الصفحة الأساسية > البديل الوطني > قد يكون الإعلام آخر خصوم النظام؟
قد يكون الإعلام آخر خصوم النظام؟
من ينفخ في الزيف... سيوقظ فتنة المناجم
22 نيسان (أبريل) 2010

بقلم محمود الذوادى

كما للحرية ثمن لها هيبة وفتنة جذابة فهل كانت هيئة المحكمة الموقرة تدرك ما فعلته حين أجلت قضية الفاهم بوكدّوس إلى يوم 27 أفريل الحالي وهل قدّر القاضي حساسية الاقتراب من هذا التوقيت الذي لا يقع إلا على مرمى ساعات أوأيام من احتفال العالم بحرية الصحافة؟

... الآن بالذات أدركنا أكثر من أي وقت مضى أن قضية بوكدّوس لم تكن محاكمة عابرة فهي تعنينا وتعدّ إطارا ومحاكمة لكل الصحفيين التونسيين بل هي محاكمة للنظام نفسه واختبارا قدرته على التحمّل.

في التاريخ محاكمات مماثلة بدت عابرة ولكنها قوضت عروشا وارتدت على أصحابها إن -استهانوا- فاتحة شؤم ونذير يبشر بالخراب.

من كان مدبرا عن قرطاج ومقبلا على قفصة ليلة محاكمة بوكدّوس يستحضر كل ذلك.

في تلك اللّيلة التي سبقت جلسة 23 مارس كان المشهد خليقا بالإعجاب، زوجته تتحضّر كعروس ستزفّ وتغالب المرارة بالابتسام، ابتسامة تخجل أكثرهم طغيانا، ووصيفات من حولها تدارين بقايا ما خلّفته أحداث المناجم بصبر ومرح غير مألوف في مثل هذه المقامات....

ولأن الأشياء في قفصة ليست عادية ولها منطق خاص فقد كان محاميه كذلك، يحضّر موكله بطريقة لم نألفها لدى المحامين’ يغالب الأسئلة بردّ واحد. كل الاحتمالات واردة...

تجالسه الساعات الطويلة لتفهم أيّ قانون يسمح بالتعدّي على صحفي حتّم عليه الواجب أن يكشف للناس الحقيقة كما هي وينقل مشاغلهم دون أن يلجأ إلى مخابر وكالة الاتصال "لتجميلها" فيعاقب في لحظة معطّلة من تاريخ تونس عوض أن يشكر على أدائه.

صحيح أن الصور كانت موجعة للنظام بل كنا نودّ أن لا نرى تلك المشاهد التي طفت على صفحات الأنترنات وهي بالفعل من إمضاء الفاهم بوكدّوس ولكن هل الذنب ذنبه؟

نعذر النظام حين يهتز عرشه لها فهي تدينه ولكن لم يكن أمامه إلاّ التعامل معها برشد وشكر من أهداه عيوبه عوض تهديده بالسجن والتضييق على عائلته وعلى المدينة، الأجدر أن نستأصل المرض الخبيث لا أن نلعن الطبيب الذي شخّصه.

الحاكم الذي دبّر محاكمة لبوكدّوس مدين لها فقد تعمد عيون السلطة إلى تجميل الصورة خوفا على مصالح رؤوس الفساد واستجابة لرغبتهم ولكن جرعة الصحفي على مرارتها دوما أفضل...

تجالس محامي بوكدّوس لتفهم لماذا يصرّ النظام مع كل ذلك على معاقبة من قال الحقيقة ولم يساوم من كانوا وراء ذلك الانفلات والاستعداء وتطمح أن يرد عليك بما جاء في مجلة الصّحافة وفي دستور البلاد وفيهما ما يكفي لنسف تلك التهم الموجّهة لهذا الصحفي فيرد بخبرة متناهية... ومع ذلك فكل الاحتمالات واردة..

أتراه يشفق على القضاء أم على موكّله؟ أتراه يريد أن ينزّه القانون في المطلق أم أنّه يريد أن ينطق بالحكم ويقول للفاهم إنك لن تخرج خاسرا حتى إن زجّ بك في السجن، وأيّ متهم يمكن أن يقنع بكلام محاميه وهو يبشّره بالسجن، لن يستقيم ذلك إلا أن يكون كلاهما غير عادي..

تستقبل قفصة يومها في انتظار الحدث بصبر وبشاشة ويتساءل من لا يعرف عن هذا الحضور الأمني الذي طوّق محكمة الاستئناف، بعد حين ستفتح هذه المحكمة ملف بوكدّوس.

المحكمة بدت ذلك الصباح هادئة وغير مكتظّة فقد طرحت كل قضاياها وتفرّغت للقضية الحدث، لم نر على بابها متظلمين وجبالا من الملفات المكدّسة كما يحدث دائما وكأن قفصة قد خلت للتوّ من المشاكل...

لم نر على بابها عسسا وأفواجا من أعوان الأمن يرحّبون على مضض بمن حضر من الصحفيين - المعترف بهم - ويطردون النقابيين والحقوقيين وذلك في إطار توفير محاكمة عادلة للصّحفي الفاهم بوكدّوس... والبوليس يعرف هؤلاء واحدا واحدا يناديهم بأسمائهم وألقابهم ويعرف صفاتهم ثم يطلب منهم بطاقات الهويّة.. وداعة هؤلاء حسمت الموقف فرضوا بهذا الأمر الجائر وغالبوه بالدعابة مع أننا سمعنا كثيرا عن "الانفلات" والتشنّج الذي استبدّ بالناس - وهذه وصفة نعرف من دبّرها - على خلفية ما حدث في الحوض المنجمي.

هؤلاء الرجال والشبان الذين يرزحون تحت وطأة البطالة والقهر يغيضون خصمهم حتى وهم يبتسمون ويشيرون إلى تلك التعزيزات الأمنية المستنفرة، يعرفون طاقمها واحدا واحدا فقد تقاطعوا معهم في أكثر من مناسبة.

تبدأ المحاكمة وتنتهي في دقائق ويقضي القاضي بإرسالها إلى موعد آخر، هل كان القاضي الذي قيل يومها أنه يستعدّ للتقاعد واع بهذا التوقيت؟ مهما كانت فالقضية خاتمة لرحلة مهنية طويلة، سنسأله يوما وسيشهد إن كان وضعه يسمح. ألم نقل إنها قضية غير عادية وفي التاريخ، قضايا مماثلة زال مدبّروها وخلّد ضحاياها، ذات يوم سيتحوّل أيضا بعض من حرّض أو تواطأ في إدانة بوكدّوس ومحاولة كسر قلمه من حكّام أو عابثين بالقانون إلى شهود.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني