الصفحة الأساسية > بديل الشباب > معهد الصحافة بين التطويع والتخريب
معهد الصحافة بين التطويع والتخريب
29 آذار (مارس) 2010

يعتبر معهد الصحافة وعلوم الأخبار التابع لجامعة منوبة، المعهد الوحيد في بلادنا الذي يتخرّج منه الصحفيون وتسند إليهم شهادة الأستاذية. وهو يدرّس كذلك الاتصال والطباعة والنشر. وقد تم بعث هذا المعهد بموجب قانون المالية المؤرخ في ديسمبر عام 1967. وتمّ إلحاقه بعد سنة من ذلك بكتابة الدولة للتربية القومية. ومنذ سنة 1973 أصبح مستقلا بذاته يؤمّن تكوينا إعلاميا مختصّا إلى جانب التكوين الجامعي في اللغات ومختلف مجالات الثقافة العامة. وتم إقرار نظام دراسي جديد منذ انطلاق السنة الجامعية 92-1993، فإلى جانب الأستاذية في الصحافة وعلوم الإخبار أصبح المعهد يسند أستاذية في علوم الاتصال. ويشمل التكوين جذعا مشتركا يدوم سنتين ويرتكز بالخصوص على تدريس اللغات ومواد الثقافة العامة ثم يتفرّع التكوين إلى شعبتين يطغى عليهما طابع الاختصاص في الصحافة وعلوم الاتصال.

وقد وقع التخلي عن هذه المقاربة البيداغوجية للتكوين منذ السنة الجامعية 2002-2003 وأصبح هذا التكوين يقوم على التدرّج البيداغوجي والتوازن بين مواد الثقافة العامة ومواد الاختصاص وعلى مزيد التفتح على المحيط المهني والتحكم في تكنولوجيات الاتصال. وتتوفر حاليا بالمعهد العديد من المراكز التكنولوجية لكنها غير مزوّدة بتجهيزات حديثة ومتطورة تواكب النهضة الإعلامية العالمية ممّا جعل طلبة المعهد يتذمرون من ضعف التكوين وخاصة في مجالات الإعلامية والأنترنيت والملتميديا وفنون الطباعة والنشر والصحافة الإلكترونية. بالإضافة إلى أن التجهيزات السمعية البصرية غير صالحة لتقديم تكوين جيّد وعصري إلى الطلبة فيوجد فقط استوديوهات الراديو مجهزة بمعدات قديمة جدا ولا تتلاءم مع المعدات الحديثة. أمّا أجهزة التسجيل المحمولة فعددها ثلاثة فقط!! يتداول عليها كل طلبة السنة الثالثة والرابعة وأضيف إليهم طلبة السنة الثانية نظام LMD. وهي أجهزة قديمة لم تعد مستعملة في أيّ فضاء إعلامي! أمّا الأستوديو فلا يستوعب إلا ثلاثة طلبة وهو لا يشبه الأستوديوهات الإذاعية العصرية بشهادة الأساتذة الذين يؤكدون دائما بأن الأستوديوهات الإذاعية والتلفزية الموجودة بالمعهد لا يوجد مثيل لها في العالم!! فأستوديو التلفزة لا يحتوي إلا على آلة تصوير وطاولتين وميكروفونات قديمة وديكور بائس... أما مخبر التصوير الشمسي فهو لا يحتوي إلا على ثلاثة آلات تصوير شمسي!!

ورغم ذلك فإن الدعاية الرسمية تقول بأن "كل شيء على ما يرام في هذا المعهد" خاصة بعد "تعميم استعمال التكنولوجيا الرقمية في الإذاعة والتلفزة والتصوير الشمسي"، وهي تدعي أيضا أن الأشغال الصحفية للطلبة أصبحت "يسيرة" بفضل "الربط الإلكتروني" للمعهد مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء للتزوّد بالبرقيات الإخبارية الوطنية والعالمية. وكل هذه الدعايات عارية من الصحة. أمّا الأنترنيت فإنها تخضع إلى رقابة مضاعفة باعتبار وأن لكل طالب "رقم سري" يسنده له مركز الخوارزمي حتى يتمكن البوليس من مراقبة "تنقلات" الطلبة داخل الأنترنيت.

كل هذه المعطيات بالإضافة إلى ضعف كفاءة بعض الأساتذة وهو ما يقر به بعض القدماء منهم جعل خرّيجي هذا المعهد في مستوى متدني. والأخطر من ذلك أن بعض قدماء المعهد أطلقوا صيحة فزع بخصوص تدني مستوى التكوين وانحطاط مستوى الطلبة الذين من المفترض أنهم صحفيون سيعززون المشهد الإعلامي التونسي المتخلف حاليا. وذهب بعض قدماء المعهد من الأساتذة إلى المطالبة بإغلاقه بما أنه غير قادر على تزويد المؤسسات الإعلامية بكفاءات محترفة. فمنذ سنوات لم نر وجوها إعلامية مختصة لها كفاءة عالية في الإعلام التونسي أو العربي أو الدولي مثل أولائك الذين نراهم في أكبر الفضائيات العربية أو الدولية والمؤسسات الكبرى المحلية والخارجية والذين تلقوا تكوينا بمهعد الصحافة في السابق. وحسب إحصائيات المعهد للسنة الدراسية 2006-2007 يوجد 267 طالبا مسجلا في السنة الرابعة اختصاص صحافة وعلوم أخبار وتخرّج منهم 200 بعد أن تجاوز الامتحان الكتابي 247، و111 طالبا مسجلا بالسنة الرابعة اختصاص اتصال تخرّج منهم 72 بعد أن اجتاز الكتابي 100، و26 طالبا مسجلا اختصاص طباعة ونشر سنة التخرّج. وهي نفس الإحصائيات المسجلة تقريبا في السنة الجامعية 2007-2008. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا كان مصير هؤلاء المتخرجين؟ فلا نرى على الساحة الإعلامية إلا قلة تعدّ على أصابع اليد ينشطون في بعض المؤسسات الإعلامية المستقلة (جرائد المعارضة...) والبعض الآخر يقع انتدابهم من طرف الصحافة الرسمية. وبالإضافة إلى مستواهم المتواضع الذي لا يساهم إلا في تخلف وتصحّر الإعلام التونسي فهم محرومون من حقوقهم المهنية والمادية.

من جهة أخرى وقع إدراج النظام الجديد (LMD) بمعهد الصحافة وستتخرّج أول دفعة من صحافيي هذا النظام السنة الجامعية المقبلة. ويبلغ عدد الطلبة الجدد بالمعهد سنة 2009-2010 60 طالبا يدرس الإجازة الأساسية في علوم الإعلام والاتصال و54 طالبا يدرس الإجازة التطبيقية في الصحافة والاتصال. وقد يزيد هذا النظام طين الصحافة بلة. فحسب الأساتذة والطلبة لا يمكن أن يقدم هذا التكوين الجديد للساحة الإعلامية إلا أشباه صحفيين وهو ما تسعى إليه السلطة. لذلك لا يمكن أن تساهم وزارة الإشراف إلا في تخلف المعهد إداريا وبيداغوجيا وتكوينيا...

إن كل هذه المعطيات، تبيّن أنه ما من فرصة لتغيير الأوضاع بهذا المعهد الذي يعتبر المعهد الوحيد المختص في تكوين الإعلاميين في تونس، إلا بطرح سبل تطويره على المستوى الكمّي والنوعي (برامج، وسائل عمل، إطار تدريسي مختص...) وهذا لن يتم إلا بتدخل من الأساتذة الأكفاء في الميدان وتشريك ممثلي الطلبة في ذلك والانفتاح على مكوّنات المجتمع المدني القادرة على إفادة المعهد (دورات تكوينية...). والأكيد أن الطلبة وممثليهم بمقدورهم تقديم الإضافة في هذا المستوى. فإذا كنا نتحدث عن تدني وعيهم مثلهم مثل عموم الطلبة، فإن عملا كبيرا على المستويات النقابية والثقافية وجب القيام به في صفوف طلبة الصحافة، حتى يكون العمل النقابي والسياسي رديفا للتكوين الأكاديمي، وبهذا نجد طالبا صحفيا مهتما بالشأن العام ومتحملا مسؤوليته في الدفاع عن حرية الإعلام ومنخرطا في النضال من أجل القضايا التي تهم الشعب التونسي.

كما أن تغيير أساليب العمل في الاتصال بالطلبة وتطويرها، إلى جانب إرساء علاقات جيدة ومفيدة مع الأساتذة ونقابتهم والعمل المشترك معهم هو عمل لا بد منه.



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني