الصفحة الأساسية > البديل الوطني > متى ستقع محاسبة المسؤولين الأمنيين بجهة قفصة على تجاوزاتهم
متى ستقع محاسبة المسؤولين الأمنيين بجهة قفصة على تجاوزاتهم
1 شباط (فبراير) 2010

إن الاتفاق على الطبيعة الأمنية للنظام القائم هو أكثر المحصلات رسوخا لدى الشارع السياسي التونسي ولدى عامة المواطنين. لكنّ هذا لا يمنع دائما عن التساؤل حول إمكانية مساءلة أو محاسبة المسؤولين الأمنيين عن جرائم أو تجاوزات أو انتهاكات في حق مواطنين مهما كنت رؤاهم وأفكارهم. ولعلّ تفاقم هذه الظاهرة/السياسة وتجاوزها كلّ الحدود القانونية والأخلاقية يجعل السؤال أكثر إلحاحية مهما كانت ضآلة الاستجابة لها.

لقد جاءت الشهادات حول التعذيب لعادل الجيار والطيب بن عثمان وبشير العبيدي وعدنان الحاجي وغانم الشرايطي وغيرهم من سجناء حركة الحوض المنجمي أكثر من مفزعة أثناء المحاكمة وبعدها، وقد سبقهم إلى فضحها في الإطار ذاته زكية الضيفاوي وعبد العزيز الأحمدي وسالم الذوادي وغيرهم كثير، وقد رفع حينها محاميهم والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية أكثر من إشارة تنديد والمطالبة بالتحقيق في تلك المزاعم خاصة وأن قاضي التحقيق نصّص في حالة نادرة عن معاينته لآثار تعذيب وتنكيل وتعنيف حتّى بعد انتهاء باحث البداية من تصفية الحساب مع المعتقلين، وقد تدعّم ذلك بأمر مدير السجن المدني بقفصة بعرضهم على طبيب المستشفى الجهوي قبل إيداعهم السجن للتفصّي من أيّ مسؤولية تتعلّق بسلامتهم الجسدية.

ورغم مرور أكثر من عشرين شهرا على ما حصل فإن ضحايا تلك الممارسات المتهمّجة والرأي العام الوطني والدولي مازال حريصا على تتبع الجناة تحقيقا للعدالة وإنصافا لأصحابها خاصة وأن المسؤولين عنها أمرا وتنفيذا باتت أسماءهم معلومة ومفضوحة. لقد سارعت السلطة إلى نقل سامي اليحياوي مدير إقليم أمن قفصة إلى إحدى قنصليات تونس بمصر، وتعيين الجلاد محمد اليوسفي رئيس فرقة الإرشاد بقفصة في خطة رئيس مصلحة بالإقليم نفسه ثمّ إبعاده عن الجهة في مرحلة ثانية، وإن كان في خطة رئيس منطقة، بالتوازي مع إحالة رئيس الفرقة الثانية المختصة بلقاسم الرابحي على التقاعد بعد تمديد بسنتين. إلا أن ذلك لم يكن ليطوي الصفحة أو ليُنسي المآسي خاصة وأنّ آثار التعذيب مازالت موسومة على الأجساد ومسبّبة لآثار نفسية كارثية وماثلة بحدّة في أذهان الأهالي الذين يُبدون اليوم بعد خطوة تسريح المعتقلين أكثر إصرارا على معالجتها بشكل عادل يُغلق الملف برمّته نهائيّا.

إنّ السلطة السياسية والقضائية مازالتا تغمضان العينين على كلّ ما حصل إنطلاقا من منطق حماية الجلادين وتعويلا على إمكانية نسيان تلك الفضاعات، ممّا شجّع المسؤولين الأمنيين في جهة قفصة على مزيد التغوّل حتّى في مواضع لا تستدعي ذلك، ففاكر فيالة رئيس منطقة الشرطة بالمدينة مارس كل سلطاته في تأديب أحد باعة السمك بالمركب التجاري "شامبيون" لأنّه لم ينصع لأوامره بتبجيله على من سبقوه في وزن مقتنياته رغم أنّه كان آخر الواصلين، وقد شاهد مئات الحرفاء مسؤولهم الأمني الأوّل يستعرض عضلاته في مكان عام من أجل قضاء حاجة شخصية، وقد تكرّر الأمر نفسه في وسط المدينة لمّا أدمى وجه أحد الموظفين الذين لامست سيارته الأخرى ولولا تدخل صاحب نزل "جوغرطة" لكانت الكارثة. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا المسؤول قد اشتكت به السنة الماضية السيدة غزالة المحمدي منسّقة الشباب بالحزب الديمقراطي التقدمي على إثر اعتداءه عليها أمام مقر الولاية دون موجب مسبّبا لها كسرا مضاعفا في أنفها توجّب رخصة من طبيب الصحة العمومية بشهر، ورغم سماعها من قبل وكيل الجمهورية إلّا أنّ أيّ إجراءات قانونية لم تتخذ ضدّه لحدّ اللحظة. وكانت سبقتها إلى ذلك السيدة عفاف بالناصر منسقة اللجنة الجهوية للدفاع عن أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل بقفصة لمّا اشتكت به بعد أن ألحق بها أضرارا بدنية فادحة على إثر تحرّك للمعطلين في العام 2007، ورغم أن الشكاية كانت مدعّمة بشهادة طبية وشهادات لبعض من حضروا الحادثة وصور فوتوغرافية إلّا أن أيّ تحقيق في الأمر لم ينفّذ.

إنّ الجريمة السياسية لا يمكن بتاتا السكوت عليها ولكنّ تعاظمها في الأنظمة الدكتاتورية يفتح الأبواب واسعة على مزيد تعفين السلك الأمني وتجرّؤه على جريمة الحق العام، ولا شكّ أنّ مثال فاكر فيّالة يُعطي دليلا إضافيّا على ما وصلت له الأوضاع في بلادنا من سوء.

فاخر التليلي


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني