الصفحة الأساسية > البديل الوطني > رسائل المحامين في مؤتمر عمادتهم الأخير
وجهة نظر:
رسائل المحامين في مؤتمر عمادتهم الأخير
30 حزيران (يونيو) 2010

بقلم الأمين البوعزيزي

ورد علينا هذا المقال، الذي لا يعبّر عن وجهة نظرنا، وقد تناول فيه كاتبه الانتخابات الأخيرة في قطاع المحامين، ننشره كما هو.

الآن وقد خبا أوار الحمّى الانتخابية وهدأ غبارها، وكشف الصندوق عن إرادة المحامين، وبعد تخمة التحاليل التي تفنن أصحابها في دراسة كيمياء التحالفات وعجائبيتها، للكشف عمّن حظي بدعم مفسد الحساء، ومن خلت صفوف منتخبيه مما ينقض طهارته السياسية! أعتقد أننا محتاجون إلى تحليل هادئ عساه يمكننا من فك شفرة جملة الرسائل التي وجّهها جمهور المحامين إلى سائر الأطراف السياسية التي دفعت بمرشحيها للتنافس على اعتلاء سدة العمادة:

1- كشفت نتائج الدور الأول لانتخابات العمادة عن تصدر رموز خيار الاستقلالية قائمة المترشحين للفوز بمنصب العمادة بفارق أصوات يشي برسالة واضحة أراد جمهور المحامين إيصالها لمن يهمهم الأمر، جددوا فيها ثقتهم في رموز خيار الاستقلالية لقيادة القطاع وتأمينه بعيدا عن إرادة الإستلحاق التي تتربص بسائر مؤسسات المجتمع المدني !

2- أما انتخابات الدور الثاني فقد أفضت نتائجها إلى انتخاب الأستاذ عبد الرزاق الكيلاني عميدا بفارق أصوات يفوق بضع مئات عن منافسه العميد بشير الصيد. وهي ثاني الرسائل التي بعث بها جمهور المحامين، عبّروا من خلالها عن رغبتهم في التغيير. فهم جزء من المزاج العام - السائد هذه الأيام - حيث يلهج المجتمع ونخبه السياسية منذ مدة بالرغبة في التغيير، تتجلى في طوفان الإشاعات والنكت السياسية، وحيوية الحركة الديمقراطية مضافا إليها حملات "يكفي، يزّي فك، سيّب صالح، نهار على عمّار، سيّب السكايب...". لذلك صوتوا بأغلبية ملحوظة في رسالة واضحة: نريد التغيير، نريد التداول، نريد إتاحة الفرصة لطاقات ووجوه جديدة تفيض حماسة وتتحفز للعطاء..!

وكم يذكرنا صنيع المحامين هذا بما فعله الانجليز عقب الحرب العالمية الثانية عندما منحوا أصواتهم لانتخاب منافس زعيمهم "ونستون تشرشل" لاعتلاء سدة رئاسة الوزراء، وقد انشغل المحللون بدراسة السلوك الانتخابي للشعب الانجليزي الذي صوّت ضد زعيمه قائد التصدي للغزو النازي! فكان أن توصلوا الى نتيجة مفادها أن الانجليز لم يجددوا الثقة في زعيمهم لأنه بطل وصاحب أفضال عليهم، إذ سيجدون صعوبة في محاسبته. لذلك خيّروا عليه منافسه الذي لا شرعية له في نفوسهم سوى شرعية الصندوق، حتى يكونوا قادرين على محاسبته أثناء مدته الانتخابية !

وكم كان سلوك المحامين بمختلف توجهاتهم السياسية محكوما بنفس هذا المنطق، إذ بعدما انتصروا في الدور الأول لرموز خيار الاستقلالية, صوّتوا في الدور الثاني لصالح التداول على تحمّل المسؤولية، بما يشي برغبة عارمة في التغيير وانتخاب عميد يقدرون على محاسبته!

3- أما الرسالة الثالثة التي يجدر الوقوف عندها فهي التي وجهها المحامون لمنافسي العميد، كشفوا لهم فيها عن المنزلة التي يكنونها له. ففي الوقت الذي توقع فيه منافسوه انسحابه من الدور الأول بشكل مذل على خلفية الحملة الشرسة التي شنّها شقّ معلوم من منافسيه ممّن حوّلوا المنافسة النبيلة إلى خصومة، إذ كان يكفيهم خوض المعركة الانتخابية بما لديهم من حجج كانت كافية - إن صحّت - لمحاسبته وعدم التجديد له، لكنهم فضلوا تحويلها إلى "موقعة العمادة" أسرجوا لها الخيول وجيّشوا لها النفوس والنصوص لاجتثاث العميد وإزاحته بقدر غير قليل من المهانة!!

لكن القول الفصل كان لجمهور المحامين الذين كان لهم رأي آخر جددوا بموجبه الثقة في اعتبار عميدهم أحد رموز استقلالية قطاعهم، مؤكدين عدم خذلانهم لمن لم يرتجف يوما في خوض معارك الدفاع عن مصالحهم، وما فرّ طلبا للسلامة الشخصية ولا ترهّلت مفرداته في الجهر بالحق، لذلك انتخبوه بما يكفي من الأصوات التي أهّلته لخوض غمار الدور الثاني حيث يتنافس فيه رموز الاستقلالية لوحدهم، وساعتها انحازوا بشكل حاسم لخيار التغيير والتداول على المسؤولية!

4- أما الرسالة الرابعة فهي التي وجهوها باكرا إلى شخص العميد، لكنه لم يلتقطها في الوقت المناسب أو رفض التقاطها. إذ كانت قد وجهت إليه رسالة مشفرة منذ أكثر من سنة، تم تكثيفها ومركزتها في مطلب "الديمقراطية في التسيير والشفافية في الصرف والتصرف" وظلت مطروحة باستمرار- وهي نفس المطالب التي يهجس بها سائر أطياف المجتمع لإدارة الشأن العام - ممّا جعل صداها مكين في نفوس المحامين، تجد من يسمعها وتنخر بعضا من رصيد العميد في نفوسهم، بغض النظر عن مدى صدق دعواها!!

لكن يبدو أن الضجيج الإعلامي الذي دمغ مسارات الحملة وأخذ أشكالا رخيصة في أحيان كثيرة، قد ساهم في إرباك العميد وأنصاره في القطاع، إذ انشغلوا بالرد على الحملات الموجهة ضده وغفلوا عن حسن التقاط وقراءة الرسالة في وقتها المناسب، وهي كون مزاج المحامين بدأ يميل نحو الرغبة في التغيير، خصوصا وأنه تعهّد أمامهم بعدم الترشح مستقبلا غبّ انتخابه عميدا في الدورة السابقة.

لذلك لم يكن قرار إعادة ترشحه بحجة الرغبة في استكمال برنامجه الانتخابي صائبا. باعتبار أن ما أنجز في فترة توليه العمادة لم يتمّ بفضله لوحده وإنما هو حصيلة تراكم نضالي سابق - مع عدم تجاهل المنعطف الذي شهدته المحاماة بعد أيلولة أمر أعنّتها إليه - فقد أحسن استثمار هذا التراكم النضالي وصوّب أخطاءه وبنى عليه لصنع أخصب لحظات المحاماة التونسية مكاسب واستقلالية، لكن لا يمكن رهن الحفاظ هذه المكاسب بتأبيد وجوده على سدتها!!

5- أما الرسالة الخامسة فقد وجهها المحامون إلى عميدهم الجديد الذي مكنوه من الفوز بأغلبية مريحة، ومنحوه ثقتهم لتسلم راية عمادة اتسع مداها ودائرة إشعاعها إلى حدّ باتت فيه مثالا مرجعيا لبقية مؤسسات المجتمع المدني، وكل أملهم أن يكون أهلا لحمل الأمانة وتعظيم مكاسبها والذهاب بها إلى الهدف الذي رسمه لها فرسانها الذين مروا... وعلى رأسهم العميد البشير الصيد الذي لم يكن مجرد لحظة عابرة في تاريخ عطاء المحاماة التونسية ومكاسبها، فقد ترك بصماته في مسيرتها ورفع من منسوب مصداقيتها في عيون طالبي الحق والحقيقة. وواهمون من يحسبون أنفسهم قادرين على شطبه منها، إنهم بذلك يطلبون المستحيل: تزوير التاريخ إن أفلحوا... ولن يفلحوا، وربّما الأيام وحدها كفيلة بإفهامهم أن من يلعق السكين لا يلحس إلا دمه، وساعتها لن يفيدهم تحويل القيم المدنية الحديثة إلى حبات في مسبحة لا وظيفة لها إلا تلاوة فعل الاعتذار عمّا اقترفت أيديهم!!

الأمين البوعزيزي
باحث جامعي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني