الصفحة الأساسية > البديل الوطني > حزب العمال يشرح موقفه
الانتخابات البلدية في جبنيانة:
حزب العمال يشرح موقفه
أيار (مايو) 2010

أثارت مشاركة حزب العمال الشيوعي التونسي في الانتخابات البلدية بجبنيانة ردود فعل متباينة. فقد جاءت هذه المشاركة مفاجئة بما أن الحزب أكد بصفة رسمية مقاطعته لهذه الانتخابات على المستوى الوطني ودعا الشعب التونسي إلى مقاطعتها. ولوضع النقاط على الأحرف ارتأينا توضيح موقف الحزب بخصوص هذه المشاركة.

إن حزب العمال يؤكد من جديد على موقفه الثابت من هذه الانتخابات، وهو المقاطعة لأن الوضع السياسي العام (كما سبق وبيّن الحزب ذلك عديد المرات) الذي تعيشه البلاد والذي دارت فيه الانتخابات البلدية الأخيرة لا يشجع على المشاركة، بل ولا يوفر أي إمكانية للمعارضة الديمقراطية لخوض غمارها. فوتيرة القمع ما انفكت تتزايد وهجوم الدكتاتورية طال كل مكونات المجتمع المدني أحزابا وجمعيات وشخصيات وطنية، علاوة على القوانين الانتخابية التي لا تكفل الشروط الدنيا لانتخابات ديمقراطية. وهذه الحالة هي حالة عامة تهم كل البلاد وليست هناك منطقة يمكن اعتبارها استثناء لأنه حتى وإن وجدت بعض الجهات التي تتميز بوجود معارضة قوية نسبيا فإن تغوّل الدكتاتورية النوفمبرية وتحكمها في العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، عن طريق التزوير المفضوح، لا يترك أيّ مجال للمعارضة للفوز.

ومن هذه الزاوية فإن جبنيانة لا يمكن أن تمثل استثناء. لكن الاستثناء الوحيد هو تمكـّن عدد من المناضلين في هذه البلدة من تشكيل قائمة مستقلة وديمقراطية تضم في صفوفها وجوها معروفة بنزاهتها ونضاليتها. وتمكنت هذه القائمة من تحريك الشارع وتعبئته ودفعه لخوض معركة انتخابية حقيقية.

ومنذ البداية لم يكن لدى الحزب أي وهم انتخابي وعمل أنصاره في الجهة على خوض مشاركة موحدة ونضالية في أفق إرساء عمل مشترك مستقبلي لتجاوز حالة التشتت والانقسام وتكتيل الجهود ضد العدو المشترك وهي المسألة التي يوليها حزب العمال أهمية خاصة ويعتبر أن لا مستقبل للحركة الديمقراطية بدونها.

وقد كان شرط الحزب الأساسي للموافقة على المشاركة هو طبع هذه المشاركة بطابع نضالي. وقد عملت السلطة منذ البداية على شق الصفوف ومحاولة خلق الشقاق بين الحزب وبين حلفائه. وظهر ذلك بالكاشف عندما وافقت على مشاركة القائمة المستقلة ومنحتها الوصل النهائي. وهو موقف يعتبر مفاجئا باعتبــار وأن القاعدة التي درجت عليها الدكتاتورية في تعاملها مع القائمات المستقلة، وخاصة تلك التي تضم في صفوفها وجوها قريبة من حزب العمال، هي الإسقاط.

وقد عرفت القائمة تجاذبات بين منحى "تنازلي" وآخر نضالي. وقد تفوق المنحى الأول الذي كان يهدف إلى الحفاظ على القائمة ودخول المعركة الانتخابية حتى وإن كان ذلك يتطلب تقديم بعض التنازلات. وقد تم فعلا تقديم هذه التنازلات بخصوص البيان الانتخابي. التنازل الأول يتعلق بحذف فقرة تتعرّض بالنقد للانتخابات الرئاسية والتشريعية في أكتوبر الفارط. أما التنازل الثاني فقد شمل حذف فقرة تتعلق بهيمنة الحزب الحاكم على البلدية منذ تأسيسها. وقد قـَبـِل حزب العمال مواصلة العمل ضمن القائمة المشاركة، رغم حصول هذه التنازلات التي لم يكن موافقا عليها، حفاظا على عقليّة العمل المشترك والموحد التي سادت طيلة فترة التحضير لخوض الانتخابات.

وخلال الحملة الانتخابية طغى التوجه النضالي على مجمل التحركات وهو ما أثار حفيظة بعض المشاركين في القائمة ووصل بهم الأمر إلى حد التلويح بالانسحاب.

خلاصة القول أن الحفاظ على وحدة القائمة كان يعني بالنسبة لحزب العمال الحفاظ على وحدة العمل مع الأطراف التي أثبتت قابليتها واستعدادها لهذا العمل قبل الانتخابات. وكان هدف الحزب هو خروج المعارضة بعد الانتخابات أكثر توحدا وانسجاما. وهو أمر مهم لمستقبل الحركة الديمقراطية ليس في جبنيانة فقط وإنما في البلاد ككل. وقد بدا واضحا أن السلطة تسعى بكل الوسائل إلى استغلال الانتخابات لمزيد تشتيت المعارضة وتوجيه بعضها ضد بعض من خلال تضخيم موقفيْ المشاركة والمقاطعة والتغطية عل المسائل المهمة الأخرى وفي مقدمتها وحدة المعارضة ضد الدكتاتورية. وبذلك أصبح مدار الصراع ليس الانتخابات والموقف منها (مقاطعة أو مشاركة) فحسب وإنما أيضا الحفاظ على وحدة المعارضة وتماسكها. وهو أمر ليس بالهين في ظل عقلية الحسابات الفئوية الضيقة التي مازالت تميز المعارضة في تونس والتي ما فتئت السلطة تغذيها بكل الوسائل.

ويمكن اعتبار الحملة الانتخابية التي جرت في جبنيانة مناضلة نسبيا. فخلالها تم توزيع البيان الانتخابي بأعداد كبيرة. وتم الاتصال بالمواطنين في منازلهم مما أقلق البوليس الذي كان يتعقب أعضاء القائمة وأنصارها وهم يجوبون المدينة محاولا إرهاب المواطنين. وقد واجه أعضاء القائمة وأنصارها البوليسَ بشجاعة وأجبروه على المغادرة في بعض الأحيان منددين بممارساته أمام المواطنين الذين تعاطفوا معهم. كما حاول البوليس منعهم من تعليق لافتاتهم فتم التصدي له بالشعارات مما أجبره على التراجع. ونظمت القائمة حفلا موسيقيا ملتزما حضره عدد كبير من المواطنات والمواطنين من مختلف الأعمار والفئات. وقد أربكت الشعارات المرفوعة أثناء الحفل، والتي تمحورت حول الحريات والطلبة المساجين والبلدية، البوليسَ.

وقد كانت مداخلة رئيس القائمة التي تخللت الحفل متناسقة مع المناخ العام فاستوعبت جميع القضايا المطروحة ولم تقتصر على الوضع المحلي البلدي.

وبعد الحفل خرج الجميع في مسيرة رغم تحذيرات البوليس وتهديداته. واعتصم العشرات أمام مقر المعتمدية مطالبين بتمكينهم من بطاقاتهم الانتخابية، فتدخـّل البوليس لتفريقهم لكنه وجد صعوبة في ذلك فاستجابت السلطات المحلية ومكنت البعض من بطاقاتهم الانتخابية.

أما يوم الانتخابات فقد تمت عسكرة المدينة وهو ما يعكس حالة الذعر التي لاحت على السلطة. وقد تسربت أخبار مفادها أن المسؤولين المحليين والجهويين اجتمعوا في مقر الولاية والمعتمدية وتحدثوا بإطناب عن القائمة المستقلة وأشاروا إلى وجود حزب العمال فيها. وعبّروا عن ندمهم من تمكينها من الوصل النهائي.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن البوليس بدا يوم الانتخابات أكثر شراسة وتشددا حيث عمد إلى تعنيف بعض المناضلين وإرغامهم على ملازمة منازلهم. وبدل حضور "الملاحظين" لمراقبة سير العملية الانتخابية كان البوليس يصول ويجول في المدينة ليتيسر للحزب الحاكم تحقيق "الفوز". ورغم ذلك فقد أكد العديد من شهود العيان حصول خروقات وتجاوزات عديدة داخل وخارج مكاتب الاقتراع.

ولم يكن يخطر ببال الحاضرين لعملية الفرز أن يتم التزوير بذلك الشكل السافر. فبعد الإعلان عن النتائج بمقر المعتمدية وحصول القائمة على 21.4% من جملة الأصوات أي على أكثر من 400 صوت تغيرت الأرقام أثناء الإعلام الرسمي فارتفع عدد الأصوات التي تحصل عليها التجمّع من 1300 إلى 3059 ونسبة المشاركة من 54.45% إلى 97%. ونزلت النسبة المئوية التي تحصلت عليها القائمة المستقلة من 21.4% إلى 2.9%.

إن هذه التجربة الملموسة أثبتت مرة أخرى أنه لا وجود لرهان انتخابي. وأنه حتى في صورة تمكن المعارضة من خوض معركة انتخابية حقيقية واستغلال هامش الحملة الانتخابية لتحقيق بعض المكاسب فإن هذه المكاسب تظل جزئية ومحدودة أمام ما يمكن أن يترسّخ لدى عامّة الناس من وَهْمِ حول عمليّة انتخابية مزوّرة من أساسها ومتحكـّم فيها من طرف الدكتاتورية من بدايتها إلى نهايتها. كما أثبتت هذه التجربة أن حزب العمال مستعد لتقديم بعض التنازلات لفائدة الحفاظ على وحدة العمل مع المعارضة حتى وإن كانت هذه التنازلات تتعارض مع موقفه العام من هذه الانتخابات.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني