الصفحة الأساسية > البديل الوطني > توحيد القوى مُهمّة ملحّة لمواجهة الاستبداد
توحيد القوى مُهمّة ملحّة لمواجهة الاستبداد
11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

انتهت المهزلة الانتخابية ليوم 25 أكتوبر الماضي بسطو جديد على إرادة الشعب التونسي. فلا أحد صدّق النتائج المعلنة سواء ما تعلق منها بنسب المشاركة أو بنسب "النجاح الباهر" الذي حققه بن علي و"التجمع". إن الجميع، يعلم أن هذه النتائج مفبركة مسبقا وأن الانتخابات التي جرت لا تتوفر فيها الشروط السياسية والقانونية الدنيا التي تكسبها وتكسب النتائج التي أفرزتها ذرة من المصداقية. وقد شهد حتى الذين شاركوا في هذه "الانتخابات" من أحزاب المعارضة، بأن الظروف التي جرت فيها أسوأ من الظروف التي جرت فيها الانتخابات السابقة التي كانت بدورها صورية.

لقد صعّدت السلطة، خلال الحملة الانتخابية الأخيرة وتيرة القمع مستهدفة كافة القوى المستقلة أحزابا وجمعيات ومنظمات وأشخاصا بقطع النظر عما إذا كانت معترفا أو غير معترف بها، مشاركة في الانتخابات أو مقاطعة لها. إن المنطق الوحيد الذي تعاملت به هو منطق "إذا لم تكن معي فأنت ضدي". ولم تتوقف الحملة على المعارضة بمظهريها البوليسي والإعلامي في حدود فترة الانتخابات، بل استمرت حتى اليوم: اعتقالات في صفوف الإعلاميين والطلاب، ملاحقات قضائية بتهم مفتعلة ضد عدد من الرموز، اعتداءات إجرامية، محاصرة لمقرات الأحزاب والجمعيات ولمقرات السكنى، منع أنشطة، حجز صحف، منع من السفر وانتهاك لحرية التنقل داخل البلاد إلخ...

إن الهدف من هذا التصعيد هو بلا شك فرض نتائج المهزلة الانتخابية ومنع الأصوات الحرة من التشكيك فيها وفي شرعية المؤسسات التي انبثقت عنها وبالتالي كبت الطموحات الديمقراطية للشعب التونسي وعدم السماح للمعارضة المستقلة بالتعبير عنها والعمل على تحقيقها. ولكن هدف الأطراف المتنفذة في السلطة من هذا التصعيد لا يقتصر على هذا الجانب المباشر فحسب، فهي تتحسب للمستقبل وتتهيّأ له. إن مسألة خلافة بن علي في طريقها إلى الطرح، وتريد تلك الأطراف حسمها لوحدها بتلاعب جديد أو لإيجاد صيغة من الصيغ لنقل الحكم أو توريثه لأحد أفراد "العائلة" بما يمكنها من الحفاظ على نظام الاستبداد الضامن لمصالحها ومصالح "العائلات" التي تتحرك في محيطها. إن هذه الأطراف تريد في كل الحالات إقصاء الشعب التونسي وقوى المعارضة المستقلة من المشاركة في الحياة العامة وفي رسم ملامح مستقبل تونس. ومن هذا المنطلق فهي ليست مرتاحة لتنامي المعارضة السياسية والمدنية التي على الرغم من تشتتها حول فضح المهزلة الانتخابية الأخيرة ومن إبلاغ صوتها للرأي العام في الداخل والخارج. كما أنها ليست مرتاحة للنقمة السّارية فـــــــــــــي صفوف الشعب جراء المعاناة من البطالة والفقر وغلاء المعيشة وتردي الخدمات الصحية والاجتماعية في الوقت الذي تكدس فيه حفنة من العائلات المقربة من القصر ثروات طائلة عن طريق النهب والابتزاز والعمالة.

لذلك لا تجد تلك الأطراف من وسيلة للحيلولة دون مزيد تطور المعارضة السياسية والمدنية من جهة وتحوّل النقمة الشعبية إلى حركة اجتماعية عارمة من جهة ثانية، وهو ما من شأنه أن يفسد حساباتها ويفشل مخططاتها، غير تشديد القبضة الأمنية على المجتمع وتصعيد القمع.

ولا يمكن لأحد أن يشكّ في أن السّلطة لن تتراجع عن نهجها القمعي هذا إذا لم تجد القوى التي تتصدى لها. وهو ما يطرح بالطبع أهمية دور المعارضة اليوم ويثير السؤال عما إذا كانت قادرة على رفع التحدي وكسب الرهان؟ إن ما يبعث على الانشغال في وضع المعارضة ببلادنا هو هذا التناقض الصارخ بين واقع موضوعي يحتم عليها تكتيل صفوفها خدمة لمصالحها ومصالح الشعب التونسي من جهة وبين ضعف الاستعداد الذاتي لذلك إن لم نقل غيابه أحيانا من جهة أخرى وذلك على الرغم من أن كافة مكونات هذه المعارضة الحزبية والجمعياتية ترفع تقريبا نفس الشعارات والمطالب في ما يتعلق على الأقل بالوضع المباشر.

فبالإضافة إلى "الحزازيات" الحزبية والشخصية التي سببها الموقف من "الانتخابات" الرئاسية والتشريعية الأخيرة، تعاني المعارضة من عوائق أخرى. إن الجمعيات مثلا ترفض العمل المشترك مع الأحزاب السياسية بدعوى الحفاظ على استقلاليتها. كما أنه يوجد من الأحزاب والجمعيات من يرفض المشاركة في أي عمل، حتى لو تعلق بالعفو التشريعي العام، يوجد فيه إسلاميون. كما توجد أطراف معترف بها تتحفظ على العمل مع أطراف غير معترف بها، إلى غير ذلك من العوائق التي تكاد تتحول إلى ذرائع لرفض العمل المشترك بشكل عام والإبقاء على التحرك في الدائرة الحزبية أو الجمعياتية الضيقة. هذا دون أن ننسى التراجع الخطير الذي تشهده مساهمة الحركة النقابية بما في ذلك قطاعاتها الناشطة تقليديا، في النضال من أجل الحريات. وهو ما أدى إلى إضعاف الحركة السياسية والمدنية في مواجهة الاستبداد.

إن حزب العمال يعتبر أن الحالة التي عليها البلاد اليوم تحتم على القوى السياسية والمدنية التي يهمها الخروج من نفق الاستبداد، تجاوز كل العوائق التي لا يوجد لها مبرر سياسي حقيقي، ووضع مصلحة الحركة ككل فوق المصالح الضيقة للأحزاب والجمعيات والأفراد وفتح حوار جاد حول إنشاء جبهة عريضة من أجل الحرية والديمقراطية في بلادنا. إننا نتوجه بهذا المقترح إلى شركائنا في "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات". كما نتوجه به إلى مكونات "المبادرة الوطنية من أجل الديمقراطية والتقدم" إلى كافة القوى التي لا تتواجد لا في هذا التكتل ولا في ذاك، لأن الظرف يقتضي موضوعيا مواجهة مشتركة تتجاوز حدود هذا التكتل أو ذاك أو هذه المجموعة أو تلك.

إننا ونحن ندعو إلى هذا الحوار، نأمل على الأقل أن تتحرك كل الأطراف بأكثر قدر ممكن من التنسيق، للتصدي للهجمة الشرسة الحالية على الحريات والنضال من أجل إطلاق سراح توفيق بن بريك وزهير مخلوف ونشطاء الحركة الطلابية، ووقف التتبعات ضد الفاهم بوكدوس وحمه الهمّامي وراضية النصراوي وجلول عزّونة ومحمد بن سعيد، ورفع التضييقات عن صحف المعارضة وأنشطة الأحزاب والجمعيات وعن حرية التنقل ووضع حد للاعتداءات والمضايقات اليومية المسلطة على الإعلاميين والناشطين الحقوقيين، ومحاسبة هاتكي الأعراض والمحرضين على القتل من أصحاب الأقلام المأجورة.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني