الصفحة الأساسية > البديل الوطني > تلوّث انتخابي وسط مناخ سياسي خانق
تلوّث انتخابي وسط مناخ سياسي خانق
3 أيار (مايو) 2010

بقلم عمّار عمروسيّة

يقترب موعد إجراء الانتخابات البلدية في تونس، ومع كل يوم جديد تتزايد المعطيات التي تؤكد صواب موقف مُقاطعي المسرحية الانتخابية التي يتحكّم نظام الحكم في جميع فصولها من الأوّل إلى الآخر وفق حسابات دقيقة مُعدّة سلفا في دوائر ضيّقة يبدو أنّ للبوليس السياسي الكلمة الفصل في تحديد ظهور المُمثلين على الركح (تشكيل القوائم وقبولها...) وتحديد نسبة المشاركة وإعلان النتائج العامّة، وحتى تكييف ردود أفعال الرابحين والخاسرين.

ولعلّ إمعان السلطة من جهة في التحكّم الكلّي بالعمليّة الانتخابية مهما كانت مستوياتها (رئاسية، برلمانية، بلدية) ومن جهة أخرى تكرّر هذه المهازل طوال الـستة (6) عقود الماضية، قد أسهم بقسط وافر ليس فقط في عزوف المواطن عن التصويت والاقتراب من صناديق الاقتراع والاجتماعات الانتخابية، وإنّما في مجرّد الاهتمام البعيد بمثل هذه الاستحقاقات، فلا أحاديث المواطنين منصبّة على الانتخابات، ولا الإقبال على وسائل الإعلام يزداد في تلك المدّة بالرغم من محاولات التسخين الباهتة إمّا من قبل السلطة أو من قبل بعض المشاركين.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها من قبل كلّ متابع نزيه لأوضاع بلادنا هي النسبة الضعيفة للمشاركة في الإقتراعات السابقة وخصوصا في العقدين الأخيرين من حكم "بن علي" وهو ما يُبررّ طرح أسئلة كثيرة حول لزوميّة مثل هذه الاستحقاقات أصلا وكذلك حول أهداف المشاركين فيها سلطة ومعارضة على حدّ السواء.

فحتى البسطاء من الناس في مُدنهم وأقصى قراهم يُديرون وجوههم وعقولهم عن مثل هذه المسرحيات، ولم تعُد تحرّك سواكنهم لا خطابات رجالات السلطة فهم قد خبروهم طويلا ولا وعود المعارضين المشاركين بما فيهم الشقّ الذي يعتبر نفسه راديكاليّا. فالجميع وإن اختلفت أسماء أحزابهم وتعدّدت ألوان قوائمهم في نظر أجزاء واسعة من الشعب التونسي مستلزمات لاستمرار المهازل الانتخابية التي فقدت بمرور الوقت بريقها وجاذبيتها، حتى أنّ الكثيرين أضحوا في كلّ تلك المناسبات يأسفون لهدر المال العام في عمليات معروفة النتائج مسبقا.

ومن نافلة القول أنّ مثل هذه القناعات والمواقف تشكّلت عبر عقود طويلة من هيمنة الحزب الحاكم على مقاليد السلطة كلّ السلطة، ممّا أعاق بصفة كلّية كلّ إمكانات التداول عليها من القاعدة إلى القمّة، الأمر الذي تفـّه إلى حدود قصوى كلّ الاستحقاقات الانتخابية وعمّق عزوف التونسيات والتونسيين مهما كانت أعمارهم على متابعة الشأن العامّ وهي قناعة مُشتركة يردّدها في الأيّام العاديّة كلّ المشاركين بما في ذلك حزب السلطة. ويقفزون فوقها عندما يتعلّق الأمر بالانتخابات وكأنّها (أي الانتخابات) حتى في ظلّ غياب الشروط الدنيا للاختيار الحرّ قادرة على تغيير قناعات المواطنين وجرّهم إلى ميدان التنافس والانتصار لهذا أو ذلك!!!

فالمتأمّل اليوم في حيثيّات إعداد بلديات 2010 لا يجد صعوبة في الوقوف على الهوّة السحيقة التي تفصل حزب الدولة وكلّ المشاركين عن المزاج العام للشعب التونسي المُنهك بالاستبداد السياسي والتفقير الاقتصادي التهميش الاجتماعي وجميعها معطيات ستتحكّم بالضرورة في تحديد نسبة الإقبال على الاقتراع المُنتظر التي ستتراجع حتى عن سابقتها المُتدنّية في آخر انتخابات رئاسية وبرلمانية.

ولا نظنّ مثل هذا التوقـّع غائبا عن نظام الحكم ولا عمّن قبلوا المشاركة معه. فالسلطة تعرف أكثر من الجميع حقيقة الإقبال الضعيف وهي منذ بداية العشرية الثانية من حكم الرئيس الحالي لم تعُد معنيّة كثيرا بتحريك ماكينتها الحزبية (التجمّع) مثلما كان في عهد بورقيبة لتشريك المواطنين في الأرياف والمدن لإضفاء نوع من الشرعيّة على تواصل احتكار الحكم. فالنسخة الحالية من قادة النظام الدستوري أسقطوا التعويل على الشعب لفائدة الماكينات الإدارية والأمنية وبطبيعة الحال القانونية لخلق واجهة ديمقراطية مُزيّفة لمسار تعدّدي مغشوش وهيئات ومؤسسات صورية بعيدة كلّ البعد عن السيادة الشعبية والتمثيل الشعبي.

أمّا المشاركون وإن توزّعوا بين مُعسكرين أحدهما افتضح أمره بصفة نهائيّة ولم يعُد له من صلة بالمعارضة سوى التسمية وثانيهما رغم إقراره الرسميّ بغياب الشروط الضرورية للانتخابات الحرّة يحرص في كلّ مرّة على المشاركة تحت يافطة "الاحتجاج" و"الفضح" و"تحريك الأوضاع". وبالرغم من كلّ هذه الاختلافات وغيرها، وبالرغم من اختلاف النوايا وحتى تناقضها فإنّ المحصلة النهائية للمشاركة في مثل هذه الأوضاع منظور لها من الزاوية السياسية العامّة هي الإسهام بهذا القدر أو ذاك في تأثيث الواجهة الديمقراطيّة المُزيّفة للنظام الاستبدادي.

ومن المؤسف أنّ هذا التأثيث سواء تعلّق الأمر بالنتائج أو بمجرّد إعطاء وصولات نهائيّة للقوائم المُترشّحة، أمور بيد السلطة وتحديدا وزارة الداخليّة!!!

فإذا كان الحزب الحاكم وما يُعرف بالمعارضة الإداريّة الديكوريّة لا يأبهان حتّى في المعارك الانتخابية بالناخبين وأصواتهم (الأوّل فوزه مضمون بقوّة الدولة والثاني بقوّة القانون 25 بالمائة) فإنّ المشارك الاحتجاجي الذي لا يودّ الاستفادة من حصّة المعارضة المكفولة قانونا، عليه أثناء تحديد سلوكه السياسي مراعاة موازين القوى في المعارك الانتخابية والتنبّه إلى مزاج شعبه وتحديدا درجة ارتباطه بصندوق الاقتراع. ولا نظنّ حيثيات ونتائج، وكذلك النسبة الحقيقية لمشاركة الناخبات والناخبين بعيدة حتّى لا يستفيد منها أيّا كان في تحديد موقفه السياسي من بلديات 2010. كما أننا لا نظنّ أيّا كان بإمكانه نفي التقهقر الحادّ الذي طال الحقوق والحرّيات في بلادنا بُعيد الإعلان عن نتائج رئاسية وبرلمانية 2009 وهو تقهقر يكاد يُجمع الكلّ على أنّه ردّة فعل مُتشنّجة ومُتوحّشة تحكّم فيها بصفة مباشرة إخفاق السلطة في تمرير كرنافالها الانتخابي وفق مخطّطاتها المسبقة.

ومعلوم أنّ موجة القمع الجديدة التي طالت الأصوات الداعية لمقاطعة تلك المهزلة سواء كانوا منظّمين أو فرادى، إعلاميين أو سياسيين وحقوقيين ونشطاء طلاّبيين. وبعدها يجد المشاركون جرأة في نعت دعوة المقاطعة بالموقف السهل والمقاطعين بجماعة "الربوة" ...

فالموقف السهل حقّا هو القبول بالمشاركة دون النظر لا للمنظومة القانونية التي تحكم العمليّة الانتخابية، ولا لعلاقة السلطة بالمجتمع، ولا حتّى لموازين القوى بين مُعسكريّ الاستبداد وخدمه من جهة ودعاة التغيير الديمقراطي واستعدادات الشعب من جهة أخرى.

فالسهل حقّا أن يتمّ تحديد التكتيكات السياسية بما يُرضي النظام الحاكم ويضمن بعض الامتيازات والمكاسب إمّا ضمن الحصّة التي يُحدّدها القانون وإمّا اتقاء لغضب السلطة وقمعها مع قبول بعض الهبات الماليّة من حين لآخر.

ويبدو أنّ الصعوبات التي يتحدّث عنها البعض في هذه الأيّام تنحصر أوّلا في توفير العناصر البشرية الضروريّة لتقديم قوائم في رهان يتطلّب موارد بشريّة أكثر بكثير من الاستحقاق البرلماني، وثانيا في التعقيدات الإدارية لمنح الوصولات النهائيّة، وثالثا في مراقبة العمليّة الانتخابيّة، وهي في مُجملها صعوبات واقعيّة من المُفترض أن تكون حاضرة في تحديد التكتيك المناسب لخوض المعارك الانتخابية. فالواقعيّة في الفعل السياسيّ التي طالما تغنّوا بها تقتضي أوّلا وقبل كلّ شيء تمثّل كلّ تلك الصعوبات والمُعوّقات منذ البداية. بل يمكن الجزم أنّ من بين تلك المبرّرات التي تُرجّح كفّة "المقاطعة" هي تلك المعوّقات التي تندرج ضمن الحدّّ الأدنى للانتخابات الحرّة والنزيهة.

ففي كلّ بقاع العالم، وبمناسبة كلّ انتخابات يدور جدل حول الضمانات التي لا بدّ منها للمشاركة ويتحدّد موقف المقاطعين والمشاركين بناء على تقديرات ملموسة للأوضاع...

ومعلوم أنّ ذلك الحدّ الأدنى يختلف من بلد إلى آخر، فما هو مطلوب هنا قد لا يكون مطلوبا هناك. ولعلّ نقطة الضعف الفادحة التي تنزل بثقلها على أجزاء واسعة من الحركات السياسية في تونس، هي النظر إلى مسألة "المشاركة" ضمن دوائر المبادئ الثابتة والمُطلقة!!! وأكثر من ذلك يتعمّدون الخلط بين "العلنية" و"القانونيّة" وبين العمل السياسي المدني ونظيره "العسكريّ" الثوريّ.

فالمشاركة في منظور البعض منهم هي التكتيك الوحيد للأحزاب القانونيّة، وهي الشكل الوحيد للقيام بنشاط علنيّ وسط الجماهير.

وبذلك تُصبح "المقاطعة" خاصيّة الحركات السرّية والثوريّة التي تبحث على التصادم والصدام بمنأى عن الشعب والجماهير!!! وهي مُغالطات كبيرة تُفنّدها الوقائع في تونس وفي خارجها.

فهل "الحزب الديمقراطي التقدّمي" الذي أقرّ منذ أيام عدم المشاركة حزب غير مُعترف به؟ وهل هذا الحزب يدعو إلى الثورة والتغييرات الجذرية؟ وهل كان "التكتّل من أجل العمل والحريات" الذي قاطع انتخابات 2004 حزبا غير قانوني وثوريا؟

وهل مُقاطعيّ اليوم كلّهم ثوريون؟

وهل القانونيّة هي العلنيّة؟

وهل غير القانونيّ ليس معنيّا بالنشاط العلنيّ؟


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني