الصفحة الأساسية > البديل الوطني > جبر الضرر لضحايا الدكتاتورية، حتى لا يختلط الحابل بالنابل
حمة الهمامي:
جبر الضرر لضحايا الدكتاتورية، حتى لا يختلط الحابل بالنابل
16 آب (أغسطس) 2012

أبان مرة أخرى الجدل الدائر منذ مدة حول "التعويض المالي" لقدماء المساجين السياسيين عما لحقهم من أضرار مادية ومهنية ومعنوية في عهد الدكتاتورية الدستورية ـ النوفمبرية، أبان أن "حركة النهضة" كلما وجدت نفسها في مأزق نتيجة أخطائها، إلا وعملت على الانحراف بالنقاش إلى غير محوره الحقيقي ليسهل عليها طمس تلك الأخطاء وتشويه خصومها ومعارضيها أو منتقديها واتهامهم بأنهم من "أزلام النظام السابق" أو بأنهم من "جماعة صفر فاصل" و"جرحى الانتخابات" أو بأنهم من "الرافضين لشرعية الصندوق"، إلى غير ذلك من الاتهامات التي مجها، بمرور الوقت وانكشاف الحقائق، الرأي العام.

المشكلة ليست في المبدأ

إن كل العقلاء والنزهاء الذين شاركوا في هذا الجدال لم ينفوا حق السجناء السياسيين السابقين في جبر الضرر الذي لحقهم. فهذا الحق تكفله الأعراف والقوانين الدولية. وقد سبق للعديد من البلدان أن كرسته بعد أن مرت بفترات حكم استبدادي تخللته مظالم كبيرة، جماعية أو فردية، سياسية أو اقتصادية واجتماعية أو ثقافية أو عرقية أو قومية. وفي كل هذه الحالات فإن عملية جبر الضرر لم تثر إشكالا ولا انقساما في الرأي العام بين مؤيد لها ومعترض عليها لهذا السبب أو ذاك ولم ير فيها جزء من المجتمع حيفا يرتكب على حسابه، بل إن العملية حظيت على العموم بالتأييد كما حظي الضحايا بالتقدير لما قدموه من تضحيات، على حسابهم وحساب عائلاتهم، من أجل شعوبهم وأوطانهم.ولكن ما الذي جعل مسألة "التعويض" في تونس تثير انقساما وتوترا في الرأي العام؟ وما الذي جعل فئات واسعة من الشعب وخاصة الفقيرة منها وفي مقدمتها المعطلون عن العمل، تعترض على العملية وترى فيها "نهبا للمال العام" و"حيفا" يرتكب على حسابها حتى أن الأمر وصل بالبعض إلى إظهار نوع من البغضاء تجاه ضحايا القمع معتبرا أن ما من أحد نوّبهم للدفاع عنه؟ هل أن المسئول عن ذلك هو، كما تزعم "حركة النهضة"، "أزلام النظام والخاسرون في الانتخابات" و"مناوئو الشرعية" و"الحاقدون على "حركة النهضة" و"ناكرو جميل المناضلين ضد الاستبداد" الخ....؟ لا نعتقد ذلك، بل إن الرأي العام قد مج مثل هذا الكلام الذي يكرر في كل مناسبة وفي كل قضية لتبرير العجز عن حل المشاكل المطروحة.

الغلطة هي غلطة "النهضة"

إن السبب الرئيسي يكمن في الطريقة المغلوطة التي طرحت بها "حركة النهضة" مسألة "التعويض". فقد أبرزتها، خاصة في مؤتمرها الأخير، كأولوية حزبية استجابة لضغط قواعدها الذين لهم ثقل كبير ضمن ضحايا القمع خاصة في عهد بن علي، وبالطبع فإن أولويات حزب ما لا تعني بالضرورة أنها هي أولويات المجتمع والشعب. كما أن العدد الكبير من المنتفعين بـ"التعويض" والمبلغ المهول المرصود لهم (ما بين 1000 و1200 مليار مليم حسب وزير المالية المستقيل، حسين الديماسي) قد شحنا المشاعر في ظرف تعاني فيه غالبية الشعب من الفقر والبطالة وغلاء المعيشة والتفاوت بين الجهات وتشتكي فيه الحكومة من قلة الإمكانات.ومما زاد الطين بلة أن الأمر بدا وكأن "حركة النهضة" تستغل وجودها في الحكم لتسوية أوضاع مناضليها. وليس هذا من باب التجني. فقد ورد على لسان الحبيب خذر، النائب "النهضاوي" بالمجلس الوطني التأسيسي ما يلي :"مناضلو حركة النهضة هم أكثر من شرّد وعذّب وانتهكت أعراضهم وشتّت عائلاتهم. الآن وحركتنا في الحكم، لا يمكن لها إلا أن تعوض النزر القليل من عذابات الإخوة والأخوات الذين جاهدوا في سبيل نصرة الإسلام وإعلاء راية الحق". وفي أحد البرامج التلفزية ظهر على الشاشة رئيس جمعية تعنى حسب صاحبها بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لينفي قيام الشعب التونسي بثورة ويصف ما حصل بـ"الفتح الرباني" ويستخلص من ذلك أن من "حق الإخوة" أن "يغنموا من هذا الفتح".(لاحظوا كيف أن الدين يستغل للتنكر لتضحيات الشعب ولثورته وتبرير نهب المال العام باعتباره غنيمة لمن اعتلى كرسي السلطة يوزعها على أنصاره).

جبر الضرر جزء من العدالة الانتقالية

إن جبر الضرر، وهو المفهوم الأنسب، ما هو إلا مظهر من مظاهر العدالة الانتقالية وهو ليس بالمظهر الأول، بل إنه الحلقة الأخيرة من سلسلة كاملة. فلا بد، أولا وقبل كل شيء، من معرفة الحقيقة وهو ما من شأنه أن يكشف للشعب ما حصل وكيف حصل ومن هم الضحايا والجلادون؟ ( مع العلم أننا لا نتحدث هنا إلا عن الضحايا الأفراد وليس عن الضحايا "الجماعات" أي عموم الشعب والمناطق التي نهبت وهمشت بالكامل...) وعلى هذا الأساس تتم المحاسبة كما يتم جبر الضرر ويفتح الباب لتجاوز الوضع السابق الذي عرفته البلاد وهو تجاوز لا يرتبط بملف العدالة الانتقالية فحسب بل كذلك بالنظام السياسي الذي سيحكم البلاد وبمدى استجابته لأهداف الثورة التي تعكس طموح الشعب إلى الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية. وبعبارة أخرى فإن الأهم من التعويضات المادية هو ضمان عدم تكرر المآسي التي عاشتها تونس بسبب الدكتاتورية.

"النهضة" في واد والشعب في واد

لقد أهملت حركة النهضة معظم جوانب المسألة لتركز في نهاية الأمر على جانب التعويض المالي على سنوات السجن والمنفى. ولم يفلح تأكيدها على أن العملية ستشمل كل أجيال المتضررين منذ عهد بورقيبة في طمس الطريقة الفئوية والنفعية التي تناولت بها المسألة في وقت لا تقدم فيه الحكومة الحلول لمشاكل الشعب المستعجلة بل هي تستعمل القمع لإسكات المحتجين منه وتجريم نضالاتهم كما يحصل الآن في سيدي بوزيد وصفاقس والقصرين وغيرها من المناطق.ومما يثير غضب الفقراء والمعدمين أن الحكومة لا تعطي المثال في الاقتصاد والتقشف ومراعاة حالة البلاد حتى تكون في موقع يسمح لها بإعطاء الدروس. فأجور الوزراء وكتاب الدولة والمستشارين لا علاقة لها بما تقوله الحكومة من كلام حول "صعوبة الأوضاع وقلة الموارد" فتلك الأجور لا تقل عما كان يتقاضاه الوزراء في عهد بن علي الاستبدادي. وقد سبق لرئيس الحكومة أن صرح على الهواء أمام ملايين الناس أنه سيعلن تخفيضا في أجور وزرائه أسوة بما حدث في فرنسا بعد الانتخابات ولكن شيئا من ذلك لم يحصل. كما أن وزير الإصلاح الإداري كان صرح قبل استقالته بأن أعضاء الحكومة سيقدمون كشوفا في ممتلكاتهم قبل أن يستوزروا درءا لإمكانية الاستثراء غير المشروع. ولكن "اكتب في الحوت وسيب في البحر".وقد كان الأولى بنواب الشعب في المجلس التأسيسي أيضا أن يعطوا المثال في "مراعاة حالة الشعب والوطن" ولكن أجورهم فاقت اليوم أجور نواب برلمان بن علي بل إن راتب نائبة رئيس المجلس (قرابة 11 مليون مليم) وحده يساوي رواتب 37 عاملا يتقاضون "السميق" (حوالي 300 د). وراتب النائب العادي يساوي راتب حوالي 13 "سميقار"، هذا دون الحديث عن راتب رئيس المجلس.فكيف لا يحنق الناس ولا ينقمون؟ وكيف لا يعترضون على التعويضات ويرون أنهم أولى بالمال الذي سيصرف على السجناء السياسيين السابقين؟

تجوع الحرة ولا تأكل من ثدييها

لقد أكدت الحكومة، لاحتواء غضب الناس أن تمويل صندوق التعويض للمساجين القدامى لن يكون على حساب ميزانية الدولة. وصرح أحد المسئولين بأن هذا الصندوق سيمول أساسا من دول صديقة وشقيقة من بينها قطر ومؤسسات دولية. وهذه "ضربة" أخرى لكرامة أولئك المساجين خاصة وكرامة الشعب التونسي عامة. فبأي حق "يعوض" لمساجين هذه البلاد من دول أجنبية ومن قطر بالذات؟ هل عوضت قطر والسعودية وغيرها من بلدان الخليج الاستبدادية لسجنائها هي وهل اعترفت لهم أصلا بحقوقهم وحقوق شعوبهم حتى تعوض للسجناء التونسيين؟ إن الدولة التونسية هي المسئولة أولا وأخيرا عن جبر أضرار أبنائها وبناتها دون أن تتسول مليما واحدا من الخارج "فالحرة تجوع ولا تأكل من ثدييها" وعليها أن تتبع سياسة شعبية ورشيدة حتى توفر الاعتمادات لسد حاجات الشعب ولجبر أضرار ضحايا القمع.

لخبطة عامة

إن اللخبطة التي ميزت معالجة الحكومة لملف التعويض هي جزء من اللخبطة العامة التي تميز معالجتها لكل الملفات المطروحة. وهي يصح عليها المثل القائل :"تجي طبها تعميها".فأي ملف تناولته الحكومة وأفلحت في معالجته: القضاء؟ الإعلام؟ الأمن؟ الإدارة؟ الفساد؟ الشهداء والجرحى؟ الصحة؟ التعليم؟ البطالة؟ غلاء المعيشة؟ التفاوت الجهوي؟ السياسة الخارجية؟ الخ.....إن عجز "حركة النهضة" عن حل مشكلة التعويض حلا سليما بعيدا جعلها تعمد إلى الانحراف بالنقاش إلى محور غير محوره فتدعي أنه يقابل بين من يعترفون لضحايا القمع بتضحياتهم ومن ينكرون عليهم ذلك، وهذا ليس صحيحا لأن التناقض الحقيقي هو بين من يريد حل هذه المسألة بعقلية الغنيمة على حساب أولويات البلاد وإمكاناتها مستغلا وجوده في السلطة وبين من يدرج معالجة هذا الملف في إطار أشمل وهو إطار العدالة الانتقالية حتى تتم العملية في إطار الشفافية وحتى يكون الهدف الأهم منها ضمان عدم عودة الاستبداد إلى بلادنا. ولكن سيقال وماذا نفعل للحالات المستعجلة في انتظار إتمام عملية العدالة الانتقالية؟ إن آلافا من قدماء المساجين أعيدوا إلى أعمالهم السابقة. ولا بد من استكمال هذه العملية لتمكين كل من لم يعد إلى شغله من ذلك. كما أن العديد ممن حوكموا وغادروا السجن تمكنوا من إيجاد مورد رزق وهم ليسوا من الحالات المستعجلة. ومن بين المنفيين من وجد أيضا مورد رزق وكسب. وثمة من أصبح وزيرا أو واليا أو مسئولا على رأس مؤسسة الخ... وكل هؤلاء لا يمثلون أولوية وهم لا يستحقون أكثر من رد الاعتبار المعنوي .تبقى الحالات المستعجلة فلا بد من تحديدها بسرعة ومعالجتها. ومن الأفضل أن تتولى العملية بأكملها لجنة محايدة متكونة من مؤسسات وهيئات ذات صلة بالموضوع حتى تكسب أعمالها ثقة الرأي العام مما يعني إخراج الملف من بين يدي الحكومة.

كلمة أخيرة

هذا هو موقف حزب العمال. وهو كما نرى بعيد كل البعد عن التشويهات التي تلصقه بها "حركة النهضة" لإخفاء الطابع الانتهازي لموقفها. فحزب العمال لا ينفي الحق في جبر الضرر، ولكنه دون أن يكون على حساب أولويات الشعب والبلاد ودون أن تقوده عقلية الغنيمة والحسابات الحزبية الضيقة. إن التشويه لم يلحق موقف حزب العمال فقط، بل لحق الموقف الشخصي الذي عبرت عنه أنا وهو أنني أتخلى عن حقي في التعويض، بل إنني أرفض أي تعويض لأنني أعتبر أن أكبر تعويض لي هو أنني عشت حتى اليوم الذي سقطت فيه الدكتاتورية وأن أكبر تعويض لي هو في أن أرى أهداف الثورة تتحقق وهذا الشعب يتخلص نهائيا من الاستبداد والفقر والاستغلال والتبعية. وهذا الموقف الشخصي لم أسقطه على أحد، حتى على رفاقي. ولكن أنصار "النهضة" الذين لم يعجبهم هذا الموقف لأنه لا يتماشى مع عقليتهم ومع أهدافهم المباشرة انهالوا علي سبا وشتما واختلقوا شتى الأكاذيب لتشويه موقفي. ومن هذه الأكاذيب أن لي ثروة تجعلني لا أحتاج إلى التعويض ولذلك فإنني أجنح، حسب زعمهم، إلى المزايدة السياسية على "النهضة" وعلى مناضليها المسحوقين.إن هؤلاء الذين يمارسون الكذب والتشويه ضد من يعارضهم وينتقدهم هم أنفسهم الذين يدعون أنهم جاؤوا لنشر الأخلاق الحسنة ولصيانة دين الشعب.هذا من جهة ومن جهة أخرى فمن المؤكد أنه لو نشر كل من هم في مواقع المسئولية في "حركة النهضة" من جهة وفي "حزب العمال" أو في أي حزب يساري ثوري أخر، من جهة ثانية ما يملكون وما لا يملكون لفهم أبناء هذا الشعب وبناته من هم الذين متشبثون حقا بـ"وسخ الدنيا" أو من هم الذين "يؤثرون الدنيا على الآخرة"....فهل يجرؤ مشوهونا على مطالبة جماعتهم بالكشف عما يملكون؟أما نحن فإن كل ما نملكه هو قناعتنا التي لا تنضب بالحرية والعدالة الاجتماعية وهذه الثروة لا نحتاج لإثباتها إلى شهادة في الملكية فهي بذل وعطاء دائم لصالح هذا الشعب وهذا الوطن.

ملاحظة

المصدر: جريدة "آخر خبر" بتاريخ 14 أوت 2012


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني