الصفحة الأساسية > البديل الوطني > في شروط المشاركة في الانتخابات
وجهة نظر:
في شروط المشاركة في الانتخابات
26 حزيران (يونيو) 2009

تتهيّأ الأحزاب السياسية القانونية وبعض الأطراف غير المعترف بها ليس لخوض معركة سياسية في انتخابات لا نرى أنّها تتضمن مغزى سياسيا حقيقيا ولكن للاشتراك في مسرحية تتكرّر باستمرار ولاقتسام المغانم. وفي الجهة المقابلة ليس للأغلبية الساحقة من الشعب أيّ حافز يدعوها إلى المشاركة في الانتخابات. وهي تدرك أنّ مشاركتها صوريّة وأنّها مقصاة من الحياة السياسية بل إنّ الكثير لن يتحصّل على بطاقة ناخب. ونخصّ بالذكر بعض الأصناف من المواطنين الذين ليس لهم الحق في الانتخاب والترشّح، ومنهم صنف من المواطنين حوكم في قضايا سياسية وانتهت فترة عقوبته ولكنه لا يتمتع بحقوقه السياسية، وبصرف النظر عن الطابع الجائر لتلك المحاكمات فإنّ طابعها السياسي لا يجرّد هؤلاء المواطنين في نظام ليبرالي من الحقوق السياسية. ولكن في تونس تفرض دائما قوانين وإجراءات شاذّّة ومتخلّفة عن العصر فلا يعترف لأولئك المحاكمين بصفة المحاكمين لأسباب سياسية.

وفي انتظار التخلّص من المحاكمات السياسية في هذه الربوع أو على الأقلّ سن تشريع ديمقراطي حتى بالمعنى الليبرالي للكلمة في مجال العقاب السياسي يعتبر العفو التشريعي العام أوّل الشروط الضرورية لإقرار حياة سياسية سليمة ومقبولة وللحديث عن انتخابات حقيقية عامة أو محليّة وبدونه من غير المنطقي الحديث عن انتخابات ولا يعدو الأمر أن يكون مجرّد "تنافس" على اقتسام المنافع ضمن دائرة من "المختارين" و"الشرفاء" حسب استعمال الوزير الأوّل الأسبق محمد مزالي. وبسبب تحجّر النظام السياسي أصبح العفو التشريعي العام مطلبا غير قابل للتحقيق رغم أنّه يعتبر إجراء سياسيا محدودا، ولا شيء يمكن أن يدل على إمكانية حدوث أيّ تغيير في الاتّجاه الايجابي. وليس من باب التجنّي القول إنّ المعارضة في تونس والمنظمات الأهليّة كالاتحاد العام التونسي للشغل شركاء بصفة مباشرة أو غير مباشرة في انسداد الحياة السياسية لأنّها لا ترفض توجهّات السلطة بل تقبل أن تمرّر عن طريقها، وكلّ ما تصبو إليه هو تشريكها في السلطة أو خدمتها. وإلاّ فما معنى أن يدّعي المرء أنّه مناضل ديمقراطي وحرّ ويقبل أن تداس الحريّة في أبسط معانيها. وكم ديست هذه الحريّة ولم يصدر عن تلك الأطراف موقف يدين الاضطهاد السياسي أو يتضامن مع ضحاياه بل ربما صدرت مواقف تدين الضحيّة وتبتهج لما حلّ بها من قمع. وما دام الآخر هو المقموع فالأمر سيّان المهم أن يبقى المرء دائما في ضفة الأمان فيعيش كالنعامة إن لم يكن سندا للاستبداد.

ويشدّ انتباهنا صنف آخر من المواطنين الذين يقبعون في السجن لأسباب سياسية واجتماعية ونخصّ بالذكر النشطاء والنقابيين الذين وقعت محاكمتهم في علاقة بالحركة الاحتجاجية بالحوض المنجمي، ويبدو أنّه ليس هناك اختلاف فيما يتعلّق بمساندتهم في الوقت الحالي. ولكن موقف المساندة ضعيف وغير متماسك. فأحزاب المعارضة تخذل أهالي الحوض المنجمي وأبناءهم المعتقلين بقبولها المشاركة في انتخابات لا يستطيعون الترشّح فيها أو الإدلاء بأصواتهم لأسباب تتحمّل مسؤوليتها السلطة التّي أحالتهم على القضاء ولا علاقة لها بالحق العام. ومن حقنا أن نقول إنّ أحزاب المعارضة تستعد لخوض "معركة" انتخابية وهي تدرك أنّ قاعدتها الاجتماعية (المحتملة) مشتّتة ومهمشّة، والبعض منها غير قادر على المشاركة، لأنّها لا تراهن على انتخابات حقيقية تختبر فيها موازين القوى ويسمح فيها للناخب بأن يكون فاعلا حقيقيا في أهم استحقاق سياسي. وإذا كانت الأحزاب صادقة في مساندتها لنضالات أهالي الحوض المنجمي ولأبنائهم المعتقلين فمن أبسط واجبات التضامن اشتراط المشاركة بتنقية الأجواء في تلك المنطقة وإطلاق سراح المساجين وإيقاف التتبعات. إنّ القبول بالمشاركة في الانتخابات هو قبول باختيارات السلطة في مجال القمع الاجتماعي والسياسي وتنكّر لنضالات ضحايا القمع والاستغلال وتضحياتهم. وقد يكون من باب إرضاء الضمير القول بأنّ الأحزاب ستولي هذه القضايا أهميّة أثناء الحملة الانتخابية. فالجميع يعلم أنّ الحملة الانتخابية كذبة كبيرة. ويكمن الموقف المعارض الوحيد لاختيارات السلطة التي ذكرناها في الامتناع عن المشاركة إذا لم يقع إطلاق سراح المساجين السياسيين (مع العلم أنّ قضية الوفاق هي قضية سياسية بامتياز) وسنّ العفو التشريعي العام على الأقل.

محمد علي - تونس


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني