الصفحة الأساسية > البديل الوطني > حكاية صورة
بالمـرصـاد:
حكاية صورة
4 آب (أغسطس) 2011
صوت الشعب - العدد 10 الخميس 4 أوت 2011

إن الفعل الجماعي وعدالة القضايا هي التي أحدثت الفارق وصنعت الحدث في منطقة الحوض المنجمي طيلة الفترة التي أعقبت حوادث الاحتجاج على نتائج مناظرة لانتداب أعوان وكوادر بشركة فسفاط قفصة يوم 05 جانفي 2008 تأكد الفساد والمحسوبية والتمييز السياسي والعشائري والنقابي الذي شابها. وقد لعبت عوامل أخرى دورها في الإعلاء من قيمة ما حصل وساهمت في تغذيته على غرار كاريزما بعض الفاعلين الاجتماعيين أو التقاليد الاحتجاجية ونزعات التمرد لدى سكان المناجم أو روح التضامن والتعاون التي تشيع في مثل ذلك المحيط المحافظ. كما ساهمت التغطية الإعلامية العنيدة الخارجة من رماد التعتيم والتعمية في فرض تلك الاحتجاجات كقضية رأي عام وطني ودولي، ونجحت ورقيا (الموقف، مواطنون، الطريق الجديد) وفضائيّا (الحوار التونسي) وإلكترونيّا (البديل...) في إيصال صوت المحتجّين وقادتهم إلى قطاعات هامة ومؤثرة تونسيّا وخارجيا. إنّ هذه التغطية لم تكن متحدّية فقط في رصد أصداء الاحتجاجات في المكان الخطر، ومسهبة في المتابعة على حساب مواضيع أخرى، بل لعبت دورها السّياسي بامتياز من خلال الدّفاع عن مشروعيّة تلك النّضالات وعدالتها والتّشهير بكل الجرائم والانتهاكات في حقّ المواطنين المنتفضين من أجل الحق في الشغل الكريم ومنوال عادل للتنمية الجهوية، وتزويد تلك الحركة بمادة إعلامية تمنحها الثقة في مطالبها وتزودها بأنفاس إضافية. إن صورة مغرّدة عن سرب التّسييج والمنع في المشهد الإعلامي آنذاك أعطت للتغطية الإعلامية للحدث أبعادا أكبر وساهمت في توجيه جزء هام من الجمهور المحلي والوطني للالتصاق أكثر بهذه الحركة وإسنادها: في حوصلة قناة «الحوار التونسي» لمسار مظاهرة أهلية بمعتمدية الرديف سُيرت يوم الأحد 17 فيفري 2008 اخترتُ والزميلة أمينة جبلون أن نستهلّها بعرض صورة مجتزئة من وسط الحدث تظهر امرأة تهتف خلال المسيرة، كانت تهتزّ وتنتفض وكان جمعي يديها المغلقتين يحملان ساعديها ويرتفعان وينزلان في غضب بارز، كانت في فورانها منصهرة مع ذاتها ومنعزلة عن أصوات المحيطين بها كمايسترو اوبرالي، لا تلوي على شيء غير تفريغ ما في ذهنها وقلبها من أوجاع جراحات موغلة في الفقر والحرمان والإملاق والإذلال تنوء الجهة تحتها منذ أكثر من خمسة عقود. إن الزاوية التي أخذت منها مفردَة قادمة من بعيد تلمح إلى أنها مستعدّة وحدها لتُقيم مظاهرة فردية وان تصدع بصوتها للحصى والرمل والغبار والحيطان والأسوار وأن تهديهم صيحتها وصراخها واستنكاراتها، لقد كانت في ملابس البيت مما يعني أنها لم تكن مهيّأة سلفا للخروج للشّارع لكنّها لما سمعت أصوات المتظاهرين لم تتردّد وتركت في عجلة عالمها الخاص وعانقت همّا جماعيا قد لا تكون واعية بكل تفاصيله وحيثياته. إننا حين رمينا بتلك الصورة في أوّل المشهد كنّا نروم التّأكيد على أن ما يحصل في مدن الحوض المنجمي هو حراك أهلي عام تشارك فيه كل الفئات والأعمار وليس احتجاجا نخبويّا ضيّقا لمجموعة من أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل، وأن الجهة قد دخلت مرحلة نوعيّة من الحراك لا ينبغي تجاهله والصمت تجاه مطالبه. كما كنّا نروم التّأكيد على أن المرأة المنجميّة وإن كانت غير محظوظة في التّعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامّة ورهينة بقايا الذهنية القبلية الرجالية المنغلقة فهي مستعدة في كل لحظة للتحرّر من قيودها ومكبّلاتها وإظهار قدراتها كشريك مواطني كامل الأهليّة والقدرة في إشارة إلى أن الحركة الاجتماعيّة تهدي المرأة دورا واقعيّا ذا بال لإظهار قامتها الفعلية لم تقدر عليه لحدّ اللحظة الحركة السّياسية والحقوقيّة والنسائيّة، وإنّ النّساء كفاعلات اجتماعيّات تبشّرن بتغيير سريع لتوزيع الأدوار التقليدي داخل الأسرة والمجتمع وجب على بقية الشّركاء التقاطه والعمل على معطياته حتى لا ينمو أعرجا أو مشوّها.

لقد تجاوزت تأثيرات تلك الصورة كل توقّعاتنا خاصّة أنّها مسّت جوانب لم نعمل عليها: لقد دغدغ الصّدق في الصورة أفئدة الأهالي ووجدانهم ووجدوا كل محنتهم فيها، وحرّكت صرخة المرآة سواكن انتظارات وفقئت دمّل اللّامبالاة والاستقالة حتّى أنّه منذ تلك اللّحظة ارتفعت نسبة مشاهدة القناة بمدن الحوض المنجمي بدرجة غير متوقّعة لم تجاريها فيها أي وسيلة إعلام أخرى خاصّة بالنسبة للشّيوخ والعجائز حتّى أنّ أهمّ ما كان يمكن ملاحظته في الأماسي المنجميّة الحركة الجماعيّة لصحون الهوائيات نحو القمر الصناعي»المحرج» الذي نبث عليه. لقد أصبحت تغطيتنا محور تعليقات واقتراحات وصلت درجة «التدخل الودّي» في خطّ القناة التّحريري ونوعيّة ضيوفها وحجم المشاهد المعروضة وجدنا أحيانا صعوبات جمة في اقناع أصحابها بحدود رسالتنا وضوابطها ونواميسها. أما الشّباب فقد تهافتوا على نسخ المشهد الذي يظمّ الصورة المذكورة وتبادله وبرعوا في إضافة مؤثرات سمعيّة وكتابات عليه بما يتلاءم مع أذواقهم وأهوائهم ترك مكانه رويدا رويدا إلى الشغف بالتّصوير الشّخصي والتّنزيل في المواقع الالكترونيّة. لقد ولع شباب الحوض المنجمي منذ أوائل شهر مارس 2008 باقتناء أجهزة الهواتف النقالة وآلات التصوير وانكبوا على إثراء مكتباتهم التّسجيلية حول الاحتجاجات حتى أنه لم يمرّ أيّ حدث مهما كانت بساطته دون تغطية ومن كل جوانبه وما إن جاء المنعرج الأمني يومي 07 و08 أفريل 2008 حتى كان ذلك المجهود الشخصي في أوجهه وأشبع في الغالب نزعات فردية في ترك بصمات على حدث في تلك الأهمية ويكفي الاطلاع على صفحات الواب لمعرفة حجم تلك التّغطية ومدى تطورّها واتّجاهات التّفكير التي دفعت بها، لكن الأكيد أن الجزء المهمّ من أرشيف انتفاضة المناجم لم يفتح بعد ومازال حبيس جوّالات أصحابه.

لقد كنت شاهد عيان على عظمة حركة أهليّة... لقد عاينتُ بنفسي أهميّة صورة...

الفاهم بوكدّوس (جانفي 2009)



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني