الصفحة الأساسية > البديل الوطني > متى يُغلق ملفّ الحوض المنجمي؟
عفاف بالناصر:
متى يُغلق ملفّ الحوض المنجمي؟
23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

إبتهجنا جميعا ليلة الأربعاء 4 نوفمبر الجاري بإطلاق سراح معتقلي الحوض المنجمي وفق عفو رئاسي خاص بعد ستة عشر شهرا من معاناة السجن وظروفه التنكيلية الثقيلة، وفي ساعة متأخرة استقبل أهالي الرديف المكلومة بفرح وافتخار أبناءهم المتقاطرين من معتقلات قبلي وسيدي بوزيد وحربوب وصفاقس والمرناقية والمثقلين باعتلال صحيّ ظاهر (بشير العبيدي وعدنان الحاجي وعبيد الخلايفي والطيب بن عثمان...) وبآثار عقوبات بدنية (مظفر عبيدي وغانم شرايطي...). وقد كان هذا التسريح استجابة لتحرّكات العائلات ولنضالات المجتمع السياسي والمدني وللتضامن غير المشهود لأحزاب وجمعيّات ونشطاء دوليين وقفوا جميعا على عدالة المطالبات الحياتية للمنجميّين، وثمّنوا أشهر النضالات المدنيّة باعتبارها حالة صحية غطّت على مشهد الاحتقان السياسي والتمييز الاجتماعي، وندّدوا بتوظيف البوليس والجيش والقضاء لمعالجة قسريّة لملفات التشغيل والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

إنّ هذا الإجراء على أهمّيته بالنسبة للمعتقلين وعائلاتهم كما لمعنويات أهالي مدن الحوض المنجمي ولقضية النضال الاجتماعي عموما، فإنه لم يطو الملفّ القضائي نهائيا ولم يعالج جذريا الأسباب التي أجّجت الاحتجاجات في المظيلة وأم العرائس والمتلوي والرديّف بشكل لم تعرفه بلادنا منذ انتفاضة الخبز جانفي 1984.

إنّ السجون التونسية قد أُخليَت من المعتقلين المسرّحين ولكنها ما زالت مفتوحة في قضية "الوفاق" وحدها أمام العناصر المُتابَعة التالية:
-  محي الدين شربيب: 57 سنة، مناضل جمعيّاتي ومهجري ورئيس فدرالية التونسيين مواطني الضفتين، حُوكم في إطار قضيّة "الوفاق" غيابيا بسنتين سجنا نافذة بتهم تتعلق بتقديم الدعم المادي والمعنوي للمنجميّين على خلفية النشاط الحثيث الذي يقوم به صلب الجمعية التي يرأسها أو في إطار لجنة المساندة لأهالي الحوض المنجمي بباريس. ويبدو أنّ السلطة لم تغفر لشربيب تواصله مع الحراك المجتمعي ببلاده الأصلية سواء تضامنا مع عمّال المصانع بالمكنين وسوسة وجندوبة، أو مع البحّارة السبعة، أو مع المهاجرين في مراكز الاحتجاز الإيطالية، أو مع الأساتذة المطرودين عمدا من التدريس وصولا للطلبة المضربين ومرورا بكل الملفات الحارقة وطنيا وخاصة التي تتعلّق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولا شكّ أن هذا الحكم الظالم قد عمّق من غربة شربيب وحرمه من زيارة عائلته وبلاده حتى أيام عطلة الصيف.
-  مكرم ماجدي: 27 سنة، شابّ عاطل عن العمل شارك كغيره من سكان الرّديف في الاحتجاجات المشروعة من أجل الشغل والكرامة معتقدا أنه يُمارس حقا من حقوق المواطنة الرئيسية وينتصر لقضيّة لم يشكّك فيها سوى حاقد أو جبان، فوجد نفسه مُحاكما غيابيّا بعشر سنوات سجنا مع النفاذ العاجل.يُشاع أنه "حرق" إلى إيطاليا وفي حالة تأكيد الخبر تكون آفة البطالة قد عرّضته لمحنة الحكم بالحبس ولخطر قوارب الموت وهو في ريعان شبابه.
-  حسن بن عبد الله: 34 سنة، منسّق اللجنة المحليّة للدفاع عن أصحاب الشهائد المعطّلين عن العمل بالرديّف ونائب منسق اللجنة الجهوية بقفصة. ارتبط إسمه بتحرّكات تلك الفئة من البطّالة في الجهة بكاملها وخاصة منذ سنة 2006 ممّا أعطى حركة المعطّلين زخما لم تعرفه في السابق وبوّأتها قيادة الحركة الاجتماعية في الجهة. دشّن ورفاقه ضربة البداية للاحتجاج المنجمي عشيّة 5 جانفي 2008 كما كانوا وقودَها طيلة أكثر من ستة أشهر، قدموا خلالها من النشاط والمقترحات الشيء الكثير. برز كأحد القيادات المركزيّة للحركة وطفح دوره أكثر إبّان المنعرج الأمني الأوّل يومي 7 و8 أفريل 2008 حيث ساهم مساهمة فعّالة في مواصلة نسق الاحتجاجات ومركزتها أساسا حول مطلب إطلاق سراح المعتقلين وهو ما تمّ فعلا في ظرف قياسي. يُعتبر الحكم عليه غيابيّا بعشر سنوات مع النفاذ العاجل عقابا له ليس على مشاركته الفاعلة في احتجاجات المنجميين فقط بل أيضا على رصيده النضالي ضمن حركة المعطّلين عن العمل من أصحاب الشهائد.
-  الفاهم بوكدّوس: 39 سنة، حُوكم غيابيّا بستة سنوات مع النفاذ على خلفيّة تغطيته شبه الحصريّة لاحتجاجات أهالي الحوض المنجمي لفائدة قناة "الحوار التونسي" المستقلة التي كانت أوّل فضائية تكسر التعتيم المرئي للأحداث وتنقل يوميّاتها لمشاهديها وطنيا ودوليا عبر متابعة إخبارية متواصلة ومشاهد احترافيّة للاجتماعات الجماهيرية والمسيرات والإعتصامات والمصادمات، مثلما مكّنت قادة الاحتجاجات والمواطنين من منبر حرّ لتفسير حراكهم وأسبابه وسبله والتوجه للرأي العام والسلطات. تُعتبر تغطيته الحينية لفائدة موقع "البديل" الالكتروني أشمل متابعة للأحداث وأغناها مكّنت كلّ المتابعين للحركة من مواطنين ورجالات صحافة وسياسيّين وحقوقيّين في الداخل والخارج من معرفة دقائق الأمور عمّا كان يحصل على الميدان منذ اليوم الأوّل بدرجة يصعب معها دراسة الحركة دون الاعتماد على تلك التغطية، ولا شكّ أن الدراسة القيّمة التي أنجزها مؤخرا الأستاذين العربي شويخة وإيريك غوب تحت عنوان "تونس بين انتفاضة الحوض المنجمي بقفصة ورهانات انتخابات 2009" تعزّز هذا القول. ويُعتبر بوكدّوس أوّل صحافي تونسي يحكم بمثل هذا الحكم ويدخل السرّية في علاقة مباشرة بأداء عمله الصحفي، وقد اعتبرته كُبرى المنظّمات المهتمّة بالصحافة وحريّة التعبير (مراسلون بلا حدود، لجنة حماية الصحافيّين، الفدرالية الدولية للصحافيين، مركز الدوحة لحرية الإعلام...) وجمعيّات حقوق الإنسان (العفو الدولي...) مثالا بارزا على وضع الإعلام والصحافة ببلادنا. ولعلّ أشدّ ما أغضب السلطة منه ليس فقط إخباره عمّا حصل بدقة ودأب بل دفاعه المستميت عن ذلك الحراك كفعل مواطني حقّ يقطع مع عقليّة الاستجداء والمنن ويكرّس دروب النضال لافتكاك الحقوق، وفضحه كلّ سبل الاستئصال الاجتماعي التي سُلّطت على الحركة وأبناءها وتجريمهم والتي حوّلتها إلى قضيّة سياسية وحقوقية بامتياز.

إنّ وضع هؤلاء المُتَابَعين أمنيّا وقضائيّا وغيرهم ليس وحده ما يجعل باب هذا الملف مُواربا، فإطلاق سراح قادة الاحتجاجات وشبابها يجب أن يُردف بإرجاعهم إلى سالف عملهم والتعويض لهم عن أشهر الإيقاف والسّجن يشمل أيضا الأهالي الذين نُكّلَ بهم وأتلفت ممتلكاتهم. وإنّ التحقيق في الانتهاكات التي رافقت اعتماد الحلّ الأمنيّ بما فيها إطلاق النار المتعمّد على المتظاهرين العزّل انجرّ عنه قتلى وجرحى، يجب أن يتمّ بشكل مستقلّ وشفاف ويكشف عن الجناة أمرا وتنفيذا في اتجاه مُعاقبتهم.

إنّ أشكال المعالجات الحقوقية المذكورة قطعا ستُساعد على لملمة جراح عميقة ولكنها تتطلب أساسا وبصورة ناجعة معالجة الأوضاع الحياتية المنخرمة لسكّان المناجم والتي حوّلت انعكاساتها الكارثية احتجاجا بسيطا على نتائج مناظرة فاسدة إلى حركة أهليّة واسعة، والتي يمكن حوصلتها في النقاط التالية:
-  مراجعة وضع شركة فسفاط قفصة المشغل الرئيسي بالجهة بشكل يقطعُ مع نهج تصفية عَمَالتها، ويوسّع من مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية على قدر الموارد الهائلة التي تجنيها، ويخلّصها من الفساد الإداري والمالي الذي أطاح بمسؤولها الأوّل السابق.
-  مُعالجة ملف التشغيل بجديّة بعيدا عن الدعاية السياسية بحيث يُرَاعى التضخّم الهائل في نسب العاطلين والتي تُقارب بالنسبة لأصحاب الشهائد ثلاثة أضعاف النسب الوطنية بما يتطلّبه من بعث مشاريع ضخمة ذات تشغيلية عالية بالاعتماد على المقدّرات العمومية بالأساس.
-  تطهير آليّات الانتداب في القطاع العام والخاص من الرشوة والمحسوبية والتمييز العشائري والنقابي والسياسي، واعتماد الانتداب بشركة الفسفاط على أساس الملفات التي تراعي العمر والوضعية الاجتماعية وعدد العاطلين بالأسرة الواحدة والتي يقع اقتراحها من قبل لجان محلية تظمّ ممثلي النقابات والمُعَطّلين وهيئات المجتمع المدني المستقلّة جنبا إلى جنب مع ممثلي سلط الإشراف.
-  تمكين أكثر ما يمكن من أصحاب الشهائد من فرص العمل القار والعمومي بما يتماشى مع تحصيلهم العلمي والأكاديمي خاصة وأن عشرات المراكز الشاغرة تظهر في الجهة سنويا في المدارس والمعاهد والمؤسسات الجامعية والمستشفيات ودور الشباب والثقافة وفي المعتمديات والبلديات... ويقع سدّها بطرق غير عادلة.
-  مراجعة عمل الصناديق المالية بما يتلاءم مع إلحاحية معالجة أزمة البطالة وتخفيف الأوضاع اليومية للسكّان لا حسب مضاربات رجال الأعمال واحتكار كبار المتنفذين.
-  الانكباب الخاص والعاجل بالوضع البيئي والصحي المنهار ببعث مستشفى جامعي وتركيز وحدات صحّية لمعالجة الأمراض المتفاقمة (سرطان، كلى...) ومعالجة المياه وإنقاذ الواحات ومقاومة التصحّر والفيضانات...
-  التصدّي الحازم لكلّ أشكال المضاربة باليد العاملة بالقطع مع العمل الهشّ والمناولات بما يتضمّنه من ترسيم العمال العرضيّين بالغابات والبلديات وغيرهم وتمتعيهم بالتغطية الاجتماعية، وعلى اتحاد الشغل أن يُفعّل مقترحات هيئاته القيادية في هذا الموضوع حتى لا يكون شريكا في استغلال العمال ومزيد إنهاكهم.

إن الجوانب الحياتية من معالجة ملفّ الحوض المنجمي ليست صعبة ولا تعجيزية بل يتصل جلّها بطرق التصرّف في الموارد المتوفرة أصلا والتي يسُوء توظيفها، علاوة على أحقية أهاليها بها من زاوية واجبات الدولة إزاءهم ومن جهة حجم مساهمتهم في صنع الثروة، أما المناحي الحقوقية فمرتبطة بإرادة السلطة السياسية في ردّ الاعتبار للجهة وأهاليها على الظلم المُضَاعَف الذي لحقهم في سبيل تنفيس الاحتقان وفتح أبواب الممارسة السليمة في التعامل مع المحتجّين وأصحاب الأفكار المخالفة.

عفاف بالناصر

دبّابة وسط الرديّف عشية 7 جوان 2008

الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني