الصفحة الأساسية > بديل الشباب > الثقافة زمن الامبريالية
الثقافة زمن الامبريالية
29 آذار (مارس) 2010

نظمت اللجنة بصفاقس لمساندة الطلبة المطرودين والمعتقلين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس يوم السبت 06 مارس 2010 حفل موسيقي ملتزم أحيته الفنانة لبنى نعمان. وقد مرّ الحفل إجمالا في جوّ رائع وذلك بالعودة إلى الاختيارات الموسيقية الملتزمة والهادفة. غير أن ما شدّ الانتباه هو الحضور المتواضع للطلبة، ولئن نسبه البعض إلى جملة من الظروف التي سبقت الحفل بمدة قصيرة (حادثة مبيت الياسمين، تذبذب الإدارة في الموافقة على الحفل...) وإلى الوقت المتأخر نسبيا للحفل (الساعة الرابعة مساء) إلا أن السّبب العميق هو عزوف الطلبة عن النشاط الثقافي داخل الفضاء الجامعي وخارجه، زد على ذلك الموسيقى المغناة في الحفلة هي موسيقى ملتزمة ذلك أن هذا الصنف من الموسيقى أصبح اليوم قليل الرواج ويقتصر على النخبة.
ولسائل أن يسأل عن سبب هذا العزوف؟

إن أيّ تحليل ملموس يجب أن ينطلق من الواقع الملموس، ورغم أننا نتحدث عن عزوف طلبة إحدى الكليات في إحدى الجهات التونسية، غير أنه يستحيل علينا حتما فهم هذه الظاهرة دون تنزيلها في إطارها العام العالمي، إذ أصبحنا اليوم نتحدث فعلا عن أزمة ثقافية عالمية عائدة في الأساس إلى النظام الاقتصادي المهيمن الذي يقترن بطبيعته بكل القيم الاستهلاكية الفجة، فما عدنا اليوم نتحدث عن فن تشكيلي بل عن فن الإشهار. إن للنظام الرأسمالي ثقافة، غير أن هذه الثقافة مرتبطة بل قائمة هي الأخرى على رأس المال، حيث يصبح الفن سلعة للمتاجرة والكسب المادي، بعيدا كل البعد عن المعنى، الهدف والجمالية الفنية فلا يلعب بالضرورة دور الارتقاء بوعي الجماهير بل يضطر حتى يحقق أرباحا أكثر إلى النزول بمستواه حتى القاع ليقنع أكثر ما يمكن من الفئات (الفئات الشعبية غالبا) التي تعاني أصلا التهميش والحرمان والتي يضطرّ عدد هام من أبنائها إلى التخلي عن دراسته وبالتالي التخلي عن تطوير ملكاته الفكرية والفنية ناهيك أنّ هاته الفئات محرومة بمداخليها من نسب تخصّص للثقافة فهي بالكاد تجد ما يسد رمق جوعها. ثم أن للثقافة الرأسمالية رهان آخر لا يقلّ أهمية عن تكديس الأموال (يرتبط به عضويا) ألا وهو تدجين الشعوب، فكيف نريد من شعب لا يسمع إلا الترهات والتفاهات الحميمية أن يثور؟ إن للثقافة التي تحاول الأنظمة الرأسمالية على اختلاف أشكالها فرضها بشتى الطرق وبكل الوسائل تهدف إلى خلق إنسان لا مبال غريب عن واقعه ومغترب، يعتبر أنّ واقعه شيء ثابت يستحيل تغييره فهو كما يريد منظرو الرأسمالية ترسيخه في أفكارنا، "نهاية التاريخ".

إن الثقافة التي تنشرها "الامبريالية الفنية" المتمثلة في كبار شركات التوزيع والإنتاج تهدف فيما تهدف إلى القضاء الكلي على إرث ثقافي تقدمي طبع القرن الماضي وساهمت بحدّ كبير في التعريف بالأفكار والقيم الإنسانية السامية. إنّ الثقافة كانت دوما من أهم المحركات الثورية، فلا يوجد ثورة بدون ثقافة ولا حركة تحرر بدون أدب يلعب دور المنظر والداعية. فلننظر مثلا إلى نشيد الأممية الذي غني بكل لغات العالم تقريبا واختزل داخله المبادئ الشيوعية، ألم تلعب السينما دورا فعالا في فضح ومناهضة الحروب مثلا؟ ألم تعرّف الروايات بحركات التحرّر الوطني وبما يختلج الإنسان من هاجس للتحرّر؟ كل هذا يجعل الثقافة إذا ما وجّهت في اتجاهها الصحيح سلاحا فعالا لمواجهة الأنظمة الاستبدادية في العالم، إنه سلاح تراهن الامبرياليات وأدواتها التنفيذية على ترويضه وامتلاكه هي الأخرى.

أمّا في تونس، فإننا للأسف لا نشذ عن هذا، فالنظام التونسي راهن منذ عهده البورقيبي على تدجين الشعب من خلال الهيمنة على كل وسائل الإعلام والفضاءات الثقافية وتسخيرها لخدمة رهاناته السياسية والاقتصادية، فالأدب الملتزم ممنوع من النشر والتوزيع هذا إن سمح له بالإنتاج أصلا، والسينما والمسرح الهادفان محرومان من الدعم المادي إضافة للدعاية والإشهار وجملة التضييقات التي يتعرّض لها المبدع عبر قانون الرقابة.

وفي مقابل ذلك ترزح الأحزاب والتيارات السياسية تحت نير القمع والملاحقة وهي عاجزة عن أداء دورها لفكري علاوة عن دورها السياسي والنقابي ولا نحتاج جهدا كبيرا إذا ما نظرنا في الواقع السياسي لنلاحظ الأزمة الكمية والنوعية للمعارضة الديمقراطية في تونس، والتي أضحى منتوجها يقتصر على البيانات وبعض الكراريس السياسية الموجهة، أمّا الجانب الثقافي وعلى أهميته لا يعدو أن يتواجد في برنامج هذا الحزب وخطاب ذلك التيار.

إذا ما خصصنا أكثر لنتحدث عن الفضاء الجامعي، وجب علينا ربط عزوف الطلبة عن النشاط الثقافي كذلك بأزمة الاتحاد العام لطلبة تونس الذي ينشط في ظروف صعبة فأمينه العام محكوم بسبعة أشهر سجنا ومناضلو منوبة الثمانية عشر لا زالوا يقبعون خلف القضبان، والمنظمة محرومة من إنجاز مؤتمرها ممّا يجعلها عاجزة عن لعب دورها الطلائعي وتحمّل مسؤولياتها في الارتقاء بالوعي والذوق الطلابي والقطع مع الثقافة الاستهلاكية، زد على ذلك فإن اتحاد الطلبة محروم من حقه المشروع في التمويل العمومي ومن حقه في ميزانية النشاط الثقافي التي غالبا ما يتحصل عليها بعد احتجاجات وإعتصامات.

إجمالا إذا فهمنا فهما علميا أيّ ظاهرة نصبح نظريا قادرين على حلها، لكن الدافع الحقيقي لكل حلّ علمي هو الإرادة الصادقة فعلى الجميع هنا قطريا، قوميا وأمميا تحمّل مسؤولياته إزاء الأزمة الثقافية الخانقة، أمام هجوم سافر من القوى الامبريالية للتي تبحث عن صنع إنسان/آلة عاجز عن التفكير والإبداع، فالمتسبب الأول في هذه الأزمة، كما هو الحال اقتصاديا وسياسيا هو النظام النيوليبرالي المهيمن.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني