الصفحة الأساسية > البديل الوطني > في اليوم الوطني لمقاومة التعذيب: مناسبة لتوحيد صفوف المعارضة
وجهة نظر:
في اليوم الوطني لمقاومة التعذيب: مناسبة لتوحيد صفوف المعارضة
28 أيار (مايو) 2010

يحتفل الشعب التونسي والحركة الديمقراطية باليوم الوطني لمقاومة التعذيب يوم 26 ماي من كل سنة، هذه المناسبة التي يقف فيها الجميع رافعين أصابعهم المدينة للنظام الدكتاتوري في تونس، الذي جعل من التعذيب أسلوب حكم إمّا لاقتلاع المعلومات بشكل قسري أو لمعاقبة خصومه ومعارضيه.

لقد كان النظام التونسي، منذ الاتفاقية الخيانية في 1956، من بين المقتنعين بضرورة أن يكون التعذيب أحد الوسائل الناجعة "لمقاومة" خصومه، فبورقيبة استعمله ضدّ اليوسفيين فنكّل بهم وبأنصارهم باعتبارهم يمثلون خطرا حقيقيا على عرشه.

كما مثّل الطلبة في الستينات والسبعينات والثمانينات، ابتداء من ظهور أوّل شرارة مستقلة في الحركة الطلابية، أحد الأهداف المفضلة للقمع، حيث مورست عليهم شتى أصناف التعذيب والتنكيل في محلات وزارة الداخلية وأمن الدولة وسجون برج الرومي وأفريل وغيرها، وتم استهدافهم لاقتلاع الاعترافات ومعاقبتهم على تمرّدهم الخطير ضدّ "أب كل التونسيين...".

واستهدف هذا التنكيل عدّة مجموعات سياسية بإشراف مباشر من معلّم التعذيب، الجنرال الفاشي بن علي، بعد أن استقدمه بورقيبة على رأس إدارة الأمن بوزارة الداخلية لحسم مشاكل المعارضة الطلابية وتمرّدها .

مناسبات عديدة، على مرّ التاريخ، كانت للمعارضين والتقدميين والوطنيين وقفات صمود ضد الجلاّد ودمويته، حتى باتت مقولة "من تكلّم خان..." لأحمد بن عثمان نبراسا إلى الآن جعلت الكثير منهم مفعمين بالقوة والشجاعة والأمل .

إلى ذلك، فإن عديد الشرائح والفئات في الشعب التونسي قاومت التعذيب، الذي لحق بالنقابيين في 1974 وبعد إضراب 1978 وما تبعه من ملاحقات وسجون وتنكيل داخل أمن الدولة وصل إلى حدّ موت حسين الكوكي متأثرا بآلامه وجروحه التي تركها الجلاد.

كما كانت انتفاضة الخبز إحدى المحطات الكبيرة التي كشف خلالها النظام وزبانيته حقيقته الدموية، وهذه المرّة كان التعذيب موجّها ضدّ كل فئات الشعب التونسي وطبقاته من الذين رفضوا التجويع ونهب خيرات البلاد وصرخوا بصوت عال "فليتحمّل الأزمة المتسبّبون فيها...". بل أن القمع تزيّن بصنوف عدة، فلاحق وأوقف وأطلق الرصاص واغتال وكانت أيديه ملطّخة بدماء الأبرياء... ولا تزال صور الكثير من الضحايا يتقدّمهم المناضل فاضل ساسي بمثابة الأشباح التي تؤرّق راحة رموز هذا النظام في صحوهم ومنامهم، حتى جاء ذلك اليوم، أحد أيّام ماي 1987 الحارة بمدينة قعفور، يوم تمّ إيقاف نبيل البركاتي، مناضل حزب العمال الشيوعي التونسي على خلفية توزيع بيان: "الصراع الدستوري الإخواني لا مصلحة للشعب فيه"، حيث تم اغتياله بعد أن أذاقوه صورا من التعذيب الوحشي والتنكيل بالحرمة الجسدية فاستشهد وهو يرفع صوت الحرية عاليا للشعب التونسي ولكل الإنسانية...

حينها أصبح يوم 8 ماي أحد علامات صمود ومقاومة الشعب التونسي للتعذيب والقهر ودافعا جديدا لكل المناضلين والديمقراطيين بمختلف انتماءاتهم لردع الظلم والدكتاتورية والقضاء عليها.

وتتواصل المعاناة، ويأتي دور التيار الإسلامي الذي يقبع البعض من مناضليه إلى اليوم في السجون ليأخذ نصيبه من ويلات التعذيب علاوة على عديد الرموز الوطنية والديمقراطية فضلا عن مناضلات ومناضلي حزب العمال الشيوعي التونسي واتحاد الشباب التونسي الذين واصلوا على خطى رفيقهم البركاتي ووقفوا بكل فخر وشجاعة أمام الجلاد، فعاشوا ملاحم نضالية فازوا فيها بالضربة القاضية وأردوا هذا الجلاد طريح اليأس والمرارة، وعبر هذا الشرف اكتسب مناضلات ومناضلو حزب العمال واتحاد الشباب احترام الجميع في الداخل والخارج .

إن نظام بن علي الذي أظهر حقيقته وأصبح مكشوفا لعموم التونسيين والرأي العالمي بطابعه الفاشستي، وباعتباره مازال يواصل التعذيب كأسلوب حكم، كان آخر أشواطه ما مورس على أبطال الحوض المنجمي عقابا على ما تجرؤوا عليه من احتجاجات لفضح واقع المحسوبية والرشوة الذي تشهده البلاد، فإنه أقام الدليل على ضعفه و ذعره من حركة شعبية قد تنتفض، في أيّ وقت، ودون مقدمات، لتنادي من أجل تحرّر الشعب التونسي من ربقة التبعيّة والفساد وتخريب البلاد، بل إنّه مذعور أكثر من أن مجرد احتمال وعي القوى الديمقراطية والتقدمية والوطنية بتنظيم صفوفها وتأطير مكونات الشعب التونسي التأطير السياسي والاجتماعي اللازمين، لذلك فهو لن يتورّع عن إظهار شراسته ودمويته وقد يصل حدّا خطيرا مثلما حاول ذلك مع بعض الرموز في الفترة الأخيرة راضية النصراوي وسليم بوخذير وعبد الرؤوف العيادي وحمة الهمامي...

إن الطابع الدموي لنظام الحكم لهو كفيل بأن يكون دافعا للقوى الديمقراطية التي مازالت تتخبط في اختلافاتها الجزئية والثانوية، لأن تنهض بنفسها وتنزع عنها أوهام التعامل مع نظام لا يعرف إلا القمع والتعذيب لتكريس الحكم الفردي المطلق، وأن تساهم بشكل نشيط في تقريب وجهات نظرها حول محاور نضالية، ومن الممكن أن تكون "مقاومة التعذيب في تونس" أحد محاور العمل المشترك والميداني كخطوة لضرب أركان السلطة ومقدّمة لبناء بديل مجتمعي وطني وديمقراطي على أنقاض النظام الحالي، من أجل خلاص الشعب التونسي.

محمود ع.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني