الصفحة الأساسية > البديل الوطني > مسمار آخر في نعش النظام
أحداث الصخيرة:
مسمار آخر في نعش النظام
20 شباط (فبراير) 2010

من المنتظر أن تـُصدر المحكمة يوم 22 فيفري الجاري أحكامها في حق الموقوفين على خلفية أحداث الصخيرة. وكانت قوات القمع قد أوقفت عشرات الشبان قبل أن تطلق سراحهم وتحتفظ بأربعة منهم، أحالتهم على المحكمة يوم 8 فيفري التي أجلت النظر في القضية إلى يوم 22 من نفس الشهر.

وقد اندلعت الأحداث يوم الأحد غرة فيفري عندما خرجت مجموعة من الشباب الغاضب إلى الشوارع احتجاجا على عدم قبولهم في "الشركة التونسية الهندية للأسمدة". وكان الاتحاد المحلي للشغل بالصخيرة قد اتفق مع هذه الشركة على أن تكون الأولوية في التشغيل بهذه الشركة لأبناء الجهة خاصة وأن هذا المشروع ملوث للبيئة. وقد تم الاتفاق بين الشركة وبين المسؤولين المحليين في الصخيرة على تشغيل 100 عامل من أبناء الصخيرة. لكن الشركة تجاهلت هذا الاتفاق ولم يقع قبول سوى 61 فقط من بين 650 عاملا وقع انتدابهم، علما وأن هذه الشركة تشغل 1240 عاملا من ضمنهم 98 صينيا.

وقد خلّف هذا الإجراء استياء كبيرا في صفوف أهالي الصخيرة وخاصة شبابها العاطل، الذي رأى في ذلك ظلما بما أن متساكني الصخيرة لن يكون نصيبهم من هذا المشروع سوى ما يسبّبه من تلوّث وأمراض في حين يتمتع الأجانب والقادمون من جهات أخرى داخل البلاد بالشغل.

انطلقت التحركات ببعض العشرات من الشبان الذين اعتصموا أمام الشركة مطالبين بحقهم في الشغل، وأمام تجاهلهم وعدم الاستجابة لمطلبهم قاموا بقطع الطريق الصناعية ومنعوا الحافلات المقلة للعمال من المرور.

وقد تدخلت عديد الأطراف لـ"تهدئة" الوضع وامتصاص الغضب الذي اجتاح المدينة بتقديم الوعود الكاذبة والتطمينات المغشوشة. لكن ما كان يجري على الأرض لا علاقة له لا بـ"التهدئة" ولا بـ"إيجاد حل". فقد كانت قوات القمع بكل تشكيلاتها تعدّ لهجوم شامل وكاسح على المدينة بما يؤكد أن الأوامر قد أعطيت لاستباحة المدينة وأهلها والقضاء على الاحتجاجات في بدايتها بكل وحشية ومهما كانت النتائج. فوقع استقدام تعزيزات كبيرة من الجهات المجاورة وخاصة من صفاقس وقابس وحوصرت المدينة من كل الجهات وأخضعت عملية الدخول إليها أو الخروج منها لإجراءات أمنية مشددة. وبدأت المواجهات بمطاردة الشباب في شوارع وأنهج المدينة وإلقاء القنابل المسيلة للدموع والاعتداء على الجميع بدون استثناء لإلزامهم بملازمة بيوتهم. ورغم ذلك لم يتمكن البوليس من القضاء على التحركات خاصة بعد التحاق أعداد متزايدة من الشبان بالمحتجين وخروج التلاميذ لمؤازرة أبناء بلدتهم. لكنّ إصرار قوات القمع على حسم المسألة بسرعة قبل أن تستعصي عليها جعلها تلقي القنابل المسيلة للدموع بكثافة وتطارد المتظاهرين في كل مكان وتقتحم البيوت وتعتدي على متساكنيها بدون استثناء وتعتقل كل الشبان الذين وقعوا في طريقها. وقد وصل عدد المعتقلين إلى أكثر من 60 وقع الاحتفاظ ببعضهم لتقديمهم للمحاكمة.

لقد كانت أحداث الحوض المنجمي حاضرة في هذه التحركات من خلال ثلاثة نقاط:
النقطة الأولى: هو أن سبب التحركات هو نفسه، أي انتدابات للعمل بشركة لم ترض الأهالي.
النقطة الثانية: يبدو أن نظام بن علي قد "استوعب جيّدا" الدرس من انتفاضة الحوض المنجمي، فهذه المرة لم يناور ولم يسع إلى ربح الوقت واللعب على تلاشي الحركة من تلقاء نفسها بل سارع إلى التصرّف بوجهه الحقيقي دون قناع: القمع. وهذا يؤكد طبيعته الاستبدادية. وهامش "التسامح" الذي تصرّف به في بداية أحداث الحوض هو بالنسبة إليه غلطة لا يجب تكرارها.
النقطة الثالثة: تخلف الوعي السياسي لدى المحتجين، فقد سيطرت عليهم تلك العقلية القائلة بأن "رئيس الدولة لا علم له بما يجري" لذلك "ناشدوه" للتدخل من خلال رفع شعار "بن علي 2010".

لكن الثابت، وكما بيّن حزب العمال في تحاليله السابقة، فإن تحركات الصخيرة وغيرها من الاحتجاجات الشعبية الأخرى تؤكد أن نظام بن علي دخل، منذ انطلاق انتفاضة الحوض المنجمي، مرحلة جديدة، وهي مرحلة التحركات الشعبية الواسعة. وهذه المرحلة هي مؤشر على أن هذا النظام الاستبدادي دخل مرحلة "بداية النهاية". لكنّ هذه النهاية لن تكون لصالح الشعب التونسي إذا لم تتحمل القوى التقدمية والثورية في البلاد مسؤولية تنظيم وتأطير نضالات الشعب التونسي. فالطغمة الحاكمة تعدّ لمرحلة ما بعد بن علي وهي تريد أن يتمّ هذا الانتقال في "كنف الاستمرارية والهدوء"، والحركة الديمقراطية تبدو غير واعية تمام الوعي بذلك ومازالت تعاني من التشتت. ومازالت بعض مكوناتها تحمل أوهاما حول طبيعة النظام وحول إمكانية "استيعابه الدرس" واقتناعه بأن له "مصلحة في الديمقراطية".



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني