الصفحة الأساسية > البديل الوطني > هنا القصرين؟
بالمـرصـاد:
هنا القصرين؟
6 تشرين الأول (أكتوبر) 2011
الفاهم بوكدّوس

وأنت تتجوّل في مدينة القصرين لا يمكن إلا أن تشدّ انتباهك تلك الجملة اللّافتة التي زيّنت المقرّ المخلوع للجنة التنسيق:»هنا مقر الإذاعة الجهويّة بالقصرين» .

إنّ الأمر لا يتعلّق هنا بفعل واقع وإنّما بصياغة لمطلب رفعته الجهة منذ سنوات وعرف إجماعا إبّان أيام الثورة وما تلاها.

ففي الوقت الذي كان فيه مواطنو الجهة ينظّمون فعالياتهم النضالية ويتحدّون بصدور عارية الجحافل الأمنيّة لنظام بن علي ويُقدّمون الشهداء والجرحى ويُصيغون مطالبهم في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لم ينسوا قطّ الدّفاع عن حقّهم في إعلام تعدّدي ومستقلّ يعكس قضاياهم المصيرية وينقل أصواتهم العالية إلى كلّ الجهات المعنيّة ويُوحّد صفوفهم للدّفاع عن عدالة قضاياهم.

وإذ يعكس هذا المطلب حاجة أهليّة تفرضها إرهاصات المرحلة الانتقالية وتجاذباتها، فهو يحيل بالأساس إلى عمليّة التعتيم الإعلامي الرسميّ والخاصّ التي فُرضت على الجهة أساسا أسابيع الثّورة والأشهر التي تلتها عبر تشويه نضالاتهم في المرحلة الأولى وتصويرهم كمشاغبين وفوضويين ورعاع دفعتهم قوى مخربة محلية وخارجية للتمرد على منجزات الديمقراطيّة التونسيّة، وعبر تناسيهم في المرحلة الثانية وإن ذُكروا ففي إطار التّركيز على مشاهد التسوّل والفقر والحرق والاعتصامات وإغلاق الطرقات دون محاولة التركيز على الحاجيات الأساسيّة للجهة ودون مُحاورة مناضليها وشبابها لتقديم تصوّراتهم للنهوض بها ولإبراز مقترحاتهم خاصّة المقترنة بإنصافهم من كلّ الجرائم التي اُرتكبت في حقهم وبمعاملتهم كمواطنين كاملي الحقوق.

لقد التقط شباب الجهة هذا الشّعار وبعث في أواخر فيفري 2011 على الشبكة العنكبوتيّة وبإمكانيات شحيحة راديو «هنا القصرين» بالتّوازي مع وضع صفحة على الفايسبوك للغرض، حاول فيها ياسين العباسي ومحمد الصالح القاهري وضيف الله التليلي وغيرهم نقل معاناة المواطنين المسحوقين والمفقّرين والمقصيين وإعلاء أصواتهم حتّى أنّ إذاعات لبنانيّة وفلسطينيّة وسوريّة قد دعتهم لتقديم ساعات بثّ مُوحّدة. ومع تعزّز هذا الراديو بقدرات إضافيّة وتعاظم التفاف الأهالي حول مولودهم الإعلامي بدأت الأحلام تكبر في بعث راديو جمعيّاتي. وتشاء الصّدف أن يُقدّم ابن الجهة مختار التليلي مطلبا لتأسيس «الشّعانبي آف آم» قُوبل بتوصية بالترخيص من الهيئة الوطنيّة لإصلاح الإعلام والاتصال.

ولئن يبدو الأهالي اليوم أكثر تفاؤلا بتوحيد الإذاعتين، فإنّ عوائق هائلة مازالت تحُول دون بعث أوّل إذاعة مواطنية بالجهة لعلّ أهمّها مماطلة الوزير الأوّل المؤقّت في منح التّراخيص النهائيّة لـ12 راديو و 5 تلفازات، وفي إغراق الباعثين الجدد لمثل هذه المشاريع الإعلاميّة في متاهة من الإجراءات الإداريّة والماليّة والقانونيّة تُخفي غايات سياسيّة واضحة للحفاظ على خريطة إعلاميّة قديمة تحتفظ فيها الحكومة المؤقتة بالسلطة والنفوذ على الإعلام العمومي، ويُسيطر فيه كمشة من رجال الإعلام البؤساء على مثيله الخاصّ في إعادة إنتاج لمضامين صحفيّة هابطة وقهريّة تُحاول إبقاء المواطن تحت سيطرة مواد تسخر منه وتسعى لغسل دماغه.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني