الصفحة الأساسية > البديل الوطني > مشروع إصلاح أنظمة التقاعد معادي للشغالين (2)
مشروع إصلاح أنظمة التقاعد معادي للشغالين (2)
أيار (مايو) 2010

2 – المبرّرات المعلنة:

ولو نظرنا اليوم بتمعّن في مشروع الحكومة بخصوص "إصلاح" أنظمة التقاعد في تونس لوجدنا نفس الحجج لتبرير نفس الاختيارات ونفس الإجراءات.

جاء في مداخلة للرئيس المدير العام للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (المنامة 20-21 ماي 2008) أن "العوامل الهيكلية" التي "ساهمت في اختلال التوازن المالي" للصناديق الاجتماعية في تونس تتلخص في:
- تحسن توقع الحياة عند الولادة في تونس ليصل إلى 74 سنة
- وصول شريحة هامة من المنخرطين إلى سن التقاعد (حوالي 12 ألف حالة جديدة سنويا)
- تراجع المؤشر الديمغرافي (عدد المنخرطين المباشرين على عدد المنتفعين بجراية) إلى ما دون 3 منخرط مباشر عن كل منتفع بجراية في حين كان في بداية التسعينات في حدود 5.

أما العوامل المتصلة بالنظام المالي فيعددها كالآتي معتبرا أن هذه العوامل تعود في الأصل إلى سخاء النظام:
- اعتماد آخر أجر يتقاضاه العون. أو اعتماد أعلى أجر تقاضاه طيلة حياته المهنية لمدة سنتين.
- طريقة مراجعة الجرايات التي تقوم على التعديل الآلي للجرايات بنفس الزيادات المقررة للمنخرطين المباشرين.
- تنفيل الأقدمية بالنسبة للعديد من الأصناف المهنية (30% من متقاعدي الصندوق يتمتعون بالتنفيل).

وكما هو ملاحظ فإننا أمام نفس التبريرات المقدمة ونفس المنطق: "ما دامت حياة العامل أطول فلا بأس أن يعمل أكثر"! للتمديد في سن العمل وللترفيع في نسبة المساهمة والتنقيص في قيمة الجرايات، إلخ.

وعلى هذا الأساس تشكلت منذ بداية التسعينات لجنة تفكير (ثلاثية التركيب) وضعت مخططا يتمحور حول جملة من الإجراءات لإصلاح النظام ما بين 1994 و2007 لتعديل الأوضاع المالية وتتمثل هذه الإجراءات في:
- الترفيع في نسبة المساهمة في القطاع العمومي ثلاث مرات متتالية (1994، 2002، 2007) وإجراءات شبيهة في القطاع غير الفلاحي.
- الحد من انعكاسات الإحالات المبكرة على التقاعد وتكفل الدولة بها في حالات تطهير المؤسسات العمومية.
- مراجعة القاعدة المرجعية لاحتساب التقاعد بالنسبة للقطاع غير الفلاحي والترفيع فيها من 3 إلى 10 سنوات.

غير أن هذه الإجراءات التي أثقلت كاهل الشغالين لم تكن كافية لمنع انهيار أنظمة التقاعد كما كان يروج لها، إلا مؤقتا، لذلك عهد لمكتب دراسات أجنبي سنة 2002 ثم عهد لمركز البحوث والدراسات في الضمان الاجتماعي بإعداد دراستين متتاليتين وضعت على أساسهما الخطوط العريضة للإصلاح المزمع إدخاله على أنظمة التقاعد في تونس.

3 – الأسباب المسكوت عنها:

إن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء عجز الصناديق الاجتماعية تعود للاختيارات الاقتصادية الليبيرالية المتبعة والتي انعكست آثاها مباشرة على ماليتها. فخوصصة المؤسسات العمومية في إطار ما يسمى بإصلاح وتطهير المؤسسات العمومية CAREP ولجان مراقبة الطرد CCL أدّت إمّا إلى التخفيض في عدد عمالها أو الغلق وتسريحهم نهائيا. وبتسريحهم تمت إحالتهم بصورة مبكرة على التقاعد وقبل السن القانونية فكفوا بالتالي عن المساهمة في موارد الصناديق بل وتحوّلوا للتوّ إلى أصحاب جرايات وهو ما ساهم في تقليص موارد الصناديق وإثقال كاهلها بالمصاريف. وحسب الأرقام المنشورة فإن نسبة المحالين على التقاعد المبكر من المؤسسات العمومية قد بلغت 59.12% من مجموع المحالين على التقاعد سنة 2005. وبلغت نسبتهم في نظام الأجراء غير الفلاحيين من القطاع الخاص 32.8% لنفس السنة. ومن جهة أخرى فإن محدودية دخل أصناف مهنية جديدة (كعمال الحظائر والعاملين في قطاعات المناولة ونظام أصناف من المبدعين...) أصبحت تحت مظلة التغطية الاجتماعية (التي وصلت نسبتها إلى حوالي 90% سنة 2007 عوضا عن 77% سنة 1996) زادت في انخرام الموازنات المالية للصناديق الاجتماعية بما أن مساهمتها كانت ضعيفة ولا تغطي مصاريف الجرايات المدفوعة لهذه الأصناف عند الإحالة على التقاعد.

إضافة إلى ذلك يمثل النقص في التصريح في أنظمة المستقلين وتراكم الديون لصالح الصناديق المتراكمة في القطاع الخاص والتي لم يتسنّ استخلاصها في الوقت، بل وبات بعضها غير قابل للاستخلاص أصلا، بسبب غلق واندثار بعض المؤسسات أو التهرّب من دفع مستحقات الصناديق هي أيضا من الأسباب التي ساهمت بصورة مباشرة في إفلاس هذه المؤسسات الاجتماعية.

ومن الأسباب الأساسية في هذا الإفلاس أيضا طرق التصرّف العشوائية سواء في توظيف الاحتياطات المالية وفوائض الأنظمة أو في بعض الاستثمارات، هذه الطرق التي زادت كلها في انخرام مالية الصناديق.

وللتذكير فإن الدولة كثيرا ما تدخلت، بقرارات فوقية غير مدروسة وبدوافع سياسوية بحتة ودعائية لسياستها الاجتماعية وبدعوى "التضامن الاجتماعي لتحمّل الصناديق الاجتماعية أعباء جديدة جراء تكليفها بمهام لإسداء خدمات لفائدة المنخرطين أو حتى لغير المنخرطين، ليست في الحقيقة من اختصاصها مثل قروض الطلبة ودفع جرايات النفقة ومنح العائلات المعوزة... وهي خدمات كما هو ملاحظ تدخل ضمن جهد الدولة في التضامن الاجتماعي وما كان عليها أن تحمله للصناديق. فالسلطة سمحت لنفسها بالتصرف وبغير وجه شرعي في أموال غيرها وتتحمل بالتالي مسؤولية سوء التصرّف الذي فلـّس الصناديق الاجتماعية ومع ذلك تحاول مجددا تحميل المسؤولية لمنخرطي هذه الصناديق.

هذه الأسباب وغيرها أدت في النهاية إلى حالة من الإفلاس القريب للصناديق الاجتماعية، فمن المنتظر حسب التوقعات أن يلتهم الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية CNRPS كامل مدخراته مع حلول سنة 2015 وبالتالي سيكون عاجزا تماما عن صرف جرايات منخرطيه بعنوان التقاعد. أما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS فسيلتهم كامل مدخراته مع حلول سنة 2014 وهو الآن في حالة قريبة من العجز التام. ومن غير المتوقع أن يقع انتشال هذين الصندوقين من هذه الحالة المخيفة رغم كل الإجراءات الترقيعية التي تخطط السلطة لفرضها على منخرطيهما تحت عنوان "الإصلاح" فما دامت الدولة ماضية في خوصصة المؤسّسات العمومية وتشجيع الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي بعنوان "كسب رهان المزاحمة" و"ربح معركة التصدير" وبالتالي تسهيل مهمة المستثمرين في الضغط على كلفة الإنتاج والأعباء الاجتماعية، وما دامت الدولة ماضية في تشجيع المناولة باليد العاملة والقطاع المهمش وعاجزة عن خلق مواطن الشغل وتشغيل فائض اليد العاملة غير المنتجة لتوسيع قاعدة الانخراط وتمويل الصناديق الاجتماعية، ما دامت الدولة ماضية في مثل هذه الخيارات التي كلفت الشعب مآسي اجتماعية كثيرة فإنها لن "تصلح" أوضاع الصناديق الاجتماعية مهما بلورت من سيناريوهات ومهما أعدت من دراسات ومهما اتخذت من إجراءات لأن أزمة الصناديق الاجتماعية هي في الأساس أزمة هذه الخيارات الليبيرالية وليست أزمة تقنية تتعلق بطرق التصرف فحسب.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني