الصفحة الأساسية > البديل الوطني > من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة
بن علي يجدد تهديده للمعارضين:
من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة
11 كانون الأول (ديسمبر) 2009

شنّ بن علي في خطابه صبيحة يوم الخميس 12 نوفمبر 2009 بمناسبة أدائه "اليمين الدستورية" أمام مجلس "النواب" و"المستشارين" هجوما جديدا على من اعتبرهم "بعض الأفراد" في إشارة إلى عدد من الصحافيين والناشطين من الأحزاب والجمعيات الديمقراطية المعارضة لنظامه.

وكعادته وكما سبق له في خطابه ليلة الانتخابات التشريعية والرئاسية ليوم 25 أكتوبر 2009 فقد توعد "بتطبيق القانون" أي بمزيد الإمعان في الأساليب القمعية الهمجية التي مارستها العصابات الإجرامية التابعة للبوليس السياسي الذي يتلقى تعليماته مباشرة من بن علي على كل من سليم بوخذير وحمه الهمامي ولطفي حاجي وغيرهم.

ويحاول بن علي هذه المرّة التغطية على سياساته هذه بالحرص على "استقلالية القرار الوطني" ورفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لنظامه في إشارة منه إلى ما عبرت عنه بعض الأوساط الرسمية والديمقراطية في الخارج من نقد لسياساته ومن تعاطف مع ضحايا الأعمال الإجرامية التي قامت بها فرق البوليس السياسي.

لقد باتت خياراته الفاشستية مفضوحة وليست تهديداته المذكورة غير محاولة يائسة لإسكات الأصوات التي تجرأت بمناسبة "الانتخابات" على كشف الفساد السياسي والاقتصادي والمالي السائد في تونس والذي تختص به مجموعات المافيا المحيطة به من عائلته وعائلات أصهاره وهي أيضا محاولة أخرى لـ"ردع" الرأي العام الدولي الذي أعرب عبر منظمات غير حكومية ووسائل إعلام وشخصيات وحتى أوساط رسمية من الحكومات التي ترعاه وتحميه، عن قلقه مما يجري في تونس.

فالرأي العام الداخلي والخارجي بات يعلم جيد العلم أن انفلات عصابات البوليس السياسي على كل من يخالف بن علي وبطانته الرأي هو محاولة لردع كل من تحدثه نفسه تجاوز الخطوط الحمر التي رسمها النظام والمتمثلة خصوصا في مظاهر الحكم الفردي والفساد.

وغير خاف على أحد أن اتهام معارضيه بـ"اللاوطنية" أو الإيهام بأن حملة التصعيد القمعي ضد المعارضة الديمقراطية في المدة الأخيرة هي مجرد إجراءات تتعلق بقضايا "حق عام" هو افتراء مفضوح لا يمكن أن يغالط الرأي العام الداخلي والخارجي الذي هو على بينة من طبيعة الجرائم التي تقترفها أجهزة البوليس السياسي ضد عدد من مناضلات ومناضلي الحركة الديمقراطية المعارضين لسياسة الانغلاق وتجرؤوا على الإصداع برأيهم بخصوص المهزلة الانتخابية الأخيرة وبخصوص ما يميز الوضع السياسي في تونس وضد تفاقم الحكم الفردي وعبادة الشخصية وضد الفساد المستشري والذي أصبح نمط حكم قائم الذات.

وإذا كان ثمة من ينبغي أن يحاسبه الشعب التونسي على ما اتبعه من خيارات لا وطنية أدت إلى بيع البلاد للمؤسسات المالية والاحتكارات العالمية شركات ودولا هو بن علي وحزبه ومجمل نظامه. بن علي الذي جيء به عن طريق انقلاب برعاية المخابرات الأمريكية هو من رعى مصالح أسياده وفتح لهم الباب على مصراعيه للاستثمار والاستحواذ على المفاصل الحيوية للاقتصاد التونسي ونهب خيرات البلاد. وهو الذي طبّق إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المالية المقرضة فخوصص المؤسسات العمومية بعد أن فلـّسها وفككها ليبيعها بأبخس الأثمان لكمشة من الكمبرادور المحليين الرأسماليين الأجانب مثل شركة STIA و SOGITEX وSTM والأنابيب وقطاع الاتصالات وشركة الرفاهة ومؤسسات صناعة الإسمنت وغيرها.

وبن علي هو الذي تواطأ مع الامبريالية العالمية المتكالبة على الأقطار العربية الشقيقة فساند الحرب على العراق وتخفى وراء مواقف مهادنة للهجوم الصهيوني على لبنان وغزة وانخرط في المشروع الاستعماري الجديد "الشرق الأوسط الكبير" وترأس القمة العربية المكرسة لهذا التوجه2002 وعقد اتفاقية الشراكة الاستعمارية الجديدة مع الاتحاد الأوروبي وطبّع مع الكيان الصهيوني وأقام معه جهرا وسرا علاقات ديبلوماسية وتجارية وسياسية.

ومن جهة أخرى فإن بن علي يجهد نفسه اليوم للظهور بمظهر الحريص على استقلالية القرار الوطني وهو الذي عمّق مديونية تونس لتقفز من 5 مليار دولار سنة 1987 تاريخ وصوله إلى الحكم إلى 20 مليار دولار اليوم وهو الذي ربط الاقتصاد التونسي بالرأسمالية الليبرالية المعولمة واتبع نمط تنمية تابع ومتخلف وبنى اقتصادا هشا ومفككا وموجها إلى الاستجابة لمصالح وحاجيات الاحتكارات والأسواق الخارجية وليس لحاجيات ومصالح النمو الاقتصادي الوطني والمستقل ولا لحاجيات ومصالح أبناء الشعب التونسي.

فغنيّ عن القول أن نظاما تسيّره دوائر رأس المال العالمي وتتحكم فيه المؤسسات الدولية وتسهر على حمايته مخابرات وحكومات الدول الاستعمارية التي تربطه بها علاقات تقليدية لا يمكنه البتة الانتصاب لإعطاء الدروس للذين أفنوا العمر في رفع شعار "يا نظام يا جبان يا عميل الأمريكان" و"لا سفارة صهيونية على الأراضي التونسية ". وغنيّ عن القول أيضا أن نظاما كان على الدوام يتباهى بـ"العلاقات الممتازة" مع أولياء نعمته في واشنطن وباريس ولندن وبرلين وروما لا يمكنه اليوم أن ينتفض ليحتجّ على تصريحات بعض ساستها المعلنة عن "قلقهم" من مبالغة تلميذهم النجيب في استعمال العنف والقمع ضد معارضيه وفي تدليس الانتخابات ليظل في الحكم.

وإذا كان ثمة سؤال على بن علي الإجابة عنه اليوم فهو لماذا كل هذه الضوضاء حول "التدخل في الشؤون الداخلية" لتونس؟ أفلم تكن الدول التي يتهمها بهذا السلوك دائمة التدخل في شؤون بلادنا، الاقتصادية منها والسياسية والدبلوماسية وتتحكم في خياراتها العامة؟

أفلم يُشـِدْ به قادة هذه الدول وسارعوا بتهنئته بـ"إعادة انتخابه" رئيسا لتونس وهم يعلمون في كل مرة أنه يغتصب الحكم ويدوس على الديمقراطية: ألم يذهب شيراك ذات مرة إلى تدعيم سياسته القمعية تجاه الشعب التونسي حدّ التوجه للديمقراطيين التونسيين بقولته الشهيرة التي لخصتها الأستاذة راضية النصراوي وهي على فراش إضراب الجوع في الجملة المعبّرة التالية: "mangez et taisez vous"؟

مثل هذا التدخل في شؤون الشعب التونسي لا يمثل في عرف بن علي "تدخلا في القرار الوطني" ما دام لصالحه، أما أن يتحرّج قادة دول الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا مما هو بصدد القيام به من تجاوزات فجة في حق الشعب التونسي فإن الأمر يصبح مدعاة لكل هذه الجلبة والضوضاء الكاذبة حول استقلالية القرار الوطني.

إن افتعال هذه القضية اليوم ليس المقصود به رفض بن علي لنوايا فرنسا والولايات المتحدة في الهيمنة على بلادنا والمسّ من استقلالية قرارها لأنه في الأصل صنيعة من صنائع هذه الدول الامبريالية وكان على الدوام أداتها للتدخل في شؤون بلادنا. إن المقصود بهذه الضوضاء التي سخرت لها السلطة كل وسائل الإعلام وأبواق الدعاية هو الضغط على الرأي العام الدولي كي يصمت عما يقترفه من جرائم في حق أبناء الشعب التونسي. لذلك يحق للديمقراطيين أن يعتبروا هذه المحاولة الفاشلة لحرف الصراع عن مداره الحقيقي ادعاء بالباطل وكذبا مفضوحا لا ينبغي أن يصرفهم عن نشاطهم من أجل المطالبة بالحرية وأن يبحثوا له عن سند ودعم لدى الأوساط الديمقراطية والشعبية وليس لدى الحكومات في جميع أنحاء العالم. ومعلوم أنه في ظل نظام عولمة الاستغلال والقهر وانتهاك الحريات الذي توحّد فيه البرجوازية العالمية جهودها لتركيع الشعوب، على هذه الأخيرة ضم جهودها والتضامن ضد بن علي وكل أشباهه في كل مكان. ويحق للديمقراطيين التونسيين أن يعطوا لبن علي، لا أن يتلقوا منه، الدروس في الوطنية، وهم الذين عارضوا على الدوام تبعية بلادهم اقتصادا وسياسة وثقافة ودبلوماسية للخارج ونادوا دون انقطاع بالاستقلال الحقيقي ولم تكن تربطهم بالخارج غير علاقات الصداقة والتعاون والتضامن مع القوى الشعبية والديمقراطية في أوروبا وأمريكا والعالم أجمع، هذه القوى التي تعارض سياسة بن علي تماما كما تعارض سياسة أنظمتها الرجعية التي تدعمه.

إن معركة الديمقراطية والنضال ضد الرأسمالية المتوحشة المعولمة أصبحت اليوم معركة مشتركة بين كل القوى الثورية والتقدمية في كل مكان. فكلما هدمت الاحتكارات الرأسمالية الحواجز الوطنية لتبسط نفوذها على سيادة الشعوب بواسطة العملاء من أمثال بن علي وضعت أسس النضال الديمقراطي والثوري المتضامن بين جميع شعوب العالم من أجل التحرر والديمقراطية ضد أوباما وساركوزي وبرلسكوني وبن علي في تونس.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني