الصفحة الأساسية > البديل الوطني > حول التطبيع مع الكيان الصهيوني
ورقات
الورقة الأولى:
حول التطبيع مع الكيان الصهيوني
18 أيلول (سبتمبر) 2010

1 - محسن الشريف... هل كان يدري؟

لا أعتقد أن محسن الشريف كان يتوقّع، وهو يهتف، بأعلى صوته، بحياة مجرم الحرب والعنصري "بنيامين نتنياهو" بعد أن هتف بحياة بن علي في حفل "أيلات" بفلسطين المحتلة، أنه سيثير ضجة كالتي أثارها وأنه سيكون له "الفضل" بالمناسبة، ومن حيث لا يدري، في وضع مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني، في صدارة اهتمامات جزء لا يستهان به من الرأي العام في بلادنا. لقد أثار "الشريف"، الفنان الشعبي المغمور، ومن شاركه من زملائه في حفل "أيلات" موجة من الغضب العارم، برزت، في غياب فضاءات مفتوحة لحرية التعبير (إذاعات، قنوات تلفزية، صحافة مكتوبة...)، من خلال "الفايس بوك" الخارج نسبيا عن سيطرة السلطة.

إن ما عبّر عنه الشباب خاصة، من غضب، بيّن بشكل واضح أنّ القضية الفلسطينية حية في القلوب والعقول وأن كل المجهودات التي بذلتها وتبذلها الأنظمة العربية، بما فيها "نظامنا"، لطمسها ولتشريع الوجود الصهيوني عبر سياسة التطبيع، لم تـُجْدِ نفعا. فقد كان كافيا أن يجدّ، بالنسبة إلى تونس، حادث كالذي حدث في "أيلات" ويفتضح عبر شبكة "الفايس بوك" حتى ينفجر الغضب المكتوم في النفوس، وخاصة في نفوس شباب ظن حكام بلادنا أنهم بلّدوا ذهنه وميّعوه وهمّشوه وأبعدوه عن القضايا الكبرى ومن بينها القضية الفلسطينية.

إنّ المرء يجانب الحقيقة، إذا زعم أن كل الردود على ما أتاه محسن الشريف وزملاؤه "المطبّعون" من أفعال استفزازية، كانت سليمة أو ناضجة. لقد اتسمت ردود الأفعال هذه بالحدّة والتطرف أحيانا (سبّ وشتم، مطالبة بسحب الجنسية، خلط بين اليهودية والصهيونية...). ولكنّ هذه الحدّة غير العقلانية لم تثرني مثلما أثارتني ردود أفعال بعض مثقفينا الذين تركوا الموضوع الرئيسي، أي التطبيع، وركـّزوا في سياق تهكـّمي ومتعال على ما جاء في ردود "عامة الناس" من تجاوزات وصفها البعض بالهستيريا. لقد سعى البعض، في هذا السّياق، إلى تتفيه كافة جوانب المسألة: تتفيه وتبسيط مشاركة محسن الشريف في حفل "أيلات" (ذهب بحثا عن "كاشي" وكأنّ "المطبّعين" دولا وجماعات وأفرادا يبحثون عن شيء آخر غير "الكاشي"!) تتفيه الفن الملتزم واختزاله في "شعبان عبد الرحيم" الشعبوي، تتفيه أحزاب المعارضة والنقابات والزعم أنها انخرطت في "المطالبة بسحب جنسية محسن الشريف" واستعمال سلاح التخوين ضده وهو نفس السلاح الذي تستعمله السلطة ضدها، إلخ. علما وأنّ هذه الأحزاب والنقابات لم تنخرط في هذه المطالبة بل اتخذت موقفا مبدئيا من التطبيع ولا يعلم المرء في نهاية الأمر إن لم يكن الغرض من كل ذلك هو تتفية مقاومة التطبيع ذاتها.

2 – التطبيع هو القضية الأصلية

إن القضية الجوهرية التي أثارها سلوك محسن الشريف، هي كما قلنا، قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني. و"المثقف" الذي يريد حقا القيام بدوره عليه أوّلا وقبل كل شيء أن يبحث في هذه القضية وفي "أطرافها" وخصوصا في مسؤولية السلطة في بلادنا فيها وفي كيفية مواجهتها... وبعدها يمكنه مناقشة ردود الفعل الخاطئة والمتشنجة والعنصرية... لأن هذه المناقشة ستكون وقتها واضحة ومقنعة، لا أن يقوم بالعكس فيهتمّ بردود الفعل ويهمل المسألة الرئيسية التي انطلق منها السجال. وهو أمر خاطئ سواء من الناحية المنهجية أو السياسية لأن التركيز على الفرع دون الأصل قد يؤدي إلى طمس هذا الأصل وإلى تحويل النقاش إلى وجهة أخرى...

إن التطبيع مع الكيان الصهيوني ليس "لعبة" أو "فذلكة" أو مسألة هامشية يتلهّى بها "الصغار" للتنفيس بها عن غضبهم المكبوت ولكنها مسألة ذات أهمية بالغة في السياسة الدولية والإقليمية للـ"كبار" المتآمرين على مصالح الشعوب العربية وكافة شعوب المنطقة المسألة لا تتطلب تحليلا طويلا لإظهار أن التطبيع يمثل ركيزة أساسية من ركائز الدبلوماسية الأمريكية والأوربية في المنطقة خاصة وفي العالم عامة. فالإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عقود، وخاصة منذ اتفاقيات أوسلو، جعلت من التطبيع مع "إسرائيل" معيارا أساسيا لتحديد صفّ "الأصدقاء" من جهة وصفّ "المناوئين" من جهة أخرى. إن الحاكم العربي أو الإسلامي الذي يريد أن يحظى بدعم الولايات المتحدة أوّلا وأوروبا الغربية ثانيا عليه أن يعترف بـ"إسرائيل" و"يطبّع" علاقاته بها، أي أن يقيم معها علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية وثقافية، ولم لا أمنية وعسكرية أيضا. لذلك ليس من الغريب أن يتوزع الدعم الأمريكي على الأنظمة العربية وفقا لدرجة "تطبيعها" مع الكيان الصهيوني وأن ينصبّ العداء على الأنظمة التي ترفض هذا التطبيع...

إن التطبيع مع "إسرائيل" يكتسي بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية أهمية إستراتيجية. فهو يعني الاعتراف بوجود هذا الكيان وتشريع اغتصاب فلسطين وما ينجرّ عن ذلك من تخلّ عن الثوابت الوطنية الفلسطينية بما فيها تحرير كامل أرض فلسطين والمقاومة. وبالطبع فإن من يتنازل عن هذه الثوابت عليه أن يكون قابلا للتنازل عن أشياء أخرى، عليه أن يقبل ما هو أقل من "تقسيم 1947"، ثم ما هو أقل من "حدود 1967"، ثم عليه التخلي عن "حق العودة" وعن "القدس"، إلخ. بل عليه أيضا أن يعارض كل أشكال المقاومة أو ينشط في تمرير المشاريع الأمريكية الصهيونية في المنطقة.

وبالطبع فإنّ ما يجعل الولايات المتحدة تولي التطبيع كل هذه الأهمية هو أوّلا وقبل كل شيء مصالحها الأساسية. فأمن "إسرائيل" التي تقوم بدور "الحارس المباشر" لهذه المصالح، هو أمن الولايات المتحدة. إن "إسرائيل" لم تخلق إلا كقاعدة أمامية للدول الامبريالية الغربية. وعلى هذا الأساس فإن فرضها على شعوب المنطقة ووضع حد لكافة المواجهات معها والحفاظ على تفوّقها العسكري المطلق إقليميا، إنما يساعد الولايات المتحدة على فرض هيمنتها المطلقة على المنطقة الغنية بالنفط وذات الموقع الإستراتيجي الهام.

3 – تونس والتطبيع

إن تونس ليست خارجة عن دائرة التطبيع. فمنذ اتفاقية أوسلو عام 1993 تكثفت الضغوط من الإدارة الأمريكية على النظام التونسي كي ينخرط في سياسة التطبيع. وما هي إلا فترة قصيرة حتى فتحت الحكومة، في إطار الكتمان التام (المسألة لم تناقش في البرلمان ولم يقع إثارتها في الصحافة حتى من قبل الصحف "القومجية" الكاذبة كـ"الشروق" و"الصباح" و"الصريح"...) مكتبا للكيان الصهيوني بتونس مقابل فتح مكتب لتونس بتل أبيب. ولم يغلق هذا المكتب إلا عام 2000 بمناسبة انطلاق الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) وبتوصية من الجامعة العربية. ولكن التطبيع لم يتوقف، فقد ظلت الأخبار تتسرّب من وقت إلى آخر عن لقاءات بين رجال أعمال أو عن طريق بعثات فلاحية (تبادل خبرات) وعن مشاركات في مناورات عسكرية تساهم فيها "إسرائيل"، إلخ.

وكان استدعاء مجرم الحرب "أرييل شارون" في عام 2005 لحضور القمة العالمية لمجتمع المعلومات محطة بارزة في سياسة التطبيع بعد غلق المكتب. وقد تذرعت الحكومة آنذاك بكون القمة من تنظيم الأمم المتحدة وبأن لا دخل لها في الدعوات. ولكن الكذبة انكشفت حين جاء "سيلفان شالوم" وزير خارجية الكيان الصهيوني عوضا عن شارون واستقبل كـ"صديق"، وحلت طائرته بجربة وعَلـَمُ تونس "يرفرف" فوقها إلى جانب علم "إسرائيل". ووقع الطواف بشالوم في "الغريبة" وفي قابس مسقط رأسه، في نفس الوقت الذي منع فيه الناس من الاحتجاج. ومنذ ذلك الحين ظلت إشارات التطبيع تتلاحق: رحلات مباشرة من تل أبيب إلى جربة (الحج إلى الغريبة)، تبادل سلع، وضع تونس مباشرة خلف البلدان العربية المطبّعة رسميا، بداية الحديث عن "سياحة دينية" في ندوة نظمتها بلدية حلق الوادي التي يرأسها عماد الطرابلسي...

إن حضور محسن الشريف في حفل "أيلات" ليس حدثا عرضيا ولا معزولا ولكنه يندرج ضمن هذا السياق "التطبيعي" الرسمي. وقد أشار الشريف ذاته إلى أنه ليس الأوّل ولا الوحيد الذي غنى في "إسرائيل". كما أشار غيره في صفحات "الفايس بوك" إلى العدد الكبير من الفنانين الذين غنـّوا لزوّار "الغريبة" القادمين من "إسرائيل" ومن البلدان الغربية. ولا نعتقد أن السلطة ليست على دراية بذلك بل لا نخالها إلا طرفا مباشرا أو غير مباشر في كل ما جرى ويجري من أعمال "تطبيع". فهي "المطبّع الأول" من جهة، ومن جهة ثانية فإنّ طبيعتها الاستبدادية التسلطية، وما تعنيه من "تدخل في كل شيء" و"مراقبة كل شيء" ومعاقبة كل خروج عن "الصفّ"، تجعل محسن الشريف وأمثاله، خصوصا إذا كانوا مقيمين في تونس وتطولهم يد السلطة بسهولة، لا يقومون بأيّ شيء دون علمها أو مشورتها. ولسائل أن يسأل لماذا صمتت السلطة عن "فضيحة الشريف" رغم أنه جمع في هتافه بين بن علي وناتنياهو؟ أليس لأنها على دراية بـ"حفل إيلات"؟ أو لأنها تخشى، إذا ما اتخذت موقفا حتى من قبيل المناورة، ردّ فعل "الإسرائيليين" الذين قد يفضحون أشياء أخرى عن التطبيع؟ أليس صمتها رسالة أيضا إلى واشنطن بكونها لا تعاقب المطبعين؟

ومهما يكن من أمر، فإن علم السلطة أو عدم علمها بحفل "أيلات"، يبقى مسألة ثانوية، إذ أن المهم هو أن السلطة في بلادنا ليست ضد "التطبيع" مع الكيان الصهيوني بل هي أوّل من بدأ به وشجّع عليه. فهي "حليفة" الولايات المتحدة وفي حاجة إلى دعمها المستمر السياسي والاقتصادي والأمني. كما أنها "حليفة" فرنسا والاتحاد الأوروبي عامة وفي حاجة إلى دعمهما أيضا، بل إن استقرار النظام، ذاته وبقاءه مشروطان بدعم هذين "الحليفين" الأساسيين اللذين يشجّعان على "التطبيع" بل يطالبان به. وفوق ذلك فإنّ "كلمة خير" من "اليهود الفرنسيين من أصل تونسي" (الذين دعّموا ترشّح الرّئيس التونسي في كل "الانتخابات" السابقة دون أن يعتبر ذلك تدخلا في الشأن التونسي) أو من "اليهود الإسرائيليين من أصل تونسي" لا يمكن إلا أن تخدم السلطة في بلادنا في علاقتها بباريس وواشنطن خاصة، هذا عدا المصالح المباشرة التي تجنيها بعض الأطراف المتنفذة من العلاقة بتلك الأوساط "ذات الأصل التونسي" في مجالات السياحة والتجارة والنقل...

إن الوجه الآخر للتطبيع مع الكيان الصهيوني في السياسة الرسمية للسلطة في بلادنا يتمثل في منع أبناء الشعب التونسي وبناته من التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني بصورة حرة ومستقلة. إن هذا المنع لا يفسّر فقط بالطبيعة الاستبدادية للسلطة التي تدفعها إلى "احتكار الحياة العامة" حفاظا على هيمنتها المطلقة على المجتمع حتى لا يفلت من مراقبتها، بل يفسّر أيضا بموقفها من القضية الفلسطينية ذاتها، وتحديدا بانخراطها في المشاريع الامبريالية الصهيونية الرامية إلى تصفية هذه القضية بهذا الشكل أو ذاك أو بهذه الوسيلة أو تلك وبرغبتها في الحفاظ على مصالحها ونيل رضاء "صانعي القرار الدولي" في واشنطن خاصة الذين يمسكون توابعهم من أعناقهم. وإلى ذلك كله أليس من عواقب "التطبيع"، في العرف الامبريالي الصهيوني، تولي الحكومة "المطبّعة" تخفيف حدة العداء لـ"إسرائيل" وتعويد الشعب على "التعايش معها" و"قبولها أمرا واقعا"؟

4 – كلمة حول "اليهود الإسرائيليين من أصل تونسي" وحول اليهود عامة

إن ما يلفت الانتباه في بعض التعليقات حول حفل "أيلات" أو "الحج " لـ أو "زيارة" معبد الغريبة بجربة هو الحديث عن "اليهود من أصل تونسي" الذين يعيشون في "إسرائيل" كما لو أنهم "توانسة"، كما لو أنهم مازالوا من "أولاد البلاد" والحال أن وضعهم تغيّر جذريا. لا نريد هنا الخوض في كيفية خروجهم من تونس والعوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في ذلك وأيّ هذه العوامل كان محددا، فمهما كانت أسباب الخروج فإن هؤلاء "اليهود من أصل تونسي" أصبحوا اليوم "مواطنين إسرائيليين"، "مواطنين" تابعين للكيان الصهيوني المحتل، الغاصب. فهم يخدمون في جيشه وفي أجهزته الأمنية وإدارته ويمارسون الأنشطة الاستيطانية وينتمون إلى أحزابه بما في ذلك الأحزاب اليمينية المتطرفة ويتقلدون المناصب العليا في حكومته (سلفان شالوم "القابسي" مثلا) ويكرسون سياساته العنصرية تجاه الفلسطينيين (إلا من كان منهم تقدميا، معاديا للصهيونية، كما هو حال العديد من "الإسرائليين" من ذوي الأصول المختلفة). لذلك فإنه من الخطأ التعامل مع "اليهود الإسرائيليين من أصل تونسي" بغير ما هم عليه حاليا كـ"مواطنين" في الكيان الصهيوني لا يربطهم بتونس أية رابطة عدا ربما الرابطة العاطفية المرتبطة بأصولهم والتي لا تحدد في شيء مواقفهم السياسية. ألم نر ونسمع الحاضرين في حفل "أيلات" يهتفون بحياة، "بيبي" اليميني المتطرّف؟

أما الملاحظة التي أريد أن أسوقها حول اليهود بشكل عام، فهي أن أوضاعهم في العالم لم تعد كما كانت في القرن التاسع عشر أو في النصف الأول من القرن العشرين أي عندما كان معظمهم (نقول معظمهم وليس كلهم لأن أثرياءهم كانوا دائما ينعمون بحياة هادئة وقريبين من أوساط الحكم) معرّضا لشديد الاضطهاد في أوروبا خاصة وهو اضطهاد بلغ أشده مع المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية. لقد أصبح اليهود خلال العقود الأخيرة التي تلت قيام الكيان الصهيوني بتشريع جائر من الأمم المتحدة وتعزز روابطه العضوية والإستراتيجية مع الامبرياليات الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تحت حماية "إسرائيل" والحركة الصهيونية العالمية وهذه الامبرياليات، سواء كانوا داخل الكيان الصهيوني أو خارجه، عدا اليهود المعادين للصهيونية من مفكرين وفنانين ورجال دين ومواطنين عاديين فهم يعاملون كما يعامل أعداء الصهيونية عامة.

لقد أصبحت الحكومات في العالم، بما فيها الحكومات العربية تحرص على ضمان سلامة مواطنيها اليهود، وتقرأ ألف حساب لما يمكن أن تتعرض له من حملات تشهير وتنديد ومن عقوبات جراء ما يمكن أن يلحقهم من إساءة. وفي الواقع فإن الأمور لم تعد تتوقف عند حد إدانة الذين يرتكبون حقا أعمالا عنصرية تدخل حقا في إطار "معاداة السامية"، بل إن الإدانة توسّعت، خصوصا في البلدان الغربية، لتشمل حتى معارضي الصهيونية، ومنتقدي السياسات الإجرامية لحكومات "إسرائيل" المتعاقبة، إذ صار كل هؤلاء يُتهَمون بـ"معاداة اليهود والسامية" في خلط واضح ومتعمّد بين اليهودية كديانة من جهة وبين الصهيونية كحركة رجعية عنصرية واستعمارية و"دولة إسرائيل" المحتلة والغاصبة والمجرمة من جهة ثانية لفرض الصمت عليهم.

أما "إسرائيل" في حد ذاتها، فمن يقدر على "مسّها"؟ وعلى مسّ "مواطن" من "مواطنيها"؟ وهي التي تتمتع، بدعم أمريكي أوروبي، بتفوق عسكري مطلق في المنطقة؟ إن اختطاف "حزب الله" لجنديين على "الحدود" كلّف لبنان عام 2006 حسب التبريرات "الإسرائيلية" الرسمية حربا مدمّرة. كما أن اختطاف "حماس" للجندي "شاليط" عام 2008، كلّف غزة حربا همجية أتت على الأخضر واليابس. وقد وجدت الحربان تغطية سياسية مباشرة من واشنطن ومن العواصم الغربية الأخرى، في الوقت الذي لم يثر فيه احتجاز "إسرائيل" لأكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني أيّ استنكار من الحكام الغربيين.

5 – من هم "المساكين" و"المغبونين" اليوم؟

إن الهدف من كلامنا هذا ليس الاستهانة بشكل عام بـ"معاداة السامية" ولا تبرير مشاعر العداء لليهود الموجودة في قطاعات شعبية عدة في أوطاننا أو لدى حركات سياسية تخلط بين اليهودية والصهيونية، سواء كانت هذه الحركات قومية أو دينية، ولكننا نقول هذا الكلام لنضع الأمور في نصابها، فكل مسألة تخرج من إطارها التاريخي أو من ظرفيتها تفقد معناها وتؤدي إلى ارتكاب أخطاء في السياسة. إن هدفنا هو التصدي لتوظيف المظالم التي تعرض لها اليهود في السابق لتبرير الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني اليوم على حساب الشعب الفلسطيني خاصة وشعوب المنطقة عامة. كما أن هدفنا هو التنبيه إلى ضرورة عدم عزل إحياء المشاعر المعادية لليهود في أقطارنا وفي الأقطار الإسلامية عامة عن وحشية الكيان الصهيوني والجرائم التي يرتكبها ضد الفلسطينيين وضد المقدسات الإسلامية، حتى وإن كان ذلك لا يبرر تلك المشاعر إذ لا بد من الفصل بين اليهودية والصهيونية.

إن "المساكين" و"المغبونين" الحقيقيين اليوم في العالم ليسوا اليهود، كما كان الحال في وقت من الأوقات، بل هم العرب والمسلمون الذين يستباح دمهم في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال ولبنان وباكستان والشيشان وغيرها ويمارس عليهم التمييز العنصري بشكل واسع في معظم بلدان العالم تحت غطاء مقاومة "الإرهاب" و"التطرف"، وتشن ضدهم الحملات الإعلامية والسياسية وتسنّ القوانين للنيل من حريتهم الدينية تارة (المآذن في سويسرا...) ولتحويلهم إلى كبش فداء لتلهية المواطنين والمواطنات عن مشاكلهم ومشاكل الجاليات الإسلامية المهاجرة تارة أخرى (النقاب والحجاب...) وتوجيه النقمة إلى هذه الجاليات عوض توجيهها إلى النظام الرأسمالي القائم...

إن المعيار الحقيق الذي ينبغي أن يقاس به اليوم التزام أو نزاهة أو مصداقية أيّ مثقف أو مفكر في العالم ليس في رأيي الموقف من "المحرقة"، لا لأن هذه المسألة حسمت تاريخيا وأصبحت من "تحصيل الحاصل" (بقطع النظر عن بعض الأقليات التي ما تزال تجادل في المسألة لا من حيث الجوهر بل من حيث بعض التفاصيل التاريخية كعدد الضحايا وغيرها) فحسب، بل كذلك لأنّ الموقف من المحرقة وقع الانحراف به عن إطاره ومغزاه التاريخيين ليصبح أحيانا موقفا مطلوبا ومدفوع الأجر إن لزم الأمر لتغطية جرائم الكيان الصهيوني الراهنة. إن إحياء تاريخ المحرقة والمظالم التي تعرّض لها اليهود في أوروبا، بشكل مكثف وفي ظرفيات محددة (عند الإعداد لعدوان صهيوني جديد، أو بعد ارتكاب مجازر على حساب الفلسطينيين أو اللبنانيين... أو عند انطلاق حملة تنديد واستنكار دولية لمثل هذه المجازر...) يراد به إثقال كاهل "الضمير الغربي" وترهيبه ودفعه إلى الصمت عن جرائم الصهاينة إن لم يكن تأييدها أو إيجاد الأعذار لها وتحويل الضحايا إلى جلادين والعكس بالعكس...

إن المعيار الحقيق للحكم على مصداقية أيّ مثقف أو مفكر اليوم في البلدان الغربية وفي العالم عامة هو الموقف من قضية الشعب الفلسطيني وبالتالي من الكيان الصهيوني الغاصب والمجرم والعنصري. وهو أيضا الموقف من الحروب والحملات العنصرية التي تستهدف العرب والمسلمين. إن مثل هذا الموقف هو الذي يتطلب اليوم جرأة وشجاعة ومسؤولية مثلما تطلب بالأمس الموقف من حرب الجزائر أو حرب الفيتنام... وما من شك في أنّ ارتفاع أصوات العديد من أحرار العالم اليوم للتنديد بما يحصل لفلسطين أو لأفغانستان أو العراق أو المسلمين في البلدان العربية عامة، لهو أمر عظيم ومشرّف. وخلافا لبعض "مثقفي" بلادنا "الراديكاليين" ولبعض "مثقفي" العرب المصابين هم أيضا بفوبيا الإسلاميين فإن وجود حركات إسلامية على رأس المقاومة في هذا البلد المستعمر أو ذاك لا يستفز أولئك الأحرار أو يخفف من إدانتهم لـ"إسرائيل" أو البلدان الامبريالية والاستعمارية الغربية التي تسندها. إن وجود"حماس" في غزة أو "طالبان" على رأس المقاومة في أفغانستان أو "حزب الله" في لبنان لا يغيّر بالنسبة إليهم شيئا من عدالة القضية وبالتالي من طبيعة الاحتلال ومن ضرورة مقاومته. كل شعب أو أمة تنجب قياداتها حسب ظروفها التاريخية وهي المسؤولة في نهاية الأمر عن محاسبتها أو تغييرها، مهما كان موقفنا منها.

6 – عودة إلى التطبيع في تونس

إن التطبيع مع الكيان الصهيوني لا يهم الشعب التونسي أو لنقل معظمه من زاوية التضامن مع الشعب الفلسطيني الشقيق فحسب، بل كذلك من زاوية مصلحته الوطنية الخاصة. إن رفض التطبيع، الذي يعني مقاطعة الكيان الصهيوني على كافة المستويات، هو رفض الاعتراف بكيان غاصب ومحتل من أجل محاصرته، مثلما سبق أن حوصر النظام العنصري في جنوب إفريقيا (إلا من الولايات المتحدة وأنجلترا و"إسرائيل" التي حافظت على العلاقة به). كما أنه رفضٌ لكيان سبق أن اعتدى على تونس التي تبقى مهددة به دائما. ولا يمثل رفض التطبيع، تغييرا للأولويات ولا بديلا لـ"تحرير فلسطين" كما ادّعى ذلك البعض، بل هو شكل من أشكال دعم الكفاح الأساسي للشعب الفلسطيني من أجل تحرير كامل أرضه وإقامة الدولة العلمانية الديمقراطية التي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، وهو الهدف الذي ما انفكت الحياة، بعد 17 سنة من أوسلو، تؤكد صحته، وتعيده إلى الواجهة، باعتباره الحل الوحيد السليم لنضال الشعب الفلسطيني ولمعالجة قضيته.

إن مقاومة التطبيع في تونس تعني أوّلا وقبل كل شيء مقاومة التطبيع الرسمي، مقاومة تطبيع الدولة لأنه المَعْبَرُ للتطبيع العام في البلاد. يوجد بعض الناس ممّن ترتفع أصواتهم عاليا وتزداد ألسنتهم طولا حين يتعلق الأمر بتطبيع أشخاص مثل محسن الشريف ولكنها تخفت أو تقصر حين يتعلق الأمر بإدانة التطبيع الرسمي لما له من "تكلفة" (قمع، طرد من العمل، فقدان امتيازات...)، بل يوجد من لا يتحدث عن التطبيع إلا خارج تونس، فيدين النظام المصري مثلا ولا يدين تطبيع النظام التونسي... لذلك فإن من يدين التطبيع دون إدانة التطبيع الرسمي أوّلا وقبل كل شيء، فأقل ما يقال فيه هو أنه غير متماسك ويخطئ الهدف الرئيسي.

ثم إن محرّك مقاومة التطبيع، كشكل من أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني (وليس الشكل الوحيد) وكشكل من أشكال الدفاع عن الذات الوطنية، لا يمكن أن يكون إلا الشعب التونسي بمختلف قواه الوطنية والتقدمية، أحزابا ونقابات ومنظمات حقوقية وثقافية ونسائية وشبابية. ومن هذا المنطلق فإن إيجاد خطة وطنية لمقاومة التطبيع، ضمن التضامن العام مع الشعب الفلسطيني والتصدي للتوسع الصهيوني، أمر ضروري وعاجل لتفعيل هذه المقاومة وتنظيمها، في كافة المجالات السياسية والنقابية والاقتصادية والتجارية والتربوية، إلخ.

إن دور مثقفينا في هذا المجال لهو من الأهمية بمكان. فبإمكانهم، مع الأحزاب والمنظمات والجمعيات أن يقوموا بدور تأطيري للرفع من وعي الشباب ومن عموم المواطنين وجعلهم، لا يخلطون بين اليهودية والصهيونية مثلا... وهو ما يقتضي حتى ولو كدّر ذلك البعض أو أزعجهم أو أغاضهم، أو أثار فيهم "ذكريات" يريدون نسيانها، العودة إلى الأصول الطبقية للصهيونية وعلاقة نشأتها بـ"الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" وبمشروعها الاستعماري... من دون ذلك سيبقى الخلط قائما، وسيظل العامل الديني حاسما في الأذهان... وعلينا أن لا ننسى أيضا إن القيام بهذا الدور يقتضي خوض معركة أخرى وهي معركة الحريات ومن هنا العلاقة بين المعارك الداخلية والمعارك الخارجية وهي علاقة يتناساها البعض وتلك قصة أخرى.

حليمة يوسف
18 سبتمبر 2010

ملاحظة

الورقة القادمة: "في المناشدة والمناشدين"


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني