الصفحة الأساسية > بديل الشباب > الاستقلالية عن السلطة والحوار الرصين بين المكونات والنضال الميداني الجماعي، شروط (...)
جريدة الشعب تّحاور المناضل الطلابي السابق الفاهم بوكدّوس عضو المؤتمر 21 و22 للإتحاد العام لطلبة تونس:
الاستقلالية عن السلطة والحوار الرصين بين المكونات والنضال الميداني الجماعي، شروط لتجاوز أزمة الاتحاد والجامعة
30 أيار (مايو) 2010

كان هذا الحوار مع الصّحفي الفاهم بوكدّوس مُبرمجا للصدور على صفحات جريدة الشّعب لسان حال الإتّحاد العام التّونسي للشغل في عددها الأخير ضمن ملفّ حول الإتّحاد العام لطلبة تونس. لكن يبدو أنّ المواقف الواردة فيه لم ترق لمسؤولي الجريدة فخيّروا عدم نشره، فها هو يُنشر خارجها.

1- السيد فاهم بوكدوس، كيف تقيّمون الواقع الحالي للاتحاد العام لطلبة تونس؟

ممّا لاشك فيه أن وضع المنظمة الطلابية سيء، والسؤال في رأيي يجب أن يكون حول أسباب هذا الوضع. إن ما تعيشه الجامعة هو جزء من وضع عام في بلادنا متسم باستشراء القمع والحصار ضد كل نفس استقلالي ووضعية اتحاد الطلبة مشابهة لوضعية كل الجمعيات المتمسّكة باستقلالية قرارها. لقد استعملت السلطة كل الأساليب من أجل تدجين المنظمة الطلابية وضرب أيّ إمكانية لتوسّعها والدليل هو تواصل سجن مناضلي منوبة وطرد عدد كبير من إطارات الاتحاد من الدراسة. وفي هذا الإطار أنا لا أتفق مع القراءة التي تركز على "تبدّل الطلبة وتراجع إقبالهم على العمل النقابي..."، فهذا السبب جزئي وثانوي وتجربة الحركة الطلابية في السنوات الأخيرة أثبتت أن الطلبة يمكن أن يشاركوا بالآلاف في نضالات تهمّ مطالبهم الحيوية وحتى حول "محاور سياسية" تتعلق بالقضية الفلسطينية والعراقية و... إن الأسباب التي أفرزت الوضع الحالي عديدة ومتداخلة منها الموضوعي ومنها الذاتي، والقمع والتدجين واختراق المنظمة وصنع الانشقاقات وتغذيتها وحرمان المنظمة من حقوقها في التمويل والتفاوض والتمثيل مقابل غرس ودعم" البوليس الجامعي" و"منظمة طلبة التجمع" في كل الفضاءات الجامعية. إن هذه الأسباب تضافرت مع أوضاع ذاتية تتعلق بالإدارة السيئة وأحيانا الفاسدة من بعض مكونات الاتحاد وخاصة تلك التي تحكمت لسنوات في "الجهاز" بدعم من السلطة فحوّلته إلى ملحق يخدم مصالحها الضيقة والخاصة، وبهذا الوضع ضربت سمات الديمقراطية والنضالية والتمثيلية والاستقلالية للمنظمة، فضلا عن تراجع أو استقالة البعض الآخر، إن هذه الأسباب مجتمعة خلقت الوضع الحالي الذي على سوءه فإن فيه إشارات ايجابية ومشجعة تؤكد أن جذوة النضال لم تنطفئ وأن غد الحركة الطلابية وذراعها النقابي سيكون أفضل.

2- هناك من يرى أن المؤتمر 21 محطة فارقة في تاريخ الاتحاد تحملت خلالها المنظمة وزر الاحتكار والتوظيف السياسي وهو ما أنتج الواقع الحالي المأزوم، فما هو تعليقكم؟

أنا سأتحدث هنا كنائب في المؤتمر 21 عن كلية الآداب بالقيروان، هذا المؤتمر انعقد في أواخر نوفمبر 1993 في ظروف يجب التذكير بها، فتلك السنة بالذات تعتبر بداية لمرحلة جديدة دخلتها بلادنا ستسمى لاحقا سنوات الجمر، فعقد التسعينات هو عقد الهجوم على الأخضر واليابس بما فيه الحركة الطلابية والاتحاد اللذان كان نصيبهما من القمع والسجن والملاحقة و و و كبيرا، ويمكن أن نذكّر بمنشور مارس 1991 الذي أصدره الوزير الشرفي لمنع النشاط السياسي والتضييق اللامحدود على العمل النقابي، إثر هذا القرار تلاشت الأغلبية الساحقة من التيارات التي كانت ناشطة في الجامعة ولم يبق الاّ القليل الذي ظل يقاوم، لذلك أفرزت الانتخابات القاعدية أغلبية مطلقة وأقلية مقابلة لها، هذه الأقلية أرادت الحصول على ما لا يتناسب مع حجمها في القيادة وهذا منطق مقلوب وغير ديمقراطي مارسته منذ المؤتمر 19 حين لم ترض بالتمثيل النسبي، ومع ذلك فان منطق الأغلبية في المؤتمر 21 لم يهدف إلى الاستفراد بل هدف إلى آخر لحظة من أشغال المؤتمر إلى تشريك كل الحساسيات (حتى بما لا يتناسب مع حجمها) شرط أن يكون ذلك على قاعدة نضالية ميدانية تستثني من تورّط في أنشطة مشبوهة أو معادية للاتحاد. وهنا لا يجب أن ننسى أن أحد قادة المنسحبين من المؤتمر 19 صرح بكونه "مستعد للتحالف مع الشيطان"!!!!!! ضد الأغلبية، وأن المؤتمر 20 عدّل النظام الداخلي بما يسمح للترشح لقيادة الاتحاد من خارج نواب المؤتمر لمن كان نائبا سابقا أي بما يسمح بتمثيل هؤلاء "الغاضبين" من خارج القاعة، وأوّل ما مارسته هذه المجموعة هو تشكيل معارضة نقابية من داخل القيادة ضد أغلبية أعضاء القيادة (مجموعة الستة...). هذه المعطيات يجب أخذها بعين الاعتبار للحكم على المؤتمر 21 الذي ركّز على القضايا البرنامجية التي تتمحور حول كيفية التصدي للهجمة الشرسة التي تستهدف الجامعة والاتحاد.

نواب المؤتمر 21 أرادوا تكريس فكرة النقابة الجماهيرية المناضلة مقابل فكرة النقابة المساهمة التي بدأت تنخر الجسم الطلابي والتي جسدتها اللائحة النقابية للمؤتمر 20. إذن الجهد كان منصبا على إنتاج مقاربة نقدية للسابق في ظرف كان عصيّا للغاية، فالموافقة على انجاز المؤتمر تمت قبل يوم وبعض النواب لم يواكبوا الأشغال لأنهم حوكموا. ان مواجهة هذه الاوضاع لا تكون الا بالنضال الحازم أو بالسقوط والتراجع وهو ما قامت به مجموعة من المكتب التنفيذي تهاوت تحت سياط السلطة وغفيرها من خارج الجامعة وداخلها (أحد الغاضبين قدم شكاية بقيادة الاتحاد إلى وزارة الداخلية –لا المحكمة الإدارية ولا المحاكم العادية!!!!!!!!!!)

أما عن التوظيف فهذه فزاعة يعرف مطلقوها خوائها، ونقصد طبعا التوظيف الفئوي هذا الانحراف الذي استشرى وشاع بتراجع وزن الأغلبية التي أفرزها المؤتمر 19 و20 و21، ففي تقديري - وهذا متروك للتاريخ وللشهادات الصادقة - إن هذه الأغلبية كانت متصدية بصرامة للتوظيف الفئوي وهذا لا ينفي طبعا وجود أخطاء، ولكنني بصدد الحكم على الأداء العام والخلفية الفكرية والعملية التي كانت تقودنا، وأعتقد أن شرف ذلك الجيل هو كونه لم يفرّط في المنظمة ولم يسلّمها لأعدائها كما أراد عديد "القادة" الذين أثبت مسار حياتهم فيما بعد وإلى الآن أنهم سماسرة من طراز عال رغم الثورجية التي تطبع خطاب البعض، أو التبدل الكلي الذي شمل حتى المصطلحات (La terminologie) والمفاهيم وهو ما طال خطاب بعض محاوريكم في الحلقة الفارطة من هذا الملف.

3- ماهي الحلول التي تقترحونها للخروج من الأزمة؟

ليس هناك حلول جاهزة يمكن أن يقدمها أيّ كان، فمناضلو المنظمة وجمهورها هم المؤهلون لتقديم هذه الحلول، لكن القدماء وأصدقاء المنظمة يمكن أن يساهموا ببعض الأفكار دون السقوط في التدخل الفج أو الانتصاب كمدبّرين للحل والربط. أنا شخصيا أرى أن التوجه التوحيدي الذي توافقت عليه أغلبية المكونات والهياكل هو توجه سليم، فالوحدة الواسعة دائما مفيدة والتشتت والتفتت دائما ضار، وأنا لا أفهم عدم مشاركة بعض المكونات بهذا الجهد، فأولى بها أن تكون مع الوحدة لا مع تواصل التفكك، فأخطر وضع عرفته المنظمة هو الإزدواجية الهيكلية وأوكد المهام في اعتقادي هي تجاوز هذا الوضع من أجل منظمة واحدة موحدة ينتظم داخلها وعبر أطرها الاختلاف. بطبيعة الحال السلطة تلعب دورا محوريا في منع مسار التوحيد لأنه لا يخدم إلا مصلحة الطلبة، وعلى السلطة أن ترفع يدها وتترك القرار للطلاب وتحترم إرادتهم وتكف عن منطق دعم الموالين والمؤيدين والمطبلين والمزمرين ومحاصرة وتدجين وتفكيك من اختار الاستقلالية.

إن وحدة المكونات خطوة في اتجاه توحيد الطلاب حول مطالبهم المتراكمة وذلك لن يكون إلا باتحاد مستقل ديمقراطي وفاعل. وأنا أتابع هذا الملف الذي تنجزه جريدة "الشعب" انتابتني فكرة أطرحها في هذا الحوار وأدعو المعنيين بها للتفاعل معها: لماذا لا يتم تنظيم ندوة طلابية في المدة القادمة تحضرها كل مكونات الاتحاد العام لطلبة تونس، ويدعى لها مناضلون ديمقراطيون قدماء وأصدقاء الاتحاد خاصة من الذين لهم نفس المسافة من الفرقاء، يمكن لنقابة التعليم العالي أن تلعب دورا بارزا في التنظيم والتأطير من أجل توصيات أو نداء.. بهدف تجاوز الواقع الحالي للاتحاد. أنا أعتقد أن الاستقلالية عن السلطة والحوار الهادئ والمسؤول والعلني من شأنه أن يعين الحركة الطلابية والاتحاد وأن يقرّب وجهات النظر ويخفّف من التوتر، وفي هذا الإطار لا بد من التنبّه لأيّ أجندة خارجية تريد طرح ملف الاتحاد لأهداف مصلحية لا تهم الطلبة بل تهم أعدائهم ومضطهديهم.

4- ما موقفكم ممّا راج في الآونة الأخيرة حول رغبة طلبة الحزب الحاكم في الانخراط في المنظمة؟

هذه المسألة يمكن التطرق إليها من زاويتين: قانونية وسياسية. من الزاوية القانونية ينص النظام الداخلي للاتحاد على أن الانخراط فردي متاح لكل طالب على قاعدة التزامه بشعارات الاتحاد ومقرراته ولم يتورط في عمل مواز أو ما شابهه. وأظن أن الجميع يدرك ما فعله هؤلاء ضد الاتحاد من انقلاب قربة ومن سطو على الاتحاد وممتلكاته ووثائقه ومقراته (وبالمناسبة هذا أمر يجب طرحه بجدية) فضلا عن العمل الموازي الذي تقوم به منظمتهم الحزبية التي تقوم حتى بـ"العمل النقابي" مثل الحصول على ترسيمات ومنح وسكن وإعانات و... وتتقدم لانتخابات ممثلي الطلبة في المجلس العلمي باسم "قائمة العمل النقابي"، إذن من هذه الزاوية القانون يحرم هؤلاء من الانخراط في المنظمة. من زاوية سياسية هذا الأمر حسم منذ فيفري 1972 التي خطت شعارات الحركة وهوية منظمتها النقابية، وهي التي دشنت معركة استقلالية المنظمات الجماهيرية، والاستقلالية هنا هي تجاه السلطة والقوى الرجعية الأخرى. إن "طلبة" السلطة إنما ينتمون إلى جهاز مكلف بمهام داخل أسوار الجامعة كالتخريب والاختراق والمراقبة والتخويف و...، والاتحاد الذي يطمح إليه الطلاب لا يجب أن يضم هؤلاء بل يجب أن يناضل ضدهم لأنهم أيضا يدافعون عن برامج السلطة وحزبها، والأمر نفسه يشمل الطلبة الإسلاميين الذي انشقوا بمنظمة طلابية حزبية وبذلك وضعوا أنفسهم خارج الاتحاد. الاتحاد هو منظمة طلابية ديمقراطية مناضلة ويجب أن يبقى كذلك إن أردنا الوفاء لإرث الحركة الطلابية التونسية الذي صاغته بالنضال والتضحيات.

5- هل ترون ما رآه البعض من ضرورة مراجعة تعامل الأطراف السياسية مع الاتحاد والابتعاد عن تصفية الحسابات السياسية الخارجة عن الجامعة؟

في اعتقادي يجب التفريق بين جانبين: الأوّل هو كونه لا يمكن الفصل بين العمل النقابي والعمل السياسي من جهة كون أيّ فعل نقابي أو خلافه إنما يتم في إطار سياسي محدد تتداخل فيه وتتدخّل عديد القوى (سلطة - مجتمع مدني - وضع محلي وإقليمي ودولي...)، الجانب الآخر هو علاقة الأطراف السياسية بالمنظمة.

أولا يجب دائما تذكّر أن الأطراف السياسية التقدمية لها فضل كبير على الاتحاد وهي التي دافعت عنه خاصة منذ انقلاب قربة 1971 ونحتت هويته وشعاراته في فيفري 1972 وحافظت على وجوده حتى العودة للقانونية، ونفس الأطراف هي التي صانت الاتحاد وموّلته بالكوادر وضحّت بالنفس والنفيس من أجله وهي التي تصدت لخصومه وأعدائه خاصة في أحلك الفترات وفي سنوات الجمر وبفضلها لا زال الاتحاد عصيّا على الشطب والإلغاء رغم التراجع والقمع والتآمر.

ثانيا، كثيرا ما تمّ التداخل بين هياكل الاتحاد والأطر الخطية وهذا انحراف يجب التنبّه له، صحيح أن من حق مناضلي الأطراف السياسية أن يترشحوا ويحوزوا ثقة المنخرطين لتحمل المسؤولية القاعدية والوسطى والقيادية، لكن أثناء ممارسة مهامهم يجب الفصل بين صفاتهم النقابية وانتماءاتهم الخطية، هذه هي المقاربة الصحيحة التي أنتجتها الحركة النقابية والجمعياتية في العالم، المشكل في جامعتنا هو نظري وعملي، فكل الأطراف تهدف إلى التواجد في هياكل المنظمة وهذا مشروع، الغير مشروع هو التوظيف الفئوي ومصادرة القرار من المنخرطين إلى غيرهم داخل الجامعة وخارجها وهذا أمر شاع في سنوات تراجع الهياكل النقابية المؤقتة وخاصة سنوات التعزيز، وفي سنوات الراجع والأزمة منذ أواسط التسعينات حين ضعفت مؤسسات الاتحاد وتعطلت وغيّبت القواعد وحرمت من المراقبة والتدخل فتحول الاتحاد إلى فضاء خاص لتحقيق المآرب الخاصة (ترسيمات، تشغيل...) بدعم من السلطة التي لا تريد إلاّ اتحادا على هذه الشاكلة. إضافة لذلك أعتقد أن ضعف العقلية الديمقراطية المؤسساتية ساهم ويساهم في هذا التداخل، فلا يجب أن ننسى أن الطلاب يتكوّنون ويمارسون في فضاءات استبدادية غير ديمقراطية (الأسرة – الدولة – المجتمع - المنظمات...) وهذا بالطبع يخلق كوادر نقابية غير متشبعة كما ينبغي بالديمقراطية، على أن هذه العناصر هي الأفضل وهذا واقعنا.

ما نطمح إليه لن يتحقق بالشكل المطلوب إلاّ في فضاء جامعي وعام حر وديمقراطي ومتفتح لا قمعي وقهري.

إن الشبيبة الطلابية حين تتاح لها الفرصة باستعادة منظمتها وباستنهاض حركتها تستطيع أن تتصدى لكل الانحرافات اليمينية واليسراوية بما فيها تحويل الاتحاد إلى فضاء لتصفية الحسابات التي لا تهمّ الطلاب والحركة، أما الحسابات التي تهمهم فطبعا يجب أن يكونوا واعين بها وفاعلين فيها.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني