الصفحة الأساسية > البديل الوطني > هل تفك قيادة الجيش ارتباطاتها بالنظام القديم
وجهة نظر:
هل تفك قيادة الجيش ارتباطاتها بالنظام القديم
24 كانون الثاني (يناير) 2011

يلوّح البعض عن خوف أو حسابات سياسية بخطر "تأبيد حالة الطوارئ" وعدم الاستقرار السياسي وحتى بإمكانية قيام انقلاب عسكري إذا ما تواصلت المظاهرات والاحتجاجات المطالبة باستقالة حكومة الغنوشي-المبزع. وهذا التلويح يمثل فزّاعة من جملة الفزاعات التي ترمي إلى إيقاف استمرار الثورة الشعبية في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها.

وفي الواقع إن حالة الطوارئ لا تشمل عمليا إلا العاصمة تونس وقد تجاوزها المواطنون في أغلب المدن والجهات. وليس أدل على ذلك من المسيرة التي توجهت البارحة نحو العاصمة للمطالبة بكنس بقايا بن علي. وحالة طوارئ لا تُقدم أي عون للمواطنين الذي يقومون بحفظ الأمن بأنفسهم. وتواصل هذا الإجراء الأمني هو أكبر دليل على أن "المعارضة" التي تشارك في الحكومة الحالية ليس لها أي تأثير على موقع القرار السياسي والأمني والعسكري، وليس لهذه "المعارضة" وخاصة ممثل الحزب الديمقراطي التقدمي من سلطة داخل هذه الحكومة غير الاكتفاء بالمطالبات.

ولكن لنتفحص الأمر. ماذا يعني التلويح بخطر تواصل حالة الطوارئ والتهديد المقنع بتدخل الجيش؟ أليس هذا التلويح هو في حد ذات مبرر سياسي لإمكانية تدخل الجيش ضد الثورة؟

تُبين التجارب التاريخية، كلها بدون استثناء، أن الثورات التي تُكلل مسيرتها بالنصر يقترن نجاحها دائما بتغيّرات وتطورات جذرية داخل المؤسسة العسكرية. هذه التطورات تفعل فعلها بشكل أو بآخر لصالح قوى الثورة وقوى التغيير. ذلك يعني أن الجيش يكف في لحظة من اللحظات عن أن يكون في خدمة النظام القديم والقوى الرجعية ويكف عن مساندة الطبقة السائدة سياسيا واقتصاديا قبل قيام الثورة.

وفي مُعظم التجارب الثورية وأكثرها قوة واندفاعا يُؤدي نهوض الثورة ومبادرة الجماهير إلى إعادة بناء شاملة وكاملة لمؤسسة الجيش. ويتحقق ذلك حين يتخلص الجيش بالكامل، من العناصر الوفيّة للنظام القديم. ومن جهة ثانية تنجح قوى الثورة في تغذيته سريعا بطاقات جديدة وبروح نضالية لصالح التغيير.

والجيش التونسي لا يمكن له أن يبقى في موقع الحياد والكل يتبنى ثورة العزة والكرامة. وليس إلا أن ينحاز نهائيا إما للثورة وإما أن تواصل قيادته دعم حكومة الردّة. إذا ماذا يعني انقلاب عسكري في الوضع الراهن؟

أولا على قيادة الجيش أن تُقيم تحالفًا مع قوات البوليس ومع ميليشيات التجمع وبقايا الحرس الرئاسي لبن علي. عدديا ليس في مقدورها السيطرة على كامل البلاد وستكتفي في حالة انقلاب عسكري على إخضاع بعض المدن الكبرى لا أكثر وترك أيادي باقي الأجهزة الأمنية طليقة في قمع المتظاهرين.

ثانيا يتحتم على قيادة الجيش، على رأس هذا التحالف الرجعي، أن تُقدم على قمع التظاهرات، بإطلاق الرصاص وإغراق البلاد في حمام من الدم، أي أن تُقدِم قيادة الجيش على ما رفضته هي نفسها تحت حكم بن علي.

في المقابل للانتفاضة وزنها وتكمن قوتها اليوم، فيما تكمن، في عاملين أساسيين: طابعها الجماهيري والسلمي، فلا هذا ولا ذاك يُمكن أن يبرر سياسيًا تدخلا انقلابيا للجيش. وليس لقيادات النظام القديم غير المناورة وحيك المناورات على أمل توقف الإحتجاجات.

وفي هذه الأوقات الصعبة التي تمر بها الانتفاضة في بلادنا وفي ظرف لم تُحسم فيه بعد موازين القوى نهائيا لصالح قوى التغيير الديمقراطي ولازالت المعركة مع قوى النظام القديم قائمة على أشدها وغير مضمونة النتائج، من المهم أن نفهم ونتابع دور الجيش التونسي وتموقعه السياسي بين قوى التغيير وقوى الشدّ إلى الوراء، قوى المحافظة على نظام الاستبداد. وليس الحرص على الفهم والمتابعة من باب الترف الفكري بل هو في قلب الأحداث السياسية الجارية حاليا في الشارع التونسي وما تستدعيهم من دفع وعي ومبادرة الجماهير. فعلى مستوى هذا الوعي وهذه المبادرة سيتوقف مصير الانتفاضة ومكاسبها.

ولابد من فهم تركيبة المؤسسة العسكرية: يتكون الجيش من الجنود وضباط الصف بمختلف رتبهم ومن القيادة العسكرية المتمثلة في هيئة أركانه. وتعود الجذور الطبقية للجنود إلى أصول مختلفة تماما عن الجذور الطبقية للقيادة العسكرية. فبينما يمثل الجنود الشرائح السفلى من المجتمع يمثل الضباط، أصحاب الرتب العليا، خريجي المدارس العسكرية وهم عامة من الطبقات الوسطى. عوامل أخرى متفاوتة التعقيد تجعل التفاعل السيكولوجي مع أحداث الانتفاضة وتطوراتها مختلف تماما لدى الجندي "البسيط" والقيادات العليا.

ومن العوامل الرئيسية التي تحدد موقع الجيش من الانتفاضة الفرق بين الجنود عامة وهيئة أركان الجيش التي تمّ تعيينها من قبل بن علي من ضمن أكثر الضباط وفاء للنظام القديم. وإذا ما تمت تربية الجندي على خدمة الوطن والانضباط في تطبيق الأوامر فإن هيئة أركان الجيش تمت تربيتها على الخضوع لأوامر القيادة السياسية المتمثلة في بن علي، القائد الأعلى للقوات المسلحة. وهذا التحليل لا ينفي أن الإحساس الوطني في الجيش منتشر في كامل جسمه من أسفله إلى أعلاه وأن انضباطية الضباط من مختلف الرتب ليس عائقا أما وطنيتهم وحبهم لشعبهم وغيرتهم عليه وكرههم لبن علي وعائلات الفساد.

يحبذ البعض القول بأنه لولا قيادة الجيش لما رحل بن علي. نحن نقول أن الانتفاضة الشعبية هي التي فرضت تخلي بن علي عن السلطة وهي التي دفعت أيضا بالقيادة العسكرية للتخلي عن بن علي حتى وإن لم تتخلّ إلى حد الساعة عن وزرائه الماسكين بمقاليد الحكم في حكومة الغنوشي-المبزع.

إن قوة الاحتجاجات، في جماهيريتها وسلميتها ونضج مواطنيها وفي ما قدمته من شهداء هو الذي أجبر قيادة الجيش أن تلعب دور مكنسة الانتفاضة في آخر ساعات حكم بن علي. ليست لنا تفاصيل واضحة حول دور قيادة الجيش ولكن دورها كان تقني بينما كان الدور السياسي للانتفاضة . لذلك يمكن القول أن نتائج الانتفاضة لم تتمثل فقط في تحرير الشعب وأحزابه ومنظماته ولكن تمثلت أيضا في زحزحت الجيش وهي زحزحت متواصلة تحت تأثير تمادي الاحتجاجات. وقد تدفع المبادرة الجماهيرية في الشارع، إذا ما تواصلت وتعمقت وتنظمت أكثر فأكثر، إلى أن تتخلى القيادة العسكرية لا عن بن علي فقط بل أيضا عن خليفته السياسية أي الحكومة الحالية. من أجل ذلك على الجماهير أن تنجز يوم 14 جانفي ثان وتطالب برحيل حكومة الغنوشي-المبزع وهي ماضية في ذلك.

والسيناريو الأكثر واقعية يظهر الآن فيما يُبديه الشعب المحتج من تعاطف كبير مع الجنود. ولا يمكن لهؤلاء أن يبقوا دون تأثير هذا التعاطف الذي يُمكن أن يتعاظم دوره في الأيام القادمة إذا ما تواصلت الاحتجاجات في الشارع ورفضت حكومة الحالية حل نفسها. ولايزال في مقدور قيادة الجيش أن تلعب دورا سياسيا آخر إذا ما سحبت دعمها لحكومة النظام المنهار وإذا ما استجابة لمطلب الشعب في تكوين حكومة جديدة وطنية وديمقراطية بحق وإذا ما وضعت سلاحها ورايتها تحت إمرة هذه الحكومة. تلك هي إرادة الشعب التونسي، ذلك هو مطلبه.

ما الذي سيُساعد هيئة أركان الجيش على الاضطلاع بمثل هذا الدور السياسي؟
ما الذي سيساعد الجيش على التخلي عن حكومة فريعة وأمثاله؟

إنه تواصل الاحتجاجات في الشارع وتطور مبادرة الجماهير في ممارسة سلطتها بأشكال مختلفة بكل جرأة وإبداع. وفي هذا الاتجاه علينا أن نشجع ودّ وتعاطف المتظاهرين مع الجنود والضباط الوطنيين الذين سندعوهم مباشرة وعلى الملأ إلى صيانة الثورة والديمقراطية وإلى حماية إرادة الشعب في التحرر من الديكتاتورية.

لنرفع أصواتنا عاليا "طلبة وجند وعمال صف واحد في النضال"!
جيش للحرية لا جيش للديكتاتورية

سمير حموّدة
22 جانفي 2011


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني