الصفحة الأساسية > البديل الوطني > صمتكم أفضل من كلامكم
صمتكم أفضل من كلامكم
22 كانون الأول (ديسمبر) 2010

لازمت السلطة السياسية في تونس ومجمل وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة الصمت حيال الاحتجاجات الاجتماعية بمنطقة سيدي بوزيد ضمن مسعى يثير الضحك والشفقة على القائمين عليه، فعالم اليوم لم يعد يحتمل بالمرة التكتم على الخبر ورواجه مهما كان بسيطا.

وأمام استمرار الاحتجاجات وخصوصا تصدّرها النشرات الإخبارية لإذاعات وتلفزات أجنبية (الجزيرة - فرنسا 24 - روسيا اليوم...) وجد النظام نفسه كعادته مكرها على إعطاء موقف حيال ما يدور.

ومثل كل مرّة يصدر بيان مقتضب من مصدر رسمي تذيعه وكالة (وات) ويتم قراءته في النشرات الإخبارية وتتولى نشره كل الصّحف الصّفراء ويتمّ إغلاق ملف التعاطي السياسي والإعلامي في الوقت الذي يستمر فيه على أرض الواقع تشغيل الماكينة القمعية للتنكيل بالأحرار والاقتصاص من جرأتهم على منازلة عصا البطش.

والحقيقة إن مثل هذه البلاغات بلغتها الخشبية ومضامينها المهزوزة، أضحت مثار تندّر وحتى قرف من قبل فئات واسعة من أبناء الشعب التونسي.

وعودة للبلاغ المذكور فالمفارقة تبدأ منذ الوهلة الأولى، فالمصدر الرسمي مجهول، فهل هو شخص يتقلد منصبا رفيعا؟ أم هو تعليق حكومي؟ أم هو تابع لوكالة الاتصال الخارجي؟ أم هو بلاغ لوزارة الداخلية؟

والأهمّ من ذلك المغالطات الكثيرة بما ورد. فالمصدر الذي يزعم أنه "يأسف لهذه الحادثة المؤلمة" يستكثر على الضحية مجرّد ذكر اسمه وهو استمرار في احتقار الذات البشرية والتعتيم أيضا، ويتّضح الأمر جليا عندما يقع التغاضي عن تقديم صفة الهالك، الذي زيادة عن كونه شابا (محمد البوعزيزي) فهو حامل لشهادة عليا "في الإعلامية" واضطرّته أوضاع البطالة للعمل كبائع متجول للغلال والخضر.

بطبيعة الحال مجرد هذه البيانات وحدها تدين، نظام الحكم لذلك تم القفز عليها والمرور إلى معزوفة احترام القانون، وفي مسألة الحال لا نعلم الحدود المنظّمة لانتصاب الباعة المتجولين والأخطر من ذلك لم يتطرّق المصدر الرسمي المجهول لا إلى سوء المعاملة الذي تعرض له الشاب من قبل عنصر من أعوان تراتيب البلدية ولا منعه بصفة فجّة من مجرد التشكّي للمسؤول الأول عن الجهة وهو ما مثّل السبب المباشر لإقدام "محمد" على حرق نفسه في وضح النهار وأمام مقر سيادة؟

وبعدها يجد "المصدر" جرأة المفاخرة بتقديم الإسعافات الأولية ونقل المصاب إلى "بن عروس" دون أن يفنّد صراحة الإشاعات المتزايدة حول وفاة المتضرر وهو غموض يطرح أكثر من سؤال حول حياة الشاب.

لم تقف المغالطات عند هذه الحدود وإنما طالت لا فقط مجمل الحركة الاحتجاجية المتصاعدة بكل الجهة وإنما كل مناصريها في الداخل والخارج من خلال الادّعاء "نستغرب محاولات بعض الأطراف الانحراف بهذه الحادثة الشخصية المعزولة عن سياقها الحقيقي واستغلالها لأغراض سياسية غير شريفة...".

فادّعاء مثل هذا لا يمكن فهمه إلا في علاقة بما دأب عليه نظام الحكم والذي يمكن حوصلته فيما يلي:
- تزوير الواقع والوقائع ضمن منطق ديماغوجي.
- التفصّي من المسؤولية التي تعود بالأساس إلى مثال التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي يفاخرون به.
- تعبيد الطريق أمام إقحام قوى وشخصيات سياسية وحقوقية وإعلامية لتصفية الحساب معها.

عمار عمروسية


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني