الصفحة الأساسية > البديل الوطني > لنتـّحد جميعا ضد الاستبداد ونناضل من أجل الجمهورية الديمقراطية
بمناسبة الذكرى 53 لـ"إعلان الجمهورية" :
لنتـّحد جميعا ضد الاستبداد ونناضل من أجل الجمهورية الديمقراطية
آب (أغسطس) 2010

يوم 25 جويلية يكون قد مرّ 53 عاما على إعلان الجمهورية ببلادنا. ويتزامن حلول هذه الذكرى، هذه السنة، مع دعوة أطلقتها اللجنة المركزية للحزب الحاكم، إلى بن علي كي يبقى في الحكم ولاية سادسة. وهذه الخطوة التي كنا توقعناها، وتوقعتها القوى الديمقراطية، تعني عمليا دعوة إلى مراجعة جديدة للدستور كي يتسنى لبن علي الترشح عام 2014 حين يبلغ من العمر 78 سنة ولم لا عام 2019 أيضا إن ظل على قيد الحياة (83 سنة) ممّا سيسمح له بالبقاء في الحكم مدة أطول حتى من تلك التي بقيها سلفه (31 سنة) الذي عجز بالكامل عن إدارة شؤون الدولة دون أن تخامره فكرة إخلاء الكرسي لغيره.

إن دعوة بن علي إلى البقاء في الحكم ولاية سادسة، وهو الذي كان وعد ساعة الانقلاب على بورقيبة (نوفمبر 1987) بوضع حد للرئاسة مدى الحياة وبألاّ تتجاوز ولايات الرئيس ثلاث مرات، قبل أن يتراجع عن ذلك ويراجع الدستور (2002) ويفتح من جديد الباب للرئاسة مدى الحياة، تبيّن مرة أخرى أن الجمهورية المعلنة في بلادنا يوم 25 جويلية 1957، ولدت ميتة، ومن ثمة ظلت اسما بلا مسمّى، بل واجهة لنظام استبدادي، دكتاتوري، قائم على الحكم الفردي المطلق وهيمنة الحزب الواحد وسطوة البوليس السياسي وإخضاع القضاء وتوظيفه وصورية الهيئات التمثيلية المعينة في الواقع تعيينا لتزكية قرارات الحاكم الفرد.

إن هذا النظام الذي لا علاقة له إطلاقا بالجمهورية مؤسسات وقوانين وممارسات، قد حوّل بلادنا إلى سجن كبير يُشار إليه بالإصبع في كل التقارير الحقوقية الدولية ذات المصداقية. فالحريات والحقوق مصادرة بالكامل، والتعددية السياسية والفكرية منعدمة والانتخابات شكلية، بل مزوّرة قبل حتى أن تقع، وكل من يجرؤ على معارضة هذا الوضع أو ممارسة حقوقه يجد نفسه معرّضا للاعتقال والتعذيب والسجن أو الطرد من الشغل أو الدراسة والحرمان من أبسط الحقوق المدنية والسياسية. إن سجون بن علي لم تخل يوما واحدا، منذ عشرين سنة كاملة، من السجناء السياسيين من مختلف النزعات الفكرية والسياسية ومن ضحايا القوانين الجائرة مثل "قانون مكافحة الإرهاب" سيء الصيت، ومن ضحايا الفقر والبطالة المحتجين على أوضاعهم المتردية.

وقد عرفت بلادنا منذ المهزلة الانتخابية الأخيرة (أكتوبر 2009) تصعيدا غير مسبوق لكافة مظاهر القمع السياسي. فلا يمرّ يوم واحد دون تسجيل اعتداء أو اعتقال (الفاهم بوكدوس، حسن بن عبد الله...) أو حالة تعذيب أو حجز جريدة أو غلق موقع أنترنيت أو منع نشاط سياسي أو مدني، أو إقامة محاكمة جائرة أو منع من السفر أو حتى من التنقل بحرية داخل البلاد أو هتك عرض ناشط أو ناشطة في صفحات جرائد العار المزدهرة ازدهارا غير مسبوق في "العهد الجديد"... ومن الملاحظ أن هذا التصعيد الفاشستي يتزامن مع تكثيف الهجوم على قوت الشعب، على حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالزيادات في الأسعار لا تتوقف والمقدرة الشرائية للعمال والأجراء تتدهور باستمرار والطرد الجماعي يتفاقم والبطالة لا تنزل تحت نسبة الـ14% الرسمية والمرتفعة، بل إنها تتوسّع لتشمل عشرات الآلاف من أصحاب الشهادات العليا، والخدمات الصحية والتربوية تسوء أكثر فأكثر والبيئة التي يعيش فيها المواطن تتلوث باطراد، الخ. ولا يجد نظام بن علي من "علاج" لكل هذه المشاكل سوى القمع وتشديد القبضة الأمنية على المجتمع ومنع تطوّر حركات اجتماعية مستقلة تهدد مصالحه كما حصل في الحوض المنجمي (2008) والصخيرة وجبنيانة وجامعة منوبة (2009) والرقاب (2010).

ومقابل كل هذا ما تنفك حفنة من العائلات المقربة من القصر، من عائلة بن علي وأصهاره وأصدقائه، تكدس، بدعم مباشر من أجهزة الدولة، حكومة وبوليسا وإدارة وقضاء، الثروات بألف طريقة وطريقة غير مشروعة. وقد بدأت منذ مدة، تطفو على السطح "الإمبراطوريات" الخاصة بفلان أو فلتان. إن أصحاب هذه "الإمبراطوريات" الذين يعيشون في البذخ والترف، على حساب بؤس الشعب الكادح، والمحاطين بجيش صغير من البيروقراط والتكنوقراط الذين يخدمونهم ويتمعّشون من عطاياهم، هم الذين يسندون نظام بن علي ويقفون بكل ما أوتوا من قوة وراء الاستبداد ويدفعون نحو تكريس الرئاسة مدى الحياة ويستنفرون الأجهزة البوليسية التي يتحكمون فيها، لقمع المعارضة والشعب وإسكات كل صوت حر. إنهم خائفون على مصالحهم وبالتالي خائفون من أن يفلت الحكم من بين أيديهم فتضيع تلك المصالح ويتعرضون للمحاسبة.

إن الجمهورية الديمقراطية بما تعنيه من حرية وحقوق وسيادة شعبية وهيئات تمثيلية منتخبة وفاعلة وقضاء مستقل وعادل، تمثل العدو اللدود لهذه الفئة النهّابة والفاسدة التي تسيطر اليوم على السلطة، وتفرط في مقدرات البلاد للدول والشركات الأجنبية. إن مصالح هذه الفئة لا تنتعش ولا تتحقق إلا في ظل الاستبداد والدكتاتورية، لذلك نراها تخطط اليوم للتمديد لبن علي لولاية سادسة، كما أنه من المؤكد أنها تخطط في نفس الوقت للتوريث لأن بن علي لن يدوم لها إلى أبد الآبدين بحكم سنه. ولا يهم هذه الفئة ما يعانيه الشعب من فقر وبطالة وغلاء أسعار ومرض وجهل، بل إن ما يهمها هو إخضاعه باستمرار بالقوة البوليسية الغاشمة حتى لا ينتفض. وما من شك في أن أعداء الديمقراطية هؤلاء يسيرون بالبلاد نحو الانهيار حفاظا على مصالحهم الأنانية والضيقة. وهم في كل يوم يكذبون بأفعالهم الرجعية والخسيسة أوهام الواهمين بأنهم قد يعودون إلى رشدهم و"يعون مصالح الوطن" ويفهمون أن "الديمقراطية فيها مصلحة لهم وللبلاد"...

إن حزب العمال يستغل هذه المناسبة ليؤكد من جديد أن المعارضة الحقيقية بكل مكوناتها السياسية والنقابية والحقوقية والنسائية والشبابية والثقافية مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية لإخراج تونس من نفق الاستبداد والدكتاتورية والتبعية والفساد وتجنيبها الانهيار الذي تزداد مؤشراته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. إن الواقع يطرح بكل إلحاح مهمة تكوين جبهة عريضة ضد الاستبداد جبهة تتصدى للتمديد والتوريث وتعبد الطريق لإقامة جمهورية ديمقراطية حقيقية نابعة من الشعب وفي خدمة الشعب على أنقاض النظام الحالي الذي لا يمت بصلة لا من قريب ولا من بعيد للجمهورية. إن الطريق إلى الجمهورية يقتضي من الجميع النضال سويا حول جملة من المهام المباشرة التي يأتي على رأسها:

1) إطلاق سراح كافة المساجين السياسيين بمن فيهم ضحايا قانون الإرهاب سيء الصيت وسن قانون العفو التشريعي العام الذي يمكن المغتربين من العودة إلى بلادهم دون قيد أن شرط ويعيد إلى كافة ضحايا القمع السياسي حقوقهم المدنية والسياسية ويعوّض لهم ما لحقهم من أضرار مادية ومعنوية.

2) إلغاء ترسانة القوانين المنافية للحريات وتحرير الإعلام من كافة القيود المضروبة عليه واحترام حرية التنظم الحزبي والجمعياتي.

3) التصدي لمشروع "التمديد" و"التوريث" وإلغاء الرئاسة مدى الحياة والنضال من أجل حل كافة الهيئات التمثيلية الصورية والمنصبة والدعوة إلى انتخابات حرة ونزيهة بإشراف هيئة مستقلة وذات صلاحيات نافذة، من أجل انتخاب مجلس تأسيسي يضع الأسس الضرورية لنظام جمهوري ديمقراطي.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني