الصفحة الأساسية > البديل الوطني > ذاكرة الرصاص
حفناوي بن عثمان:
ذاكرة الرصاص
24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

ليلة الرابع من نوفمبر من العام الماضي وفي حدود الساعة الثامنة ليلا فتح باب السجن وعانق أبناء الحوض المنجمي الحرية رغم الطوق الأمني المضروب على إجراءات خروجنا ورغم حالة الاستنفار القصوى فرحت مدينة الرديف وارتسمت البهجة على وجوه الأمهات والآباء ودوت الزغاريد في شوارع القرية العجوز كما يسميها الأهالي وسمي ذلك اليوم عيدا للانتصار رسمه أبناء الرديف القابضين على الجمر صحبة الصادقين والشرفاء من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين وقلنا آنذاك إن هذه اللحظة هي بداية الطريق نحو الانفراج وتضميد الجراح التي كانت ولا تزال غائرة تكفل الزمن بإبقائها حية تحت الرماد وفي الضمائر والنفوس يغذيها الألم والشعور بالغبن لكن يبدو ومن خلال ما نعيشه اليوم وما نراه أننا أخطانا التقدير بل لأننا نتقن الصمت حملونا وزر النوايا وكان علينا إن نتعلم دروسا عدة أولها أن الذي جلس القرفصاء وحدد هدفه جيدا وأطلق رصاص الغدر ليسقط (الحفناوي) [1] قتيلا شهيدا صرخة في وجه الجور لا يمكنه أن يمنح خبزا للجائعين وأن الذي أردى (عبد الخالق) [2] قتيلا شهيدا شهابا ينير ظلام الخوف لا يمكنه أن يمنح شغلا للعاطلين والفقراء وأن الذي فتح الكهرباء ليسقط (هشام) [3] مصعوقا شهيدا نبراسا ينير درب التائهين لا يمكنه أن يحقق التنمية المنشودة لمدينة تعاني التهميش منذ ما يزيد عن خمسين سنة. أمّا الامتياز الوحيد الذي يمكن الحديث عنه في الجهة فهو اكتشاف الفسفاط الذي مثل مصدر نعمة لمدن الموانئ الساحلية ومصدر نقمة لأهالي الرديف الذين عرفوا أحزان الداموس والمناجم بأدق تفاصيلها وعاشوا آلامه وأوبئته ولم ينلهم من نعمة الذهب الأسود إلا الأمراض السرطانية والقصور الكلوي وتلوّث مقيت تعايش معه الأهالي حتى صار جزءا من حياتهم اليومية. لم تكن سنة 2008 سنة عادية بالنسبة إلى مدينة الرديف كانت سنة الانتفاضة ورفض التهميش والمطالبة بالحق في الكرامة عبر المطالبة بالشغل والعيش الكريم وقليلا من التنمية لرفع الغبن عن أهالي الجهة. كل هذا الزخم تمت ترجمته في تحركات مسئولة وناضجة انخرط فيها أبناء المنطقة بمختلف شرائحهم وفئاتهم وكان الحوار مع مختلف السلطات على قدر كبير من المسؤولية والانضباط غير أن المتربصين بمستقبل المنطقة والأهالي المتعطشين لحلول جذرية تضع حدا لمأساة تواصلت لعقود رأوا عكس ذلك بل أحرجهم التنظيم المحكم لأبناء الجهة في احتجاجات سلمية ومدنية طرحت عدة أسئلة محرجة في عمق المسألة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة فأطلقوا العنان لقوات الأمن لقمع الأهالي بالغازات السامة والرصاص الحيّ والزج بقادة الحركة في السجون وفتح باب العقاب على مصراعيه للتنكيل بالسجناء عبر تعذيب ممنهج يطال حتى العائلات وكل من يبدي تعاطفا مع مساجين الحركة وضرب على المدينة حصار كتم الأنفاس وفتش في الضمائر والنوايا رغم كل ما حدث استبشرنا بقرار الإفراج واعتبرناه خطوة في الاتجاه الصحيح تمهد لفتح حوار جدي ومسؤول حول الملفات العالقة وتدفع في اتجاه تنقية المناخ الاجتماعي وتوفير الظروف الملائمة لنقاش هادئ يضمد الجراح ويعيد الاعتبار لجهة أعطت الكثير للدولة التونسية الحديثة منذ اندلاع الحركة الوطنية إلى اليوم غير أن الأحداث التي نراها على الميدان خالفت كل التوقعات إذ لا يزال الحصار مضروبا على المدينة منذ أكثر من عامين بل تجرأت المؤسسة الأمنية إلى افتكاك نادي الأطفال الوحيد بالمدينة وتحويله إلى ثكنة أمنية يقيم فيها عدد غير قليل من الأعوان وتخزن فيها آليات مكافحة الشغب كما تتمركز سيارات الشرطة في أغلب شوارع وسط المدينة في مشهد يوحي بأن المدينة تحت السيطرة البوليسية بامتياز بل ذهبت السلطة أبعد من ذلك في إحكام القبضة الأمنية إذ فرضت مراقبة لصيقة على أغلب قادة الحركة الاحتجاجية عبر التوظيف المعلن للسيارات المدنية والدراجات النارية وترويع عائلاتهم وذويهم في انتهاك صارخ لحرمة الحياة الشخصية للأفراد وحرية تنقلهم هذا إضافة إلى التمادي في تجويع كل مساجين الرديف المفرج عنهم عبر غض الطرف عن مسألة عودة المطرودين إلى عملهم وتشغيل من لا شغل له وتعويض عائلات الشهداء والجرحى الذين يعانون إعاقات دائمة جراء إصابتهم بأعيرة نارية إبان الأحداث. ورغم كل المساعي المبذولة من طرف الاتحاد العام التونسي للشغل وكل مكونات المجتمع المدني المنادية منذ نوفمبر من العام الماضي بضرورة طي هذا الملف والتخلي عن المعالجة الأمنية للقضايا الاجتماعية وإطلاق سراح كل من حسن بنعبدالله والفاهم بوكدوس وأبناء المظيلة المسجونين على خلفية أحداث الحوض المنجمي وفتح تحقيق في قضايا الفساد في الجهة التي كانت ولا تزال سببا رئيسيا في اندلاع الأحداث فان السلطة تمضي في سياسة الهروب إلى الأمام وتهميش كل القضايا العادلة للجهة وإقصاء كل من يمثل هذه الحركة الاجتماعية. لقد علمتنا كل مناهج علم الاجتماع أن المشاكل الاجتماعية تتطلب بالضرورة حلولا اجتماعية والظاهرة تزول بزوال أسبابها ممّا يفسر بما لا يدع مجالا للشك أن الحلول الأمنية قاصرة ولو نجحت في إسكات غضب الأهالي باعتبار أن الأسباب الحقيقية للمشاكل لا تزال قائمة إن لم نقل زادت استفحالا بل سوف تراكم دون شك وفي زمن وجيز لانتفاضة جديدة تكون أعنف في بنيتها وأساليبها والحال أننا شهود عيان على ما يجري في المدينة من نهب للمال العام واستغلال للنفوذ وتفشي الرشوة والمحسوبية وحتى المشاريع الهشة التي أقامتها السلطة في المنطقة وعلى ارتجاليتها لم تسلم من النهب واستغلال العمال فمعمل (خميسه) [4] للملابس الذي وفرت له السلطة المقر المجاني وكل التسهيلات والحوافز لم يشذ عن القاعدة بل تمادى في استغلال العاملات اللاتي يشتعلن في ظروف مزرية ويتقاضين أجور زهيدة لا يقبلها المنطق ناهيك عن قوانين الشغل أمّا مركز الاتصالات عن بعد الذي رصد له مليار ونصف المليار فقد توسّط المدينة في بناية أنيقة لا حياة فيها إلى حد الآن فمذ نهاية الأشغال لم نفهم لماذا لم يشتغل إلى اليوم والحال أنهم انتدبوا للعمل به مجموعة من أصحاب الشهادات الذين قاموا بتربص في الغرض يجعلهم مؤهلين تقنيا للعمل بهذه المؤسسة وصرفوا أموالا طائلة في تكوينهم بضاحية قمرت بتونس العاصمة. كل هذه العوامل والمؤشرات تجعل من التفاؤل أمرا مستعصيا على الأقل في الوقت الراهن والحال أننا نتطلع إلى طي هذا الملف والكف عن سياسة العصا الغليظة التي لن تزيد الأمور إلا تعقيدا في ظل غياب التصورات والحلول الجذرية لأزمة الحوض المنجمي التي لا تكون في اعتقادنا المتواضع إلا عبر الضرب على أيدي العابثين بالمال العام وفتح تحقيق جدي وفوري في سرقات المتنفذين للاعتمادات المرصودة للتنمية في الجهة وتوفير مناخ من السلم الاجتماعي يؤسس في نظرنا لحوار اجتماعي مسئول حول مراجعة دقيقة للخيارات التنموية في المناطق الداخلية تشارك فيه كل الأطراف المعنية بعيدا عن الإقصاء والارتجال والحلول الترقيعية وإطلاق سراح كل المساجين وإعادة المطرودين إلى سالف عملهم وإلغاء مظاهر العسكرة الأمنية التي تدفع في اتجاه مزيد من الاحتقان والتوتر الذي ينبئ ولا شك بالانفجار في أيّ لحظة.

حفناوي بن عثمان؛ سجين سابق في قضية الحوض المنجمي
الرديف في 19 أكتوبر 2010

ملاحظة

مقال منشور بجريدة الموقف يوم 29 أكتوبر 2010

هوامش

[1الشهيد الحفناوي مغزاوي

[2الشهيد عبد الخالق عميدي

[3الشهيد هشام بن جدو علائمي

[4أحد المستثمرين وصاحب معمل الخياطة بالرديف من جهة بئر علي بن خليفة عرف باستفادته من امتيازات الدولة وإشهار إفلاسه في العديد من المناسبات.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني