الصفحة الأساسية > البديل الوطني > جرح لازال ينزف في جسد الحوض المنجمي
إقرار الحكم في حق حسن بنعبدالله:
جرح لازال ينزف في جسد الحوض المنجمي
4 أيار (مايو) 2010

"أتمنى أن لا أفجع بحكم قضائيّ غادر قبل وصولي العاصمة"

هكذا عبّر الأستاذ عمر الصفراوي في آخر مداخلة للمحامين في تمام الساعة الثالثة من مساء الثلاثاء 24 أفريل حين رفعت الجلسة بمحكمة الإستناف بقفصة، بعد مرافعات مارطونية من العاشرة صباحا.

وكانت الفاجعة بإقرار الحكم النهائي في قضية المناضل المنجمي حسن بنعبدالله بالسجن 4 سنوات وشهر نافذة عند حدود منتصف الليل من نفس اليوم تحت جنح الظلام، لينزل كالصاعقة على أمّه المفجوعة وأخواته البنات وأبناء عمومته وأصدقائه ورفاقه من قادة الحوض المنجمي الذين لم يجدوا من تعليق سوى أن ملف الحوض المنجمي لا زال جرحا مفتوحا ينزف، وأنّ سجون النظام ومعتقلاته لم تشبع بعد من ضحايا القمع والتعسف والظلم والاستهانة بحق أبناء الجهة في التعبير عن الظلم والحيف الاجتماعي.

كان الحضور المتميّز من طرف المحامين والحقوقيين والصحفيين والملاحظين الأجانب نسمة من الحرية التي اشتاق إليها حسن بنعبدالله وهو القابع خلف القضبان منذ فيفري 2010 حيث عبّر عن افتخاره بأن قضيته من صلب قضية الحوض المنجمي برمّتها، وهي قضية عادلة، وناله من الشرف بأن كان أحد ضحايا مواجهة الفساد والإستبداد، ورفضه لأن يكون مجرّد ذات تنزع للهروب من الوطن عبر قوارب الموت أو الانتحار أو الانتهازية كي يضمن حياة "آمنة"، وإنّما اختار النضال السلمي من خلال اللجنة المحلية لأصحاب الشهادات المعطلين عن العمل التي كان منسّقها، وقد لقي من المناضلين النقابيين الشرفاء التفافا ومساندة عملية حول حقه وحق أبناء جيله وشباب الرديف عموما في نصيب من الثروة الوطنية والتنمية العادلة بعد أن استنزفت ثرواتها على مدى مائة سنة سواء من طرف المستعمر الفرنسي أو من طرف البورجوازية المنصّبة منذ أزيد من خمسين سنة.

طوال ساعات راوحت مرافعات السادة المحامين لتعرية الملف بين التشريعي والقانوني والسياسي والإجتماعي، فكانت بحق محاكمة للنظام وللمسؤولين بجهة قفصة المتورطين في الفساد والمتسبّبين المباشرين في اندلاع "إنتفاضة الحوض المنجمي" جانفي 2008.

وأجمع الأساتذة المحامون أن النيابة العمومية ارتكزت في توجيه الاتهامات العديدة والمتعددة على قوانين وأحكام تعود للحقبة الاستعمارية نظرا للفراغ القانوني في التعاطي مع مثل هذه الملفات وللانقضاض القضائي حيث يتم الاستنجاد بمثل هذه الأحكام كلما كانت هنالك مواجهة مباشرة بين النظام وأبناء الشعب المفقّرين والمحرومين من حقوقهم الدنيا على غرار أحداث الخميس الأسود في 26 جانفي 1978 وانتفاضة الخبز في 1984. كما عبّر الأساتذة المحامون على أن قضية حسن بنعبدالله والفاهم بوكدّوس لا تنفصل عن القضية الأم المعروفة بـ"الوفاق" لذلك فهم مجبرون على عدم التغاضي على ما وقع فيها من تعدّيات وخروقات على جميع المستويات.

وركّز المحامون على الطابع الكيدي للمحاكمة والتي لا يمكن فصلها على القضية الأمّ في أطوارها الثلاثة إنطلاقا من باحث البداية بمنطقتي الأمن بالمتلوي وقفصة، أين تمّت فبركة محاضر بحث لا تعبّر إلا عن حالة الإرتباك التي عرفها الجهاز الأمني في مواجهة قادة الحركة، وللتغطية على الانتهاكات العديدة والمتكررة ضد الأهالي والمواطنين بجهة الرديف، فباحث البداية زوّر تواريخ الإيقاف، وتلاعب بها ليتمكّن من ربح الوقت وكتابة ما يتلاءم مع خططهم للإجهاز على الحركة دون أن يطّلع الموقوفين عنها، كما عبّر العديد من المناضلين، وإمعانا في زيادة التعذيب والتنكيل بالموقوفين، وهذا ما دفع بنعبدالله وبوكدّوس إلى اللجوء إلى الإختباء والتواري عن الأنظار لأكثر من سنة ونصف تجنبا لبربرية البوليس ووحشيته.

وقد اعتمد باحث البداية لإنتزاع إعترافات وهميّة على التعذيب الممنهج عبر الإعتداءات السافرة على الحرمة الجسدية والمعنوية، وعبر استعمال أشكال بربرية مثل "التعليق" و"الروتي" و"الحرق بالسجائر في الأماكن الحساسة من الجسد خاصة الجهاز التناسلي"، والضرب على كافة أنحاء الجسم والتركيز على الرأس باستعمال آلات وأدوات وحشيّة كالعصي والخراطيم... وقد عبّر الحاضرون من قادة الحوض المنجمي داخل الجلسة عن استعدادهم للشهادة ضد جلاديهم، ورفض القاضي سماع شهاداتهم كي يتمّ طيّ ملف التعذيب دون محاسبة.

وتواصلت المهزلة القضائية في فصلها الثاني على جزئين أوّلهما رفض حاكم التحقيق عرض أيّ من الموقوفين على الفحص الطبي رغم معاينته لآثار التعذيب، متعدّيا بذلك على أبسط حقوق الدفاع. وثانيهما ما أتته دائرة الإتهام حين نسخت ما جاء في محاضر التحقيق دون تمعّن وتثبت وتمحيص في الخروقات المفضوحة.

ويكتمل المشهد المسرحي الفاشل في طور القضاء الجالس في دائرتيه الإبتدائية والإستئنافية حيث الإعتداء على الموقوفين وعائلاتهم والمساندين لقضية الحركة الإجتماعية بالحوض المنجمي، فقد كان البوليس السياسي هو المتحكّم الوحيد في ما يقع من إنتهاكات على أبسط حقوق الدفاع لتنتهي إلى أحكام قاسية تراوحت بين السنتين والثماني سنوات، ويكون نصيب حسن بنعبدالله العشر سنوات وهو الذي بحالة فرار.

من جهة أخرى إعتبر المحامون أن إطلاق سراح مساجين الحوض المنجمي عن طريق سراح شرطي في نوفمبر 2009 قد كان نتيجة لاعتراف السلطة السياسية بمشروعية الحركة الإحتجاجية وبالإلتفاف الغير مسبوق من طرف كافة أطياف المجتمع المدني التونسي والعالمي، وهذا ما يحتم إخلاء سبيل بنعبدالله وبوكدّوس فورا والكف عن تتبع محي الدين شربيب نهائيا.

كما أشار السادة المحامون إلى ضعف السند التحقيقي في ما يتعلق بـ"المحجوز" الذي تجاورت فيه الضابطة العدلية حدودها ومارست صلاحيات القضاء في الحجز دون عرضه مثل الأقراص المضغوطة الذي لم يشاهدها لسان الدفاع بالإضافة إلى اللافتات التي كانت تعبّر عن مطالب مشروعة كالتنمية العادلة والحق في الشغل والتوزيع العادل للثروات.

وفي تعقيب آخر ذكر المحامون أن الشهادات المنتزعة من طرف قادة الحوض المنجمي تحت التعذيب ضد منوّبهم بنعبدالله يفندها حضورهم اليوم في قاعة الجلسة للمساندة وللشهادة، إن وافقت المحكمة، ببطلان ما ذكر في محاضر البحث من تشويه للحقائق وتزوير للوقائع، فهي قد حوّلت الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية.

لقد طالب المحامون لما ارتابوا من الهدوء الذي يسبق العاصفة في قاعة المحكمة وخارجها في أن يكرّس القضاء كلمة الحق وينصف بنعبدالله وبوكدّوس وأن يتخلى نهائيا عن ملاحقة أبناء الحوض المنجمي، كما طالبوا بفتح تحقيقات جدية في استشهاد "الحفناوي المغزاوي" و"عبد الخالق عميدي" بالرصاص الحيّ و"هشام بنجدو" بصعقة كهربائية، من طرف أيادي غادرة معلومة لكنها تنعم بالحرية وربّما "التقدير" و"منح الوطنية" و"الترقيات" كما وقع مع الجلادين الملطخة أيديهم بدماء أحرار الرديف وأم العرائس والمتلوي والمظيلة في مراكز الإعتقال والتعذيب.

ربّما كل من عايش جلسة 27 أفريل يعتقد بأن حُسن تسيير الجلسة من طرف رئيسها والمرافعات المطولة والدقيقة من طرف خيرة محامين هذا الوطن قد تعجّل بإطلاق سراح المناضل حسن بنعبدالله، لكن ما سمعناه في الليل من حكم جائر وخيبة أمل أخرى قد شكل طعنة إضافية في عرش استقلالية القضاء التونسي، فلم يعد التشكيك به في مثل هذه القضايا مجرّد إدعاءات باطلة من طرف المعارضة، التي كما يقال في صحافة العار والمجاري أنها تصطاد في الماء العكر، وإنما حقيقة تعبّر عن مدى الإنحدار القانوني والقضائي والحقوقي الذي أصبح الشعب التونسي مضطرا لمعايشته في صمت. ولقد عبّرت أطوار إدارة الجلسة على مدى التوجّس من طرف النظام من الملاحظين والحقوقيين والصحفيين الأجانب الذين هبّوا لمساندة أبطال الحركة.

يبدو أن هذا الجرح النازف في الرديف لازال قائما ولا زال غائرا ولا زال مفتوحا على كافة الإحتمالات خاصة وأن الحل القضائي والأمني لا زال هو الخيار الوحيد لسلطة لاشعبية ولا ديمقراطية ولا وطنية، في بعديه المرحلي والإستراتيجي، ولذا لابدّ للقوى الحية داخل المجتمع التونسي وكافة الأحرار في العالم مزيد الإلتفاف مع ضحايا ومناضلي الحركة الإجتماعية التي مثلت انتفاضتهم النبيلة والعادلة علامة فارقة في تاريخ تونس المعاصرة للدفاع عن الحقوق الدنيا للطبقات الكادحة والمفقرة والمهمّشة والمضطهدة في العيش الكريم.

ربّما يقبع اليوم حسن بنعبدالله في السجن همّه الوحيد الحرية والعودة لأحضان أمه وأخواته ورفاقه، لكنّ همّه الأكبر هي الحرية للشعب التونسي الذي يرزح تحت نظام شرس قوامه الإستبداد والظلم والإظطهاد. فهو يعلم علم اليقين أن الكرامة والعزة والحرية هي المقومات الحقيقية لإنسانية الإنسان المنجمي والتونسي. وهو له من الثقة في شرفاء هذا الوطن وأحراره كي يسندوا صموده داخل المعتقل حتى النصر..

بلقاسم بنعبدالله


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني