الصفحة الأساسية > البديل الوطني > ضجّة "الشريعة في الدستور" وتبعاتها الأمنيّة
ضجّة "الشريعة في الدستور" وتبعاتها الأمنيّة
29 آذار (مارس) 2012

يوسف بلحاج رحومة

في الأيام الأخيرة طرحت حركة النهضة مسألة التنصيص علي الشريعة الإسلامية كمصدر أساس للتشريع في الدستور، مما أثار ضجّة سياسية وإعلامية ومجتمعيّة كبيرة. وقد جندت "حركة النهضة" قادتها وقواعدها من أجل إحداث ضغط جماهيري يؤدي إلى الفوز بهذا الرهان، لكن التجاذبات السياسية والمجتمعيّة وتحركات المجتمع المدني حالت دون تمرير هذا المشروع بعد أن تراجعت النهضة وأعلنت سعيها للاكتفاء والاحتفاظ بالفصل الأول من دستور 59 الّذي أجمعت عليه أغلب الأطراف والذي ينص على أن (تونس دولة، حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها) . وقد سعت "حركة النهضة" من خلال طرح هذه المسألة إلى كسب المزيد من النقاط الحزبيّة باعتبارها ستكون المستفيد الأكبر في كل الحالات بحيث تظهر في ثوب (الحامي الوحيد للدين والهوية) وبالتالي تجلب مزيد التعاطف وتكسب ود الإسلاميين المتشددين الّذين يمثلون قلقا كبيرا وسلاحا ذا حدّين في مستقبل المسيرة النهضويّة. وقد أثبت السيد راشد الغنوشي زعيم النهضة الكثير من الرزانة والموضوعية والاعتدال من خلال تصريحاته الأخيرة الّتي دعا فيها أنصاره إلى الهدوء باعتبار أن الفصل الأول من دستور 59 يعتبر كافيا، مشيرا إلا أن المجتمع غير مهيأ وأنه تجب مواصلة العمل حتى يتقبل الناس مصطلح الشريعة.

ومن خلال هذه التجاذبات، لا يجب أن نمر دون التطرّق إلى التبعات الأمنية والمجتمعيّة الّتي قد تنشأ من وراء طرح هذه المسألة باعتبار خطورة هذه المطبّات التي تختلط فيها السياسة بالعقيدة. ولو أن هذه المسألة سيتقبّلها الإسلاميون المعتدلون ويتفهمون منهجية (التدرج في تطبيق الشريعة) التي تتبناها "حركة النهضة" ، إلا أنها لن تمرّ مرور الكرام على الجناح الإسلامي المتشدّد الذي لا يستوعب نظرية التدرّج ولا يعترف بغير التكفير ولغة الإكراه، كما أن عدم الفوز بِرهانِ التنصيص على الشريعة في الدستور يعتبر هزيمة للإسلام والمسلمين، حسب عقيدة الإسلاميين المتشدّدين، وأنّه تجب مواصلة التّجييش والحشد من أجل الجهاد في سبيل الله ونصرة الإسلام. كما لا يجب أن ننسى التبعات المجتمعية والوطنية باعتبار أن الإسلاميين سيستبطنون ضمنيا موقف المنهزم الذي يعيش تحت نظام عجز عن تمرير (الشريعة) في الدستور لما لهذا المصطلح من مكانة عاطفية ووقع رنان في نفوس المرتبطين بالإسلام السياسي، وهذا ما من شأنه أن يحدث نوعا من الانقسام الوطني والمجتمعي مع شعور لا مبرّر له بالتغريب. إذن، على جميع الأطراف، وخاصّة "حركة النهضة" التي أصرت على طرح هذه المسألة، أن تتحمّل مسؤولياتها من أجل التصدي للتبعات الأمنية والمجتمعيّة التي قد تنشأ من جراء طرح مسألة التنصيص على الشريعة في الدستور.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني