الصفحة الأساسية > البديل الوطني > صُنع في تونس ("Made in Tunisia")
صُنع في تونس ("Made in Tunisia")
29 آذار (مارس) 2010

كثيرا ما يُطلق على حقبة 7 نوفمبر من طرف الموالين للسلطة بأنها "عهد التغيير"، وهي كذلك فعلا، لكن ليس مثلما يذهب هؤلاء. فالتغيير حصل فعلا لكن بطريقة سلبية. فبن علي وإن حافظ على نفس الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعها العهد البورقيبي، فإنه عمّق الليبرالية المتوحشة، ورهن أكثر الاقتصاد المحلي بالدوائر العالمية النهّابة فبات عرضة للهزات، وراجع التشريعات الشغلية في اتجاه يكرّس الاستغلال وعدم الاستقرار في الشغل ودهورة القدرة الشرائية للأجراء. ومن الناحية السياسية واصل بن علي نفس النهج الدكتاتوري، بل إن التطورات الأخيرة سواء المتعلقة بمراجعة الدستور في اتجاه أكثر انغلاقا واحتكار للحياة السياسية وانفراد بالسلطة أو الانقلاب على الجمعيات المستقلة والهجوم على الشخصيات والأحزاب والإعلاميين مثلت منعرجا فاشستيا غير مسبوق.

إن "التغيير" الفعلي الذي نقصد يتعلق بأسلوب التعامل مع المعارضين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين... ولئن اتبع كل من بورقيبة وبن علي نفس الأسلوب من منع وسجن وتكميم للأفواه وتجويع فإن عهد هذا الأخير تميّز عن سلفه بفبركة القضايا ضد النشطاء للإيهام بأن عهد المحاكمات السياسية قد انقضى وأن المحاكمات تتعلق بتجاوزات حق عام لا علاقة لها بقضايا الرأي وذلك لحفظ ماء الوجه تجاه الشريك الغربي الامبريالي الذي طالما قدّم الدّعم لبن علي وسكت عن جرائمه في حق الشعب التونسي وتغنى بنجاحه المزعوم. لقد تعرّضت كل القوى السياسية والفكرية في تونس تقريبا لهذا الأسلوب وحوكم مناضلوها على خلفية أنشطتهم بجرائم حق عام لتشويه سمعتهم وتقزيمهم تجاه الرأي العام الداخلي وبث الرعب في الأوساط السياسية باعتبار أن مصير كل من يعارض بن علي هو السجن والحرمان من الحقوق والتجريد من الصفة السياسية أو الحقوقية أو أي نشاط معارض حوكم من أجله. وقد مسّ هذا الأسلوب المعتدلين والراديكاليين والنساء والرجال والشباب ومازال جارٍ به العمل رغم افتضاحه على نطاق واسع.

لقد تفشّى أمر هذه "المسرحيات" داخليا وخارجيا وأصبح هذا الأسلوب معروفا لدى المنظمات الحقوقية والأحزاب والجمعيات وكل النشطاء في الداخل والخارج، بل أصبح محل تندّر في المقاهي و"اللمّات" العائلية وفي كل الأوساط. وهي أساليب محلية بحتة صنعت خصيصا في تونس وفي عهد السابع من نوفمبر الذي له وحده حقّ ملكيتها وهو على وشك تسويقها كمنظومة قمعية لدى أنظمة الاستبداد والفساد.

إن أكثر الأنظمة استبدادا في العالم والتي كانت ترمي بالمناضلين في السجون والمعتقلات لمدد طويلة وتنكل بهم شرّ تنكيل ودون محاكمات أحيانا لم تجرؤ على افتعال قضايا حق عام ضدهم بل تعاملت معهم على أساس كونهم معارضين سياسيين. وحتى الكيان الصهيوني رغم جبروته وبطشه فهو يعتقل عناصر المقاومة الفلسطينية ويقدمها للمحاكمة على أساس نشاطها الميداني المقاوم ولم يوجّه لها في يوم من الأيام تهم كالسرقة والاغتصاب والمخدرات وغيرها.

إن التشهير بهذا الأسلوب الوضيع على نطاق واسع وفضحه داخليا وخارجيا بكشف خلفياته، وصمود ضحايا القمع بعدم الانحناء ورفض المساومة سيقلب السحر على الساحر إن عاجلا أم آجلا.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني