الصفحة الأساسية > بديل الشباب > حركة ماي 68... ماذا بقي منها؟
حركة ماي 68... ماذا بقي منها؟
أيار (مايو) 2010

« il faut liquider l’héritage de Mai 68 » هذه الجملة استعملها الرئيس الفرنسي الحالي "ساركوزي" في حملته الانتخابية ضد مرشحة "اليسار". وكان ذلك أثناء حديثه عن الاحتجاجات التي عرفتها الأحياء الفقيرة في فرنسا قبيل انتخابه رئيسا لفرنسا والتي وصف فيها المحتجين بأوصاف بذيئة.

1 - ماي 68... الأحداث

لم تكن أحداث ماي 68 وليدة الصدفة أو نتيجة رغبة ذاتية لبعض الشباب الطلابي في الاحتجاج، بل كان نتيجة موضوعية أفرزتها أزمة حادة بات يتخبط فيها المجتمع الفرنسي عامة عُرفت بما يسمى بـ"ترهّل العالم القديم". وكان المقصود منه تهافت النموذج الرأسمالي الذي لم يقنع الجماهير بطروحاته الاقتصادية والسياسية رغم مرحلة الانتعاشة النسبية التي عرفتها أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد اشتد الهجوم على الطبقة العاملة، وما انفكت البرجوازية تتراجع حتى عن المكاسب التي ظفرت بها الطبقة العاملة بعد نضال طويل ومرير. وطبيعي جدا أن تكون لذلك انعكاسات مباشرة على فئة الطلاب الذين ينحدرون من أوساط عمالية أو برجوازية صغيرة.

كما بدأت الدولة الفرنسية تتخلى في تطبيقها للسياسة التعليمية شيئا فشيئا عن دورها الاجتماعي أمام جنوحها نحو تفريخ خريج جامعي تتماشى مؤهلاته ومتطلبات السوق. وفي ما يخص هذه الفئة كذلك، عمل ديغول على ضرب حقها في الاحتجاج نظرا للدور الذي لعبه الطلاب والمثقفون عامة في التنديد بجرائم استعمار الجزائر وبالقضايا التحررية خاصة التدخل الفرنسي في الفيتنام ثم الأمريكي، بعد ذلك بسنوات.

لقد شهدت فترة النصف الثاني من الستينات، أوج الوعي الطلابي والتهاب موجات الاحتجاج على مستوى عالمي، خاصة الاحتجاجات العارمة لطلاب الولايات المتحدة سنة 1967 وكذلك انتفاضة الطلاب التشيكيين، أو ما عرف بـ"ربيع الطلاب".

إن ما يفسر اتساع رقعة الاحتجاج الطلابي هو سقوط كل الأوهام عن البديل الرأسمالي وعجزه عن مواكبة آمال الشعوب نحو التقدم والاستقرار والإبداع. إلى جانب دخول البديل الاشتراكي منذ وفاة ستالين مرحلة ركود بعد اتخاذه منحى تحريفي وكف أن يقدم بالنجاعة الدفع نحو التحرر والانعتاق من ربقة الاستغلال والاضطهاد.

جدير بالذكر بأن أحداث ماي 68، إلى جانب ما لها من عمق وأسباب موضوعية، فإن لها من الأسباب المباشرة ما عجل بها، وهي بالأساس تلك المتمثلة في أحداث مارس 68 التي عرفتها الجامعة الفرنسية والتي أغلقت بموجبها الجامعة لمدة أسابيع، ثم باستئناف مجالس التأديب التي نظرت في ملفات بعض نشطاء اتحاد الطلاب الذين كانوا بالأساس من الشباب الطلابي اليساري من الذين كسبوا مصداقية كبيرة وكانوا خير معبر عن مآل الجامعة الفرنسية والمجتمع كله عامة. لقد كان قرار طرد بعض الشطاء بمثابة الفتيل الذي أشعل وعسر فيما بعد إطفاءه.

انطلقت شرارة الاحتجاجات منذ ماي 1968 بالحي اللاتيني ثم التحقت بها من الغد جامعة "نانت" (حديثة النشأة) لتدخل كل المعاهد والجامعات في موجة الانتفاض، متصدية بكل بسالة لقوات حفظ الأمن وفرق التدخل، ولم تثنهم سياسة القمع عن المضي صوبا نحو توسيع رقعة الاحتجاج مما جلب لهم تعاطف جماهير الشعب التي فتحت أبواب منازلها للأعداد الغفيرة من الفارين من هراوات البوليس وقنابله المسيلة للدموع.

إن تعنت نظام ديغول عن تفهم مطالب الطلاب وهروبه إلى الأمام فتح باب الانتفاض على مصراعيه أمام فئات وطبقات أخرى، والتي كانت بحكم أوضاعها المزرية واشتداد الهجمة عليها بحاجة لمن يقودها. لقد كانت الطبقة العاملة في أمسّ الحاجة لهذه الأوضاع حتى تبرهن عن قدرتها عن المضي قدما بالحركة، خاصة أمام هجوم رأسمال وسيادة سياسة الوفاق التي رسختها القيادات العمالية النقابية، في الوقت الذي كان فيه أهم تيار سياسي (الحزب الشيوعي الفرنسي) يسلك نهج التوافق الإصلاحي مع البرجوازية. لذك كان دخولها حركة ماي 68، منعرجا حاسما حيث أعلن الإضراب العام يوم 13 ماي، وكان الشعار المركزي والرئيسي الذي رفعته :"من أجل حكومة شعبية، 10 سنوات تكفي!" وهو تلخيص لجوهر قضيتهم التي تتناقض مع النظام الديغولي السائد منذ 1958 على رأس السلطة وعزم على التصدي له عبر مسيرات مليونية متواصلة أبدع فيها المنتفضون أشكال عديدة من الكتابة على الجدران إلى الاعتصام المفتوح، إلى نصب المتاريس والاستبسال في المواجهة مع تشكيلات الأمن ومددها.

وعلى امتداد أكثر من شهر ظل الشباب الطلابي يصول ويجول بأهم مدن فرنسا مستغلا فرصة التضامن الأممي الكبير لحركته ليعطي الدليل الملموس عما يختزنه من طاقة خلاقة ومن ثقة في إمكانياته وفي قناعاته، ومن قدرة على ترجيح ميزان القوة لفائدته.

2 - دروس وعبر

لقد مثلت انتفاضة الطلاب الفرنسية وما عرف بحركة ماي 68، إلى جانب انتفاضات الشباب التشيكي والأمريكي أهم المحطات المنيرة التي خطها الشباب المثقف ضد جهاز الدعاية الكاذب للرأسمالية ولأصنام استعباد الإنسان مهما كانت الأغلفة التي تتغلف بها.

وباعتبار أن كل حدث له ما يفسره في الواقع ويخضع لمبدأ التأثر والتأثير، فإنه جدير بالإقرار بأن هذه الحركة اتسعت رقعتها على مستوى عالمي، وكان لها صدى في عديد الدول العربية وانخرط فيها الشباب الطلابي التونسي خاصة منذ بروز طليعة سياسية مستنيرة بالأدب الماركسي ترفض الهيمنة الامبريالية على الشعوب الفقيرة، ووعت بضرورة لعب منظمتها الطلابية (الاتحاد العام لطلبة تونس) دورا متقدما في رفض سياسة الاحتواء التي طبقها بورقيبة تجاه "المنظمات القومية" وكذلك وعيا برجعية سياسته المملاة من دوائر القرار الأمريكي والفرنسي. وهو ما جسدته في حركات الاحتجاج التي نفذتها سنة 1967 احتجاجا على زيارة وزير الخارجية الأمريكي وتضامنها مع طلبة فرنسا 68، وهو ما راكم إيجابيا لبروز وعي مواز رافض لخيار وتوجهات بورقيبة وانخرط في تشكيلات اليسار (آفاق، الشعلة، العامل التونسي). وكان لمحاكمات الآفاقيين سنة 69 الأثر الكبير في اتساع الهوة مع بورقيبة ومع أنصاره وحلفائه، وهو وعي أنتج حركة فيفري 1972 المجيدة التي رسمت هوية الاتحاد العام لطلبة تونس كمنظمة نقابية مستقلة في قراراتها وتسييرها عن السلطة واعتبرت الحركة الطلابية جزء لا يتجزأ من الحركة الشعبية يدافع عن الحرية والديمقراطية والخبز والعدالة الاجتماعية وكذلك مدافعا عن كل القضايا الأممية العادلة.

إن ما يعطي لحركة ماي راهنيتها وأهميتها هي قدرتها على منازلة الأعداء الطبقيين لفئة الشباب عموما والمثقف بالخصوص، باعتبار أن السلطة، أي سلطة، تدافع عن الطبقة السائدة المالكة لوسائل الإنتاج ولمراكز القرار والنفوذ، وبرهنت كذلك عن قدرتها على الخلق والإبداع في مجال الاحتجاج والرفض، وأن تعطي النموذج والمثال لبقية الفئات والطبقات المحرومة وتنير لهم الطريق في أوقات العتمة.

إن الشباب الطلابي التونسي، هو سليل لحركة الشباب الطلابي العالمي ولما نسجه من قدرة فائقة إذا ما تحسس طريق خلاصه إلى المضيّ قدما في نهج الرفض والثورة، وهذا الطريق يبدأ عبر الاستماتة في تمسكه باتحاده الذي تحاك ضده عديد المؤامرات بدأ بتشتيت هياكله وزرع الوهم والاختراق في صفوف الناشطين في صلبه وكذلك عبر دعم الخلافات الثانوية والجانبية وإبرازها كرهان سياسي.

إن رسالة تاريخية تنتظر الشباب الطلابي حتى يسترجع منظمة متماسكة يتربّى في صلبها الطلبة على الديمقراطية وعلى النضال وعلى المبادئ التقدمية، حتى تنير بها شعبها وبقية الفئات، التلمذي منه، والعامل والمهمش، وحتى تمهد الطريق أمام الطبقة العاملة للمضيّ بقضيتها وقضية مجتمعها إلى النهاية من أجل الخبز والحرية والكرامة الوطنية.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني