الصفحة الأساسية > البديل الوطني > ردّ الدكتاتوريّة على أعقابها ممكن
ردّ الدكتاتوريّة على أعقابها ممكن
20 شباط (فبراير) 2010

يبدو أن مضيّ السلطة في انغلاقها وتسريع وتائر القمع في الأشهر الأخيرة قد عمّق حالة الإرهاق الذي ميّز أداء المعارضة التونسية على امتداد السنوات القليلة الماضية.

فالمتأمّل في الحراك السياسي والحقوقي بالبلاد يقف دون عناء كبير على ضعف هذا الحراك وتشتته ممّا أسهم في توسيع دوائر الإحباط واليأس من تغيير الأوضاع وحتى تحسينها، والملفت الانتباه أنّ مشاعر الانكسار وحتّى التسليم بالأمر الواقع امتدت لتطال أشخاصا وقوى كانت حتّى في الوقت القريب في صف الحالمين وحتّى العاملين من أجل تونس جديدة ومغايرة.

فالقبضة الأمنية الغليظة ألحقت ولا زالت الأذى المادي بضحاياها وهو أمر على جسامته هيّن أمام التخريب الذي مسّ الرّوح المعنوية لمن وقفوا في وجه الديكتاتوريّة التي يعني جيّدا أن بقائها مرتهن بإشاعة الخوف حدّ الرعب و تغذية ثقافة وقيم الاستكانة حدّ العبودية المقيتة.

فبعد إشاعة الأوهام على نطاق واسع يعيد 7 نوفمبر 87 وتمكّن تلك الأوهام في قطاعات عريضة بشعبية وسياسية انخرطت في الترويج لأكذوبة "العهد الجديد" و"دولة القانون"، الخ.

وبعد بداية افتضاح تلك الخزعبلات في مطلع التسعينات من القرن الماضي سارعت السلطة لاستعمال العصا الغليظة في اتجاه خصومها السياسيين وكلّ المجتمع حتّى تقطع الطريق أمام تنامي واتساع الحركة الاحتجاجية وأدخلت البلاد في عشريّة حالكة أهم مميزاتها البطش مع ضمور وضعف القوى المعارضة التي أضحى الحفاظ على وجودها مهمة تسبق مهامّ الدفاع عن المجتمع و قضاياه الحيوية العادلة.

ومن الطبيعي أن التحوّل المذكور – الحفاظ على الوجود قبل مقاومة السلطة – مضافا إليه المتغيرات الدولية (هيمنة القطب الواحد أي أمريكا) والعربية (الاعتداء على العراق الشقيق وتراجع الثورة الفلسطينية...) مثل الأرضية الخصبة لشيوع العقلية الانهزامية وتعزّز قيم الفردانية التي تقطع مع الآخر وقضاياه. فكان أن فقدت القوى السياسية المعارضة على اختلاف توجهاتها الفكرية والبرنامجية بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال الكثير من قواها البشرية التي سهّلت أصولها الطبقية (برجوازية صغيرة) انعطافها السريع والحادّ.

ولعلّ نجاح السلطة أيامها في غلق منافذ الحراك في الواجهات السياسية والطلاّبية والثقافية قد سهّل عمليّة الاهتراء والتفسّخ أمام أجيال تعوّدت على الحراك والممارسة وغيبت كليّا أو جزئيّا مهمّات التكوين النظري والسياسي، تلك الرافعة القوّية التي تغذّي الآمال وتنعش صمود المناضل وقت الصعوبات والشدائد.

يذكر الكلّ تلك السنوات وما رافقها من انسداد الآفاق وهبوط المعنويات وانحسار رهيب للقوى الصامدة في وجه الهجوم الفاشستي، كما يذكر الجميع أن بؤر المقاومة السياسية على ضعفها تمكنت في أواخر عشرية القرن الماضي من إجبار السلطة على الانكفاء ولو قليلا لتنتعش قوى الرفض وتتمكن من التقاط أنفاسها والعودة مرّة أخرى إلى مناوشة الديكتاتورية وإحراجها في الداخل والخارج مثلما حدث إبّان إضراب الجوع بمناسبة قمّة المعلومات في 2005.

فهيئة "18 أكتوبر" وقتها رغم تحفّظ البعض حول القوى المشاركة فيها، مثّلت للكثير بارقة أمل في إمكانية الارتقاء بالعمل السياسي من زاوية حشد أكثر ما أمكن من طاقات ضدّ الديكتاتورية وفق تمثّل علمي وواقعي للتناقضات الرئيسية والثانوية التي تشق المجتمع. ولعلّ وعي السلطة بخطورة ذاك التمشّي هو الذي دفعها منذ نهاية سنة 2005 إلى تسخير كلّ إمكانياتها الإعلامية والبوليسية لخنق مكونات "18 أكتوبر" وعرقلة كلّ أنشطتها والحيلولة دون تطوّرها جماهيريا، مستفيدة في ذلك من عوائق ذاتية تعود إمّا لقوى مشاركة في التقاء "18 أكتوبر" أو من تحفّظات واحترازات تيّارات أخرى فيها من مازال بأدوات فكرية قديمة بعيدا كلّ البعد عن الاستيعاب المعمّق لمتطلّبات الواقع الموضوعي وفيها من تعمّد التمترس وراء شعارات التقدّمية ومقاومة الفكر السلفي خدمة للدكتاتورية النوفمبرية وطمعا في تحصيل مكتسبات سياسية ومغانم مادية، أسهم الاستحقاق الانتخابي في رئاسية وتشريعية 2009 في تغذية أوهام أصحابها. وذلك أنّ الديكتاتورية بوضعها الحالي أثبتت من جديد ضيق أفقها الفكري والسياسي فهي تأخذ ما يلزمها دون مقابل على الأقلّ في الواجهة السياسية ولا يهمّها بطبيعة الحال رمي بعض الفتات المالي للمتعاونين معها. كيف لا؟ والطامعون في تأشيرة عمل قانوني وجدوا أنفسهم ضمن الديكور الديمقراطي غير المعترف به. والحالمون بمقاعد برلمانية لم ينالوا سوى مزيد التهميش والإقصاء. والأنكى من كلّ شيء أنّ الحملات الإعلامية التشويهية طالت بعضهم مثلما مسّت غيرهم والعصا البوليسية فوق رؤوسهم مثل الجميع.

تخنق السلطة المجتمع وقواه الحيّة وتُعدّد الضحايا وفق أجندة مدروسة تتلاءم مع مستلزمات البورجوازية الكمبرادورية المتعفّنة، ومن الطبيعي أن يكون الإعلام الحرّ الفريسة المُفضّلة لهجوم الديكتاتورية النوفمبرية التي ينخرها الفساد المالي للعائلات المالكة. وبعدها يأتي الجهاز القضائي المدجّن كما لم يحدث من قبل وإثرهما يرد التنكيل بالقوى السياسية وعلى الأقصى الراديكالية منها مثلما هو حال "حزب العمّال الشيوعي التونسي" الذي مازال ناطقه الرسميّ السيد "حمّه الهمّامي" مُجبرا على التخفّي في ظروف السريّة الصعبة ، وليس من المستبعد أن تكون أوضاعه الصحيّة مُتدهورة بالنظر إلى الأمراض الكثيرة التي كان يشكو منها.

وحتّى يكتمل المشهد عاودت السلطة هجومها على الحركة الطلابية من خلال الزّج بالعشرات وراء القضبان وتحريك ملفات قديمة ضدّ البعض الآخر (مجموعة المهدية مثلا) وضربت بقوّة الاحتجاجات الشعبية من أجل الشغل في الصخيرة (التابعة لولاية صفاقس) ومن المرجّح أن تقتصّ في الأيام القليلة القادمة من السادة الفاهم بوكدوس وحسن بن عبد الله إثر اعتراضهما على الأحكام الثقيلة الصادرة في شأنهما منذ محاكمة مجموعة "الوفاق" بالرّديف في 2008.

وفي كلمة الكلّ مستهدف بحملات القمع التي تدلّ المؤشرات على تواصلها على الأقل حدّ الحسم في مسألة خلافة بن علي وهو ما يطرح على الجميع الوعي العميق بخطورة المرحلة ورصّ الصفوف بعيدا عن الفئويّة والحسابات الأنانية الضيقة والاتفاق على خطوات نضالية تجمع بين الواقعية والجرأة في التصدّي لهجوم الفاشية.

فتجربتنا وتجارب غيرنا على مرّ التاريخ تؤكّد أن ردّ الفاشية على أعقابها وحتّى هزمها ممكن شريطة توفّر عوامل عدّة أهمّها توفّر الجبهة الواسعة المصمّمة على خوض المعركة مهما كانت التضحيات جسيمة.

فؤاد الرياحي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني