ميزانية لتصريف الأزمة على حساب أفراد الشعب وعلى حساب مصلحة البلاد وأجيالها القادمة.

2. تفاصيل لها دلالات

أ – تعمّق المديونية:
تعتبر تونس من الدول الأكثر مديونية في العالم، ذلك أن حجم الديون الخارجية لوحده قد تضاعف أكثر من أربع مرات منذ سنة 1987 حتى اليوم لتصل إلى حوالي 20 مليار. ويذهب أكثر من 40% من مجموع الناتج الداخلي الخام لتسديدها وتسديد الخدمات الموظفة عليها. علما وأن المبالغ المخصصة لتسديد خدمات الدين (الفوائد) ما انفكت ترتفع بالنظر لتطور نسبة الديون الخاصة (من البنوك التجارية) التي توظف شروطا مجحفة وفوائد عالية.

وتنبني ميزانية سنة 2010 على مزيد الاقتراض لتوفير المواد اللازمة. وتمثل موارد الاقتراض في الميزانية الحالية حوالي 4100 مليون دينار أي حوالي 21% من مجموع الموارد. ربع هذه القروض متأتية من الخارج وجزء هام منها من مصادر إقراض خاصة بشروطها القاسية والمنهكة للاقتصاد. أما الثلاثة أرباع الأخرى فستكون قروضا داخلية من المؤسسات المالية المحلية التي هي نفسها أصبحت توظف شروطا تجارية على القروض التي تقدمها.

ما ينبغي الإشارة إليه أيضا في هذا الباب هو كلفة التعويل على التداين لا فقط في ما سيكلف الاقتصاد التونسي مما يلزم لسداد الديون ولكن أيضا ما ستتكبده الميزانية القادمة للدولة لخلاص الفوائد، ذلك أنه سترصد حوالي 3700 مليون دينار لتسديد أصل الدين وحوالي 1250 مليون دينار لتسديد خدمات الدين، الأمر الذي سيكلف الاقتصاد التونسي تخصيص 40% من الناتج الداخلي الخام لمواجهة أعباء الديون. وبطبيعة الحال فإن اقتصادا يخصّص هذه النسبة من مجموع ما ينتجه طيلة عام لتسديد الديون يقيم الدليل على أن نصف الجهد التنموي الوطني تستنزفه المؤسسات والدول المقرضة والنصف المتبقي سيخصص لـ"التنمية" و"سدّ حاجات البلاد والشعب".

ب – الجباية:
خصصت الميزانية عددا كبيرا من فصولها لإدخال تعديلات وتدقيقات جديدة على النظام الجبائي الحالي.

والمعروف أن النسبة الأكبر من مجموع موارد الدولة (المقدرة هذه السنة بـ18235 مليون دينار) متأتية من الأداءات بكل أصنافها (أداءات مباشرة على الدخل وأداءات غير مباشرة) حيث تقدر مداخيل الأداءات هذه السنة بـ10913 مليون دينار أي حوالي 60% من مداخيل الدولة. وتنقسم مداخيل الأداءات إلى مداخيل الأداءات المباشرة (حوالي 4600 مليون دينار) ومداخيل الأداءات الغير مباشرة (6300 مليون دينار).

أمّا مداخيل الأداءات المباشرة فتمثل ما سيقع اقتطاعه على الأجور بالنسبة للأجراء وعلى مداخيل وأرباح أصحاب المهن الحرة والشركات بعنوان الضريبة على الأجر أو الدخل. وما نلاحظه هذه السنة هو أن الأجراء هم المصدر الكبير لهذه المداخيل بحيث من المقدر أن يقع خصم ما لا يقل عن 2000 مليون دينار عن أجورهم (الخصم المباشر عن الأجر) بينما سيساهم أصحاب المهن الحرة الصناعية والتجارية (الأشخاص الطبيعيون) بـ157 مليون دينار فقط (أي عشر ما سيدفعه الأجراء) في حين أن مداخيلهم تتجاوز مداخيل الأجراء بكثير. أما الشركات البترولية فستساهم بحوالي 1520 مليون دينار.

وهكذا نرى أن ما سيقع تحميله للأجراء (2000 مليون دينار) بعنوان الضريبة على الدخل يفوق ما سيقع تحميله للأشخاص الطبيعيين (أصحاب المهن الحرة) والشركات معا (1680 مليون دينار) في حين أن مجموع مداخيل هؤلاء تصل إلى 4 أضعاف مجموع مداخيل الأجراء. وهو ما يسمح لنا بالقول أن النظام الجبائي الحالي موضوع على أسس نهب مداخيل الأجراء أساسا فيما لا يساهم فيه أصحاب رأس المال (خواص وشركات) إلا بالقليل علاوة على أنه يمنحهم كل فرص التهرّب (النظام التقديري وأساليب الغش المقترنة بطرق استخلاص الأداءات على مداخيلهم وأرباحهم) والإعفاءات الجبائية والتسهيلات بعنوان تشجيع الاستثمار، إلخ. على خلاف الأجراء الذين يقع اقتطاع مساهمتهم مباشرة من أجرهم قبل أن يصرف إليهم.

ومن جهة أخرى يساهم الأجراء (باعتبارهم الغالبية العظمى من المستهلكين) بضخ الأساسي من مداخيل الدولة بعنوان الأداءات غير المباشرة (ومجموعها 6318 مليون دينار) موزعة كالآتي:
- 3375 مليون دينار كأداء على القيمة المضافة TVA
- 1540 مليون دينار كأداء على الاستهلاك.

وكلاهما أداء على مواد الاستهلاك لا يمكن للمواطن كمستهلك استرجاعه (أي معلوم الأداء) فيما يمكن للشركات استرجاعه وهو ما يساهم في رفع أسعار الاستهلاك العائلي خاصة. وجاء في ميزانية الدولة أن المداخيل الأخرى بعنوان الضريبة غير المباشرة (515 مليون دينار معاليم ديوانية، 887 مليون دينار معاليم التسجيل ومعاليم على النقل) لا تمثل إلا سدس الضريبة غير المباشرة وهي، هي الأخرى، نوع من الضريبة موظفة في الأساس على مداخيل المواطن سواء بالنسبة لبعض المواد الموردة (وهي في تناقص بحكم تطبيق اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومبادئ منظمة التجارة العالمية) أو بالنسبة لمعاليم النقل العمومي والخاص.

وللإشارة، في هذا الباب، فإن الضريبة غير المباشرة تعدّ مرتفعة في تونس وتصل أحيانا إلى 18% الأمر الذي يرفع أسعار المواد الاستهلاكية (الكهرباء والغاز والماء والهاتف وغيرها من الحاجيات الاستهلاكية الأساسية للمواطن).

ونلاحظ من جهة ثالثة أن قانون المالية لهذه السنة خصص العديد من أبوابها لمزيد تدقيق إجراءات استخلاص الأداءات لا باتجاه التخفيف من أعبائها على دخل المواطن وإنما باتجاه مزيد تحسين مداخيل الدولة. وتتضمن هذه الإجراءات مرة أخرى تشديد سبل استخلاص الأداءات ومستحقات الدولة (الفصل 33 مثلا الخاص بتسليم رخص الجولان) وتقديم تسهيلات جديدة لأصحاب المؤسسات ورأس المال سواء بعنوان دعم القدرة التنافسية للمؤسسات والتشجيع على التصدير (الفصول من 8 إلى 17) أو بعنوان مواصلة الإصلاح الجبائي (الفصول من 24 إلى 29).

أمّا الإجراءات المتخذة لفائدة بعض الفئات الاجتماعية الفقيرة بعنوان طرح فوائض القروض لاقتناء أو بناء مسكن اجتماعي أو بعنوان الأبناء في الكفالة أو إعفاء بعض الأدوية والخدمات الصحية (الفصول من 18 إلى 23) فهي إجراءات جزئية ولا أثر لها في تخفيف أعباء الجباية الموظفة على مداخيلهم الضعيفة.

لقد أصبح نظام الضريبة في تونس من العوامل الرئيسية في تفقير الجماهير الشعبية (الكادحين وعموم الأجراء بما في ذلك الشرائح متوسطة الدخل، موظفين وإطارات) وبات واضحا أن هذا النظام محكوم بالنظرة الطبقية السائدة في توزيع الدخل وثمرات الإنتاج. وإذا كان هناك من المسائل التي ينبغي مواجهتها ومعالجتها بصورة ملحة في المجال الاجتماعي فهي مسألة الجباية غير العادلة بل والمعادية للشعب والطبقات الفقيرة خصوصا.

ج – التشغيل:
جاء في خطاب الوزير الأول أمام "مجلس النواب" أن الحكومة اتخذت سلسلة من الإجراءات لمواجهة انعكاسات الأزمة على الاقتصاد التونسي ولمساعدة المؤسسات المتضررة بغية الحفاظ على مواطن الشغل. وقدم في هذا الصدد جملة من المعطيات والأرقام مشيرا إلى أن الحكومة تعد بخلق 70 ألف موطن شغل جديد وحوالي 16 ألف موطن آخر في الوظيفة العمومية، أي ما جملته تقريبا 86 ألف. ويضاهي هذا الرقم الهدف الذي رسمه المخطط الخماسي الجاري 2007-2011 (85 ألف موطن شغل سنويا). وبالنظر للمعطيات الاقتصادية الموضوعة ضمن المخطط وكذلك المعطيات الحقيقية المتوفرة الآن في الواقع فإنها تذهب كلها إلى تسفيه هذه الوعود لتؤكد أن السلطة ستكون عاجزة كما كانت من قبل على معالجة معضلة البطالة في تونس.

وتؤكد الأرقام الرسمية من جهة أخرى (إحصائيات سبتمبر 2009) أن نسبة البطالة في تونس تصل إلى 14.2% من اليد العاملة النشيطة في تونس أي نصف مليون عاطل. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد لأن عدد الذين يعانون عطالة (تشغيل جزئي وظرفي الذي يصطلح عليه بالفرنسية sous emploi) يزيد عن ضعف هذا العدد حيث أن العاملين بصورة جزئية يصل عددهم إلى أكثر من 500 ألف يضاف إليهم 300 ألف عامل وعاملة موسميين هذا دون احتساب 750 ألف عامل في القطاع غير المنظم والذي لا يوفر مواطن شغل قارة.
وبطبيعة الحال لا يمكن أن ننسى أن حوالي 150 ألف صاحب شهادة جامعية يعانون من البطالة وأن 24% من العاطلين متعلمين (أي حوالي 400 ألف).
إن الأرقام الحقيقية للبطالة في تونس تقارب اليوم المليونين ونصف، 85% منهم من الشباب دون 36 سنة من العمر يتوزعون على كامل جهات البلاد وخاصة في المناطق الداخلية (الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الغربي). هذا الرقم المفزع هو حصيلة سنوات كانت الدولة خلالها تتباهى بتحقيق نسب نمو تصل إلى 6%، وهو رقم مرشح لأن يتفاقم خصوصا وأن الأزمة تضع بثقلها على الاقتصاد التونسي والسلطة تعترف أنها لن تحقق إلا نسبة نمو 4% وهي نسبة متفائلة ولا شيء يؤكد أنها قابلة للتحقق فعلا.

ولكن، على افتراض أن نظام بن علي توصل حقا إلى تحقيقها فإنها لن تكون كافية لاستيعاب لا فقط طلبات الشغل الجديدة ولا الطلبات المتخلدة من السنوات الماضية. وكما سبق وأشرنا فإن نسبة نمو سنوية 10% وحدها قادرة ربما على سد الطلبات الجديدة وهو أمر مستحيل في الظرف الراهن وحتى في ظروف الرخاء الأخرى. والأمر الآخر الذي يجعلنا نتوقع تفاقم ظاهرة البطالة أكثر هو أن السلطة ماضية من خلال قراءتنا للخطوط العريضة للميزانية الجديدة في اتباع نفس النهج التنموي الذي ولد هذه المأساة. فالنظام الحاكم يراهن مرة أخرى على الاستثمار الخارجي وعلى التصدير كطريقة للإفلات من انعكاسات الأزمة أو للحد من آثارها وكأنه يجهل أن السبب في هشاشة الاقتصاد التونسي وبقائه عرضة لهذه الانعكاسات يكمن أصلا في هذه الاختيارات.

إن 25 سنة من الإجراءات الإصلاحية في ما يسمى ببرنامج الإصلاح الهيكلي و15 سنة من تطبيق تعليمات منظمة التجارة واتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لم تخلف للاقتصاد التونسي سوى الخلل الهيكلي والأمراض التي لا يمكن بأي حال من الأحوال معالجتها بنفس التوجهات. فالاقتصاد التونسي مازال كما كان عليه سنة 1986 (حكومة صفر) اقتصادا هشا ضعيفا غير مندمج ومرتبطا بالخارج وغارقا في المديونية وعاجزا عن تلبية حاجات الشعب وغير محصن ضد الهزات التي قد تعصف هنا أو هناك بالاقتصاديات الرأسمالية التي نرتبط بها ونتذيّل لها.

وكما سبق وقلنا في أكثر من مرة، وفي أكثر من وثيقة، آخرها بعنوان "من أجل بديل ديمقراطي وشعبي"، فإن الحل لا يكمن إلا في اختيارات جديدة وعلى طرف نقيض من اختيارات حزب الدستور، خيارات تنبني على استغلال خيرات البلاد وتوظيفها لصالح الشعب وعلى أساس بنية اقتصادية مندمجة قطاعيا (صناعة، فلاحة، خدمات) وموجّهة لخدمة الداخل لا الخارج ولصالح الفئات الشعبية والكادحين، صناع الثروة، لا لصالح كمشة من النهابين ومصاصي الدماء.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني