الصفحة الأساسية > البديل الوطني > هل رحل بن علي؟
هل رحل بن علي؟
10 آذار (مارس) 2011

قدّم الشعب التونسي خلال انتفاضته الأخيرة على الدكتاتورية والفساد أروع مثال في الوحدة والوعي وضحى بمئات الشهداء والجرحى من أجل أن يصنع ثورة حقيقية ستكون بلا شك مضرب الأمثال لدى شعوب العالم.

ومن نافل القول أن ما حدث في تونس هو نتيجة تراكمات عديدة وتغير للظروف الموضوعية والعوامل الذاتية التي أدت في النهاية إلى الإطاحة برأس النظام... وكما هو معلوم فإن بداية الانتفاضة كانت عفوية، معبّرة عن حالة من الغضب واليأس والقهر ارتفعت فيما بعد إلى المطالبة بالشغل وتحسين ظروف العيش لتصل في النهاية إلى التشبث بالحرية والإصرار على رحيل بن علي ونظامه. وقد لعب الوعي السياسي للنقابيين والحقوقيين والشباب والأنترنيت والمعارضة السياسية دورا فعالا في بلورة هذه المطالب وتوجيه الانتفاضة نحو التغيير الحقيقي.

إن عنجهية العصابة الفاسدة وجهلها لنفسية التونسي وثقة الامبريالية والقوى الخارجية في صلابة الآلة القمعية لنظام بن علي ووجود متناقضات داخل السلطة قد أثر بشكل كبير في الإسراع بسقوط بن علي وهروبه. لكن العامل المحدد هو صلابة الجماهير الشعبية وإصرارها وتضحياتها ووحدتها لما انتفضت ونزعت الخوف والاستكانة وصاحت بصوت واحد: الشعب يريد إسقاط النظام.

إن تطور الأحداث وتسارعها وفرار الرئيس المخلوع فاجأ الجميع. وكل الدوائر الامبريالية والرجعية العربية أصيبت بالهلع والذعر ولعلها محقة في ذلك وهي التي انطلقت في احتواء الموقف والسعي إلى الخروج بأخف الأضرار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه والبناء عليه في قادم الأيام من خلال إطلاق آلتها الإعلامية والديبلوماسية والاقتصادية.

فهل رحل بن علي؟ سؤال يطرح نفسه ويستمد شرعيته في الواقع. فالواقع عنيد دوما وما يجري يوضح الصورة ويزيل الغشاوة. وإليكم بعض المشاهد.

المشهد الأول: ظهر الغنوشي رئيس حكومة بن علي لمدة أحد عشرة سنة على شاشة التلفزة وعلى يمينه عبد القلال (المجرم الملاحق دوليا من أجل ارتكابه لجرائم التعذيب والتنكيل بالمعارضين السياسيين) وعلى يساره فؤاد المبزع (رئيس مجلس النواب المنصب واللاشرعي) وأعلن توليه "رئاسة الدولة" وفقا للفصل 56 من الدستور وقد ضاقت حينها حدقة عينيه وارتجفت يداه في حركة لاشعورية فخانت تماسكه المزيف. وفعلا لم يمض يوم واحد حتى عادت الرئاسة إلى المبزع.

المشهد الثاني: عصابات تجوب البلاد وتروّع الناس وتبث الفوضى والهلع بين المواطنين... أفراد مشبوهون، فيهم من ينتمي إلى الحرس الرئاسي أو إلى قوات الأمن الداخلي أو إلى أجهزة أخرى يندسون بين المواطنين ويزرعون الخوف بتحركاتهم المريبة بالإضافة إلى سجون تلفظ من بداخلها فيهرب من يهرب ويموت من يموت فتبرز صورة قاتمة محزنة مروعة تسفر عن عدد من الضحايا.

المشهد الثالث: الغنوشي ينصّب حكومته الأولى ويبقى على رموز النظام السابق على رأس وزارات السيادة وبديكور من حزبين معارضين استماتا في الذود عن الحكومة المنصبة، يخرج أحمد فريعة وزير بن علي الذي قتل قناصو وزارته عديد الأبرياء ويدلي بتصريح مهين للشعب وللشهداء. الغنوشي يظهر من جديد على شاشات القنوات الفضائية ويروي دون أي حرج ما دار بينه وبين الرئيس المخلوع في مكالمة هاتفية... في الوقت الذي ينادي فيه الشعب بسقوط النظام وحل الحزب الحاكم. ويلتزم الغنوشي الصمت من جديد وينتظر صحبة الرئيس المؤقت مجيء فلتمان مساعد وزير خارجية الأمريكية المكلف بالشرق الأوسط وتنصب بعدها حكومة ثانية...

المشهد الرابع: تبدأ ولاية وزير الداخلية بثلاثة حوادث مريبة. التدخل الوحشي لفك اعتصام القصبة وما خلفه من جرحى ومفقودين وربما موتى. ثم حادثة وزارة الداخلية التي قيل عنها أن آلاف أعوان الأمن اقتحموا مقر السيادة وحاولوا الاعتداء على الوزير ذاته ثم الانفلات الأمني وما خلفه من رعب وشك وتوجس لدى غالبية الشعب التونسي وأخيرا إطلالة وزير الداخلية في وسائل الإعلام بوجه الضحية البريئة. فلا هو أعطى الأوامر لقمع المعتصمين ولا هو على علم بما يدور داخل وزارته، فهو تفاجأ بالهجوم على مكتبه وهو لا يعرف البوليس السياسي. كما أنه لا يريد الخوض في مسألة حل حزب بن علي لكي. وأنهى بوعدنا (أو توعدنا) بمزيد من مراكز الشرطة والترفيع في عدد أعوان البوليس، كأن ما يوجد منه لا يكفي. ثم يقرر زيادات مهمة في رواتب البوليس ويحل تفقدية الأمن المسؤولة على محاسبة رجال الأمن.

المشهد الخامس: تركيز الإعلام على الدعاية للعودة إلى العمل والاستقرار والدراسة وإرجاع الأمور إلى نصابها وتفادي الفوضى وهذا ترديد لخطاب الحكومة الساعية لمقايضة الشعب على حريته وأمنه بالاستبداد والفوضى. ومن جهة أخرى بالغت وسائل الإعلام في إبراز المطالب الشخصية والمشاكل القطاعية وهي فعلا مطالب حقيقية لكن مطالبة الحكومة المؤقتة بها يعطيها مصداقية وشرعية. ثم إن توقيت طرح جملة هذه القضايا والسعي إلى تناولها وحلها في الوقت الراهن يضيّع على الشعب فرص المطالبة بالأهم ألا وهو التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التغيير الحقيقي.

ونحن نتناول كل هذه الوقائع لا يجب أن ننسى فضيحة إيقاف العربي نصرة صاحب قناة حنبعل ونجله بتهمة الخيانة العظمى وإيقاف البث قبل الإفراج عنهما في ظرف ساعات. وعلى عكس ما تم التصريح به فإن الأسباب الحقيقية تتمثل بالأساس في الحوار مع حمه الهمّامي الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي لما في كلامه من وضوح مزعج للحكومة ولأطراف أخرى.

هذه إذن بعض الأحداث أردنا التذكير بها باختزال باعتبارها تؤشر على مؤامرة تحاك سرا وعلانية ضد الشعب التونسي الأبي ولنتساءل بكل عفوية عن السبب الذي يدعو الغنوشي إلى التشبث برئاسة الحكومة ما لم يكن طالبا للعرش أو مكلفا بمهمة أو مأمورية من عدة أطراف أخرى تعمل من وراء الستار.

وجاءت تعيينات المسؤولين بالعديد من الوزارات وكذلك الولاة لتؤكد تواصل سيطرة التجمع على جهاز الدولة وإمساكه بمقاليد السلطة. كما أن المعلومات تشير أن بعضهم متورط في قضايا فساد ورشوة ومتهم بالسيطرة على الناس ونهبهم والوشاية بهم وممارسة العنف والضغط عليهم بشتى الوسائل.

خلاصة القول، إن حكومة الغنوشي تستخف بالعقول وتضحك على الذقون. إن إجهاض التغيير الديمقراطي هو مصلحة أكيدة للمنتفعين الموالين للنظام الاستبدادي البائد لذلك تركز الحكومة الحالية على المعادلة التالية: الاستبداد مقابل الأمن. وتحاول تسريبها إعلاميا وعمليا عبر افتعال الفوضى في عدة مناطق من البلاد وبث الإشاعات. مع الدعوة إلى رفع شعار التسامح والوحدة وذلك بهدف ربح الوقت لإنعاش النظام وإعادة الحياة إليه تدريجيا وكأني بالمسؤولين لم يستوعبوا الدرس بعدُ ولم يدركوا أن الشعب التونسي سيظل متماسكا، واقفا صفا واحدا ضد الطغاة، ولن يتوحد أبدا مع المتآمرين والمناوئين ولن يتسامح من هنا فصاعدا مع جلاديه واللصوص ومصاصي الدماء وهاتكي الأعراض.

إن النظام البائد يستعيد أنفاسه ليكتم أنفاسنا، إنه يريد الوقوف على قدميه ليدوسنا من جديد. إننا نعيش قصة سطو معلنة، سطو على دماء الشهداء وعلى تضحيات الجماهير وعلى أحلام الشعب وآمال الشباب وفرح الأمة.

إن محترفي الانتهازية السياسية ينفذون عملية سياسية مشبوهة ومعيبة فهم فاقدون للشرعية الدستورية والشعبية. فمن قال لهم إن الشعب يريد انتخاب رئيس حسب الدستور الذي تم تشويهه وتفصيله وترقيعه عدة مرات. إن الشعب يرنو إلى الحرية والعدالة والكرامة الوطنية، يريد دستورا يخدم مصالحه ويؤسس لبناء دولة مدنية ديمقراطية تضمن المساواة بين الجميع وتفصل بين السلطات وبين الدين والدولة وتقر نظاما برلمانيا وتضمن الحريات العامة والفردية.

هل رحل بن علي؟ نعم لقد هرب. والواقع يفرض جلبه ومحاكمته على خلفية الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب. كذلك لا بد من محاكمة نظامه وإعادة الاعتبار للضحايا إبان وقوع الانتفاضة وقبلها فالشعب قادر على كنس صنائع بن علي وأزلامه مثلما كنس الدكتاتور وأدخله مزبلة التاريخ.

ماهر



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني