الصفحة الأساسية > البديل الوطني > هل تغيرت رؤية التونسي لرمضان بعد الثورة؟
هل تغيرت رؤية التونسي لرمضان بعد الثورة؟
4 آب (أغسطس) 2011
صوت الشعب - العدد 10 الخميس 4 أوت 2011

ماذا أقول عن الصّيام في السّنة الأولى من الثّورة؟ هل أنسج على غرار المتنبّي في مطلع هجائيّته لكافور «رمضان بأيّة حال عدت يا رمضان ...» ؟ أم أتحدّث عنه بوصفه شهر البركة والطاعة والخير الكثير؟
الثورة قطعٌ مع القديم. ولكي أتجنّب سوء فهم ممكن أشير إلى أنّني لا أقصد القطع مع الصيام فذلك يدخل في دائرة الحريات الشخصية. القطع الذي أقصده يمسّ طريقة التفكير في مسألة الصيام ومن ثمّة في أسلوب التعبير عنه.
أقترح في هذه الكلمات طرحا غير مألوف ورؤية تأويلية لظاهرة اجتماعية هي فوق ذلك شعيرة دينية نوليها نحن مسلمو شمال إفريقيا أهمية مضافة. تكتسي هذه المقاربة طرافتها من كونها تحيّد مواقف أنعتها بالجامدة والعقيمة في الفضاء العمومي بعضها ذات مرجعيّة فقهية متيبّسة تسيطر على عدد غفير من الناس وتنحصر في ما هو تقنيّ لا يتساءل عن المبادئ، أمّا البعض الآخر فيستمدّ جذوره من عقيدة إلحادية عنيفة تلقي بالرّضيع مع ماء غسله وبين أولئك وهؤلاء نجد مواقف تقليديّة أو متردّدة أو متساهلة.

الصيام بين الطبيعة والدين

شهر رمضان هو على صعيد وصفيّ مناسبة يغيّر فيها أفراد مجتمع بأكمله أنماط سلوكهم الخاصّة والعامّة، في البيت وفي العمل وفي الشّارع والسبب هو تغيير النظام الغذائي. ورمضان هو مناسبة لتجربة معيشة على الصعيد الذاتي والبينذاتي محورها الجوع والعطش. واللاّفت للانتباه أنّ قاعدة الوسطية التي غالبا ما يوصف بها ديننا تكسر خلال هذا الشهر المشتقّ اسمه من الرّمض والرّمضاء أي الحرّ والقيض وهو خلال هذه السنة اسم على مسمّى. في هذا الشهر سيكفّ الصائمون عن الأكل والشرب خاصة قرابة السبع عشرة ساعة يوميّا. الجوع والعطش إحساسان أساسيّان لجسمنا الحيّ ونشترك فيهما مع كائنات أخرى.

ويمكن ردّ العطش إلى إحساس الجوع ما دام التغذّي ممكن بالسوائل.

والجوع هو محرّك العالم كما يقول الفيلسوف شيلّر. إنّه مُبك الرّضيع منذ ساعة ولادته.
وهو مخرج الكائن من مكمنه بحثا عن سدّ رمقه.

وغالبا ما يؤدّي البحث عن إشباعه إلى تقاتل أفراد وجماعات حول مصادر الغذاء.

ألَمُ الجوع يشدّ الفرد منّا إلى جسمه ويفرض عليه إحساسا رهيبا بالنقص ولكنّه يدفعه أيضا وبعنف إلى استكمال حاله بالتغذّي المباشر بشكل يضعف فيه الإحساس بالغيريّة. إذ الجائع لا ينتبه إلى الغير شريكا أو صاحب حقّ معه ما دام تحت سطوة الجوع وحده بل قد ينظر إلى الآخر وسيلة للحصول على الغذاء أو عقبة تحول دونه.
ولعلّ لهجتنا الدارجة تحقّق درجة رفيعة من البلاغة عندما ترادف بين كلمتي الجوع والشّرّ. فالجوع أبو الشرور ومنبت الرذائل.

تلك هي طبيعة البشر ككائنات حيّة ولكن الثقافات وأهمّ عناصرها الأديان سعت إلى جعل هذه التجربة الجسديّة أيضا تجربة روحيّة. وقد رفع الإسلام الجوع إلى مرتبة الشعيرة الدينية المقنّنة وأسماها الصّوم وجعلها أحد أركانه.

فرمضان فرصة لتجربة تضع جميع الصّائمين، المالكين لمصادر الغذاء والفاقدين لها، كلّهم على عتبة المساواة في الإحساس بالجوع، أي تجربة يوجّه فيها الصائم كينونته طيلة شهر وعلى نحو متقطّع نحو حالة من النّقص (في الغذاء) والوهن الجسمي لإلغاء الفروق الطبقية الناتجة عن امتلاك الثروة بدءا بمصادر الغذاء. لكن ما نلاحظه أنّ الصيام، على غرار جميع الشعائر الأخرى، يفقد لدى العدد الأكبر مقاصده الأولى ويندمج كسلوك في منطق جديد تحكمه أنظمة اجتماعية قارّة. وهكذا يشهد الواقع بأنّ الاشتراك في هذا الشعور التضامني لا يستمرّ مع الإفطار. موائد إفطار الأغنياء تختلف عن موائد إفطار الفقراء: الصيام يوحّد أمّا الإفطار فيفرّق. إن يشترك الممسكون عن الأكل منذ الفجر في الشعور بالجوع فإنّهم يتفرّقون منذ الغروب بنوعية موائد الإفطار.

وما الصّدقات التي يتكرّم بها البعض من الموسرين والأتقياء على غيرهم من المعوزين إلا حلّ ظرفيّ ومحدود. فهي لا تلغي الفقر ولا تقدّم حلولا دائمة وجذرية لهذه الظاهرة.

رمضان والاقتصاد

لقد اندمج سلوك الصائمين في نظام السّوق الحرّة فهو شهر الاستهلاك بامتياز وشهر غلاء الأسعار والاحتكار بدل أن يكون شهر العمل والاعتدال وربّما التقشف لإعطاء الجسد في تجربته دفعا روحيا. وهكذا ينقلب الليل بعد قيض النّهار بالنسبة إلى ذوي المقدرة الشرائيّة إلى فرصة إشفاء غليل النهار فتنهك المعدة والجسد عامة بالأكل والشرب والسهر والمرح. أمّا المعوزون فإنّ قدرتهم الشرائية تتحطّم أكثر فأكثر..

تجربة ترويض الغرائز والرّغبات تتحوّل إلى تبعية النفس إلى سطوة الأهواء والشهوات والانفعالات الحادّة والغريب تحوّل أيّام رمضان إلى ساحة حرب إشهار تدور رحاها في أطراف الليل وأنحاء النهار وجنودها بضاعة البطن وما جاوره. لقد تحوّل شهر رمضان إلى حصان طروادة تختفي فيه كل القوى للإطاحة بمدينة الروح.
لقد عزّز الصّوم قيم الفردانية الليبرالية لأنّ بعض الصائمين لا يفكّرون إلاّ في أنفسهم. وهذه مسائل نعاينها في سلوكات الباعة المحتكرين لتحقيق أرباح غير مشروعة والحرفاء المتزاحمين على البضاعة وما يصحب ذلك من سباب وعراك.

في ما وراء رمضان

إضافة إلى ما يمكن أن يقوله الفقيه عن قواعد الصيام والطبيب عن فوائده ومخاطره وعالم النفس عن آثاره النفسية وعالم الاجتماع عن الظواهر المرتبطة به وعالم الاقتصاد عن المردودية وسلوك السوق يمكّننا شهر الصيام كلّ سنة من إطار للتفكير النقدي بامتداداته المحلية والكونيّة. إنّنا نعيش في عالم تتجاوز فيه ثروة الأغنياء الثلاثة الأكثر ثراء ميزانية 48 دولة الأكثر فقرا، ويعيش 3 مليارات من البشر (أي نصف البشريّة) بأقلّ من 3 دولار في اليوم، بينما يمتلك 225 شخصا ثروة تفوق مداخيل مليارين من البشر. ولا تمثّل تونس استثناء في هذا التوزيع غير العادل للثروة إذ أنّ 8 بالمائة من سكّانها يملكون 80 بالمائة من ثروات البلاد. هذه الأرقام المدهشة ترجّ أوهام بعضنا حول العدالة في عالمنا الأرضي. ثمّة فقراء مسحوقون لأنّه ثمّة أثرياء ثراء فاحشا. وثرواتهم كونوها بالسلب والاستغلال.

فهل يلعب صيام الفقير دور المهدّئ لشعوره بالظلم عبر إعطاء الجوع مسحة مقدّسة؟

تغذية ما يقارب المليار من البشر سيّئة. فماذا يعني الصوم بالنسبة إلى المسلمين منهم عدا أنّه واجب دينيّ. واليوم يوجد شخص من بين 7 أشخاص لا يملك ما يلبّي حاجته من القوت حتّى يكون نشيطا وجسمه سليم فهل نأمره بالصّوم أم نبحث عن وسيلة نجبر بها من تتآكلهم أمراض التخمة على تقاسم الغذاء معه؟

ومعلوم أن الأخطار المترتّبة عن المجاعة أشدّ من مخاطر الملاريا والسيدا والسل، المجاعة أكثر فتكا بالبشر من الأوبئة بل هي أحد مداخلها. فلماذا لا نحوّل شهر رمضان إلى منتدى نتطارح فيه هذه المسائل بطريقة جدّية وصريحة بدلا من غمس الرؤوس مثل النعام في البرامج التهريجية والتخديريّة للوعي والتي تبثها مئات الفضائيات؟
رمضان في زمن الثورة التي حركتها مشاعر الظلم والفقر والتهميش والبطالة يحثّنا على التفكير في العوامل المرتبطة بالمجاعة والعمل على الحدّ منها مثل الكوارث الطبيعية (الجفاف والتصحّر) والصراعات الإثنية وعدم التوازن بين الجهات والنظم الاقتصادية المتسبّبة فيها ومخلّفات المجاعة من أمراض وموت مبكّر.

التفكير في كلّ هذه المعضلات بشكل جماعي وعلنيّ يشترط بناء المعلومة الصحيحة والاستماع إلى المختصين المنشغلين بهذه المشاكل.

هكذا بوسع الفضاء العمومي الذي تلعب فيه وسائل الإعلام دورا جوهريا أن يتحوّل إلى مدرسة للجميع يستفيد منها على وجه الخصوص الأمّيون وأشباههم.

عالمنا يموت فيه يوميا قرابة الأربعين ألف طفل بسبب سوء التغذية وما ينجرّ عنها من أمراض. في كلّ أربع ثواني يموت شخص بسبب المجاعة.

فهل يقنعنا القول بأنّ ساعتهم قد حانت؟

هل لا يحرّكنا مثل هذا الواقع نحن الذين هزّت ضمائرنا صورة البوعزيزي وهو يحترق جرّاء المضايقات التي تعرّض لها بسبب إجراءات إداريّة تعسّفيّة؟ هذه هي الأسئلة التي ترفع رؤوسنا عاليا وتوجّه نظرنا بعيدا ووفق ما تقتضيه المرحلة الثورية.

وفي الختام إن شعب تونس الذي أشعل نيران الثورات في بداية الألفية الثالثة، أشعلها بطريقة سلمية لعب فيها الوعي والذكاء دورا حاسما، لمدعوّ بأن يتقدّم في هذا الدرب ويطرح مسألة الصيام من منطلق أخلاق تحرّرية ذات بعد إنساني وبعيدا عن التصادم العنيف والعقيم أحيانا بين الدعوة والدعوة المضادة إلى الصيام.

محسن الخونـي



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني