الصفحة الأساسية > البديل الوطني > يا عمّار 404 سيّب صالح!
يا عمّار 404 سيّب صالح!
أيار (مايو) 2010

في حين ينشأ أبناء أوطان أخرى على ثقافة الحوار والنقاش والحرية والنقد يعيش أبناء تونس المنع والحجب والقمع منذ نعومة أظافرهم. تبدأ المسألة من العائلة وبالتحديد من الوالدين فينشأ الطفل على كلمات من قبيل: "لا... يزي"، "رد بالك..! حرام..! ربي يحرقك بالنار ويعلقك من شوافرك..!". فيكون ذلك الحاجز الأول بالنسبة للطفل ويغيب الحوار والنقاش في معظم العائلات. فعادة ما تكون العلاقات عمودية بين الوالدين والأبناء فيغيب الحوار وينفذ الأبناء الأوامر دون نقاش. ويخرج الأطفال إلى رياض الأطفال، فالمدارس ثم المعاهد والجامعات ليسمعوا نفس الكلمات وليعاملوا نفس المعاملة (ولن أتحدث هنا عن تردّي المستوى التعليمي للشباب التونسي كنتاج سياسة تعليمية أساسها تلقي المعلومات وحفظها دون إعمال العقل والتفكير والاعتماد على النفس). وإذا ما نظرنا إلى هذه المسألة ودرسناها وجدنا أن الدولة تسهم بشكل كبير في نشر سياسة المنع والحجب. فالنظام التونسي يكرّس هذه السياسة ويسعى إلى نشرها بطرق مختلفة، لعل أهمّها السيطرة على وسائل الإعلام المختلفة، فمن منـّا لم يغرق في طفولته في بحر شاشة زرقاء وهو يشاهد فلما على القناة الفرنسية الثانية (قبل عصر البارابول)، ومن منّا لم يضحك تهكّما وهو يتصفح جريدة أو مجلة تونسية لسخافة ما تنشره ولتسويقها أكاذيبَ تـُعدّد نجاحات وهميّة وتتستر على ما صحّ من الأخبار وتشوّه وتهتك أعراض المناضلين!

إن نظام الحكم، من خلال احتكاره لوسائل الإعلام، يحدّد لنا ما نشاهد وما نسمع وما نقرأ. ولا يقتصر الأمر هنا على الأخبار التي تهتم بالشأن العام فحسب بل تتعداها إلى الفنون والأدب والذوق العام. فهي التي تنتقي الأخبار بعناية وتختار الأفلام حسب رغبتها وتبث ما تشاء من أغاني هابطة وموسيقى مبتذلة، وهي التي تسمح لهذا الكتاب بالنشر والرّواج وتسدّ الباب أمام الكتب والنشريّات التي لا تروق لها. وإن أقاموا تظاهرات أو مهرجانات فإنهم يختارون "المبندرين" و"المصفقين" لإنجاح "العرس" وطرد كل من تحدثه نفسه بإفساده.

وهكذا نشأنا نستهلك ما يسوّقوننا من أكاذيب وأوهام ونقبلها دون نقاش أو إبداء رأي. لكن هذا الواقع تغير مع تطوّر التقنية ودخول تقنيات إعلامية جديدة اقتحمت بيوتنا دون استئذان ولم تقدر آلة الرقابة على التصدي لها لأنها أصبحت جزءا من حياتنا اليومية ولأن الدولة في حدّ ذاتها لم يعد بإمكانها احتكار هذه التقنية بل إنها أخرجتها للناس وجعلت منها ميدانا للربح وتكديس الثروة. ومن أهمّ هذه التقنيات البث التلفزي والإذاعي عبر الأقمار الصناعية والهواتف الجوّالة والأنترنيت.

فسحت الأنترنيت المجال أمامنا لنطلع على ما يدور حولنا ولنبلغ المعلومة الصحيحة، ولنعبّر عن آرائنا إذا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. ففي حين كنا في السابق مطلعين على ما يحدث خارج حدودنا أكثر ممّا يحدث داخلها، صرنا نعرف ما يحدث هنا بظهور الأنترنيت. وهذا طبعا لم يرق لـ"حكومتناالموقرة"، فبدأت عمليات الحجب والصنصرة وأعمل الرقيب مقصّه في العديد من المواقع الافتراضية. وفي مارس 2005، سقط أوّل "شهيد" للأنترنيت في تونس. فقد توفي الشاب زهير اليحياوي، ذلك الشاب الذي استغل درايته بالتكنولوجيا وخاصة إتقانه استعمال الأنترنيت ليكسر الصمت ويتحدّى قامعي الشباب الذي ينشد الحرية. وتحدّث زهير عن بلادنا وما تعرفه من نظام دكتاتوري بوليسي يقمع كل من يخالفه الرأي. لقد كشف زهير اليحياوي ما يعيشه أبناء بلده من ظلم وتجويع وتعذيب وسجن كلّما أعلنوا رفضهم لما يفرضه نظام بن علي من قمع على شعب نشأ على سياسة قبول كل ما يقرّره حاكموه. أعلن زهير اليحياوي رفضه لما يحدث فسجن وعذب ليسكت قلبه إلى الأبد ألما وحسرة على حال هذه البلاد.

وبتطوّر التكنولوجيا أكثر فأكثر تطوّرت شبكة الأنترنيت ليزيد عدد المواقع على الشبكة العنكبوتية. وفي بداية القرن 21 ظهرت المدوّنات، وهي مواقع شخصية تمكن مستعمليها من تجميع نصوصهم وأشرطتهم المصورة وصورهم... وتتعدّد المواضيع المطروحة في المدوّنات، فيدوّن البعض عن أحاسيسهم أو خواطرهم أو حول أحداث معيّنة، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو دينية. يكتب البعض عن الرياضة والفنون والتكنولوجيا ويمتعنا آخرون بآخر وصفات الطبخ أو يعرضون سلعا للبيع.

وظهر ما يسمّى بالبلوغسفار التونسي (مجمع المدوّنات التونسية)، وأصبح المدوّنون يمثلون مصدر قلق للحكومة التونسية، فلقد صاروا ينشرون ما تحرص على إخفائه من أخبار وبطريقة مهنية جدا. فعادة ما تكون الأخبار المنشورة على المدوّنات مرفقة بصور وفيديوهات تؤكد ما كتب من نصوص. وصار التدوين يعرف بالصحافة المواطنة. وصار يكشف ما يحاول المسؤولون إخفاءه من مشاكل وحقائق، فبدأ الحجب وأغلقت العديد من المدوّنات التي مثلت مصدر قلق وإزعاج لملوك البلاد وحكامها بتناولها لمواضيع يعتبرها هؤلاء "تابوهات" ولمعالجتها وطرحها مشاكل سياسية اجتماعية مختلفة كثيرا ما حاولوا إخفاءها. وتوطدت العلاقات بين المدوّنين لتتجاوز في بعض الأحيان العالم الافتراضي وتتحوّل إلى علاقات ذاتية متميّزة. وهكذا كثرت النقاشات وتبادل المدوّنون الأفكار وتعاونوا على إطلاق حملات تحسيسية وتوعوية وتنديدية أيضا. وكثيرا ما افضت تلك الحملات مضاجع "أولياء أمرنا". وكلما ازدادت جرأة المدوّنين ازدادت شراسة نظام بن علي في التضييق والتصدي والقمع. ولم يكتف هذا النظام بالحجب والمنع بل مرّ إلى الاعتقال. وقد مثـّل اعتقال فاطمة أرابيكا سابقة في تاريخ التدوين التونسي خاصة وأنه تمّ دون توجيه أيّ تهمة. وكانت غاية النظام من ذلك توجيه رسالة إلى كل من تحدّثه نفسه بتجاوز الخطوط الحمر. وهي محاولة يائسة لإسكات المدونين والحدّ من جرأتهم. ولكن النتيجة كانت عكسيّة، فبمجرد رواج خبر اعتقال فاطمة سارع المدونون إلى التضامن معها تحت شعار اختزل هذا التضامن: "كلنا فاطمة!".

وفي يوم 27 أفريل 2010 عاش البلوغسفار التونسي يوما أسود، عرف في ما بعد بالثلاثاء الأسود، وذلك بعد الهجمة الشرسة التي شنتها عليه شرطة الأنترنيت. فلنا رجال أمن يسهرون على أمن الدولة من شرّ المفكرين، ويغضون النظر عن لصوص الآثار ونهابي الملك العام والعابثين بأمن العباد والبلاد. وقد طالت هذه الهجمة العديد من المدوّنات وتمّ خلالها حجب أكثر من 10 مدوّنات طالها مقصّ "عمـّار" في سويعات. وعمّار، لمن لم يسمع به، هو شخصية خيالية اخترعها المدونون لتمثيل الرقيب، الحاجب، شرطي الأنترنيت. فعمّار هو سائق سيارة "كات كات باشي" (بيجو 404 باشي)، وذلك إشارة إلى علامة 404 NOT FOUND التي تظهر كلما حاول شخص تصفح موقع أنترنيت أو مدوّنة محجوبة. ومنذ يوم الثلاثاء الأسود بدا عدد المدوّنات المحجوبة مرشحا للارتفاع وهو ما حصل فيما بعد، فقد ارتفع عدد المدوّنات المحجوبة إلى 100 مدوّنة إلى حدّ كتابة هذه الأسطر. وطال الحجب مواقع أخرى مختلفة منها مواقع إخبارية وأخرى لتحميل الفيديو والصور وصفحات شخصية على الموقع الاجتماعي "فايسبوك". وأمام هذا الهجوم الكاسح على الأنترنيت أطلق المدوّنون حملة بعنوان "سيّب صالح" نشروا خلالها صورهم وهم يندّدون بالحجب ويعلنون رفضهم له. وتوسّعت الحملة لتشمل العديد من مستعملي الأنترنيت ولتؤكد أن القمع يولّد الرفض والثورة فما وقع يشبه الانتفاضة الافتراضية. فعادة ما كان عمّار يكتفي بحجب مدوّنات وصفحات المعارضين السياسيين والحقوقيين والصحفيين، لكنه هذه المرة هاجم جميع المدوّنين ومستعملي الأنترنيت على حدّ السواء، فلم يترك أخضرا ولا يابسا، وفند أقوال أسياده الذين لا يفوّتون فرصة للتشدّق بما حققوه من إنجازات في مجال الإعلام وحرية الصحافة وتطوير وسائل الاتصال وبالأخص الأنترنيت. كذب عمار تلك الخطابات الرنانة من مراهنة على الشباب أو لعلهم يقصدون الشباب البنفسجي من حاملي انخراطات التجمّع ومن المصنفين المؤيدين المبندرين ومن توظيف التقنيات الحديثة للاتصال في مجالات التعليم وخدمة لشباب هذا الوطن ومن تكريس التعددية وترسيخ القيم النبيلة في المجتمع وغيرها من عبارات اللغة الخشبية الكاذبة. فما عاد أحد يصدّق هذه الأكاذيب، فبعدما فقدنا الأمل في الصحافة البنفسجية فها نحن نحرم تدريجيا من الفضاء الوحيد الذي كنا نمارس فيه القليل من الحريات ونعبّر فيه عن البعض من آرائنا. فحكامنا نصّبوا أنفسهم أولياء علينا يقرّرون لنا ويسيّروننا حسب رغباتهم. ولكن الحجب وإن دلّ على شيء فهو يدلّ على الجهل والغباء والتخلف وخاصة على القمع وانعدام الحريات.

بنت الجنوب

ملاحظة

عريضة دولية حول الحق في الإبحار على "النات"

ردا على الرقابة التي تفرضها السلطة على الأنترنيت والتي ازدادت وتيرتها مؤخرا، يُمضي حاليا آلاف التونسيين ومئات الشباب في الخارج على عريضة احتجاجية تندد بتواصل ضرب حق التونسيين والتونسيات في الإعلام والإبحار الحر على الشبكة العنكبوتية وأساسا المواقع المعارضة لنظام الحكم والمنددة به.

العريضة لقيت رواجا وإقبالا كبيرين ووصل عدد الممضين عليها في وقت وجيز إلى أكثر من عشرين ألفا. وقد ترافق ترويج هذه العريضة مع تعليقات تتهكم على نظام بن علي وتكشف زيف الخطاب الذي يروّجه حول "تطور المنظومة الرقمية في تونس" التي "تعتبر نموذجا يُحتذى به".

إن اتحاد الشباب الشيوعي التونسي يساند هذه العريضة ويدعو مناضليه وأنصاره إلى ترويجها. ويتوجه بنداء إلى الجميع من أجل التصدي للتضييقات المفروضة على الأنترنيت في تونس.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني