الصفحة الأساسية > البديل الوطني > "عمار 404" عـدُوّ الحرية... لكننا سننتصر !
وجهة نظر:
"عمار 404" عـدُوّ الحرية... لكننا سننتصر !
11 أيار (مايو) 2010

كنت أعتقد أن عمليات حجب صفحات الإنترنات قد إقتصرت على المهتمين بالشأن العام السياسي والنقابي والقانوني لكن المفاجئة حصلت عندما إشتكى لي أحد الأصدقاء الذين لا همّ لهم سوى جمع الأموال ومتابعة أخبار كرة القدم من أنه قد ضاق ذرعا من عمليات الحجب المتواصلة على الشبكة العنكبوتية.

"عمار 404" أصابته حالة من الهيجان المفرط كي يقتنص كل ما هو "خطر على النظام العام" وأضحى مقصّه الحافي يقتطع (يصنصر) كل ما يرد على الشبكة العنكبوتية دون حرج، لا سيّما وأن أسياده من حماة النظام قد مكنوه من كافة الإمكانيات اللوجستية والمادية كي يتلاعب بأعصاب المدوّنيين والمرتادين للعالم الإفتراضي بحثا عن القليل من الحرية الإفتراضية التي حرموا منها لسنوات.

مسكين صديقي حين تساءل عن جدوى المشغل الجديد ذو الأصول الفرنيسية في إمكانية الإفلات من مقصّ الرقابة. فهو يحلم إفتراضيا بالحرية وعلى يقين بأن لا شيء يقف في وجه الفرنسيين حتى ولو كان "عمار بزّورّ"، عفوا "عمار 404"، بطم طميمه.

إعتداء جديد على حقوقنا الدنيا في "مواطنة" ظلت مجرّد شعار أجوف منذ خمسين سنة، هكذا يراد منا إلتزام الصمت والخضوع لإرادة السيد الطاغية المستبد.

ربما شخصيا لا أشعر بخيبة أمل كبيرة تجاه ما يحدث في تونسنا الحبيبة من جبروت وطغيان وقمع، فالعالم الإفتراضي هو إنعكاس للواقع المرير الذي يعاني ويلاته التونسيات والتونسيون طوال عقود. فتجربتي النضالية النقابية والحقوقية كشفت لي عمق الهوّة بين الحالميين بالتغيير وبين حماة البورجوازية العميلة، هذه الأخيرة التي توظف الآلاف من أعوان البوليس كي تمنع إحتجاجا لعشرات من طالبي الشغل أمام وزارة التربية أو تعتدي على حفنة من المناضلين في أحد المقرات الحزبية أوالجمعياتية، أو تهاجم مئات العملات والعمال المعتصمين بأحد المعامل بعد أن تمّ طردهم، والأمثلة كثيرة ولا حصر لها...

أعتقد أن تمادي "عمار 404" ومن ورائه في الإعتداء على حرمة أفكارنا وحقنا في تبادل المعلومة ينبع أولا وأخيرا من خنوعنا وإلتزامنا الصمت والشعور بالرضا عن النفس لما يوفره العالم الإفتراضي من نضال مريح،على عكس ما نراه في العديد من التجارب التي كان لها الإنترنات مجرد رافد إضافي وتحفيزي للنضال الميداني، وهذه الحقيقة هي التي جعلت النضام يواصل في التضييق على المبحريين "المتسيّسين" ليجد الوقت والقدرة على ملاحقة جميع الفئات مهما كان إهتمامها.

لذا وجب طرح السؤال التالي حول الجدوى الحقيقية من "الفايسبوك" في ظل نظام لا يمكن الإنتصار عليه وتحقيق والحرية والعدالة الإجتماعية إلا بالمواجهة المباشرة لا بالتخفي وراء صفحات الإنترنت؟ وهل يمكن لصيحاتنا المدوية ضد الصنصرة التأثير في الواقع لإفتكاك هامش بسيط من الحرية؟

ربما علينا أن ننظر للاشياء بمجهر آخر غير الذي فُرِضَ علينا من قبل النظام لفهم تطوّر الأمور. فكوننا اليوم نسعى لخلق حراك لا يستند لبرنامج طويل المدى ينأى بنا عن منطق ردّ الفعل يعتبر خطوة منقوصة في أفق تغييرنا للواقع، رغم أن محاولات بعض الشبان المدونيين تعبّر عن حالة من تطوّر الوعي لدى شريحة واسعة كانت إلى زمن قصير سلبية وربما "جاهلة" بما يدور حولها وهي مهمّشة عن الشأن العام ومبعدة عن المشاركة في الحياة السياسية إمّا عبر الترهيب على غرار ما يتعرّض له مناضلو الإتحاد العام لطلبة وإمّا عن طريق الترغيب وهذا ما من شأنه أن يفنّد ما تروّج له السلطة حول مراهنتها على الشباب الذي حرم حتى من نضال إفتراضي وربما "مزيّف" و"مخترق" من قبل عدوّ الإنسانية "عمار 404".

كما أن صيحاتنا المفزعة حول الصنصرة ستمضي سدى ما دامت لم ترتق إلى فعل يأثّر في الواقع الموسوم بالقمع المفتوح والذي لامس جميع جوانب الحياة السياسية والنقابية والثقافية، فهذا الوجه القبيح من التعسّف والإمتهان لحقّنا في التعبير لن يتمّ تغييره إلا بتوحّد كافة التونسيات والتونسيين حول مطلب الحرية السياسية بعيدا عن الشعارات الغوغائية والتحليلات التي تراهن على أن صديقنا "عمار 404" سيرحل صدفة أو تفهّما منه لغضبنا الشديد منه.

إن الحرية تفتك ولا تهدى وشبابنا اليوم لابدّ له من أن يتعلم الدرس من شباب الحوض المنجمي وفريانة والصخيرة وأبطال الحركة الطلابية المعتقلين ومن شباب 6 أكتوبر في مصر ومن الشباب الإيراني ومن الشباب اليوناني الذين أجمعوا على أن النضال الإفتراضي ما هو إلا قطرة بسيطة في بحر من التضحية والنضال.

ورغم الإعتقاد السائد حول أهمية المعلومة فإنه من الجدير التحذير من مغبة السقوط في فخ الإنزواء عن الواقع والتقوقع وتعميق الإحساس بالإغتراب المفروض أصلا على جميع شرائح المجتمع، والإبتعاد عن ملامسة الهمّ اليومي للكادحين والمفقريين حتى أن العلاقات الذاتية والموضوعية والإجتماعية أضحت مرهونة بمشغلي الإنترنات واتصالات تونس ومن خلفهما سي "عمار 404" القادر على التحكم في مصائرنا وفي محتوى أحاديثنا وربما أحاسيسنا ومع من نتبادلها.

إن أملنا في حياة قوامها الحرية لازال قائما برغم الإستبداد الميداني والإلكتروني، و"عمار 404" لن يكون أكثر ثقلا من أسياده على قلوبنا، وإن كان له اليوم الحل والربط في خصوصياتنا الإفتراضية فإنه سيأتي اليوم الذي سنُشعرُه بالخزي والعار عندما يُحاسب ميدانيا من قبل الشعب التونسي على ما اقترفت يداه الآثمة في "حواسيبنا".

بلقاسم بنعبدالله


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني