الصفحة الأساسية > بديل المرأة > مائة سنة عن إعلان 8 مــارس يـوما عالميا للمــرأة !
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان – فرع رادس – الزهراء- حمام الأنف:
مائة سنة عن إعلان 8 مــارس يـوما عالميا للمــرأة !
8 آذار (مارس) 2010

لا تتـوفـر حقـوق الإنسـان في مجتمـع مـا، ما لم تتحقق فيه المساواة التـامة والفعليـة بين المـــرأة والرجـــل!

ولهـنّ التحيّـة في عيـــــدهنّ!

وَلِأنَّ حقوق المرأة من حقوق الإنسان فنحن ككل المؤمنين بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان والمدافعين عن الحقوق، كل الحقوق لكل الناس، منخرطون بصفة مبدئية في النضال من أجل دعم مكاسب الحركة النسائية وتطويرها على درب المزيد من فرض الحقوق حتى المساواة التامة والفعلية بين الرجل والمرأة.

لقد عانت المرأة في مجتمعات البشرية قاطبة من نير المجتمع الرجولي طوال عهود ولم تتشكل حركة نسائية منظمة وواعية وعالمية إلا منذ قرن. وتوافق هذه السنة الذكرى المئوية لمؤتمر "كوبنهاغ" سنة 1910 الذي تمّ فيه الإعلان عن: "8 مارس يوما عالميا للمرأة". كما وقع انتخاب كلارا زتكين سكرتيرة فجعلت من صحيفة "المساواة" لسان حال الحركة النسائية العالمية بصفة رسمية

وقد سبق وأن التئم سنة 1907 أول مؤتمر دولي نسائي بـ"شتوتقرت" (بألمانيا) من أجل المطالبة بحقوق المرأة، إنّه المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات المنعقد بفضل جهود مناضلات اشتراكيات وأشهرهن الصحفية الألمانية "كلارا زتكين".

وفي مارس 1911 تظاهرت مليون امرأة في أوروبا للمطالبة بالحقوق (10 ساعات عمل... أجور مساوية لأجور الرجال... حق الانتخاب والترشح...)

وفي مارس 1913 عقدت النساء الروسيات اجتماعات سرية.

وفي 8 مارس 1914 الألمانيات يطالبن بحق الانتخاب.

وفي 8 مارس 1915 دافعت النساء في "أسلو" عن الحقوق وطالبن بالسلام.

وفي 8 مارس 1917 تظاهرت النساء في "سان بيترزبورغ" للمطالبة بالخبز وبعودة الرجال من الجبهة.

وفي 8 مارس 1921 أعلن لينين يوم 8 مارس يوم المرأة.

وأمام المدّ الذي شهدته الحركة النسائية في ستينات وسبعينات القرن الماضي في كافة أنحاء المعمورة أعلنت الأمم المتحدة سنة 1977 "يوم 8 مارس" يوما عالميا للمرأة.

أما فرنسا فلقد تبنت "8 مارس" سنة 1982 أي بعد صعود ا الحزب الاشتراكي دفة الحكم.

وفي بلادنا كان الطاهر الحداد، رفيق محمد علي الحامي، رائدا في طرح قضية المرأة ومواجهة الثقافة التقليدية والأفكار الرجعية المتسترة بالدين والمتحصنة بالمؤسسة الزيتونية وإدارة الباي ودفع غاليا من أجل نضاله وإيمانه العميق بحقوق المرأة ومساواتها للرجل وبدعوته لبناء مجتمع جديد يقوم على الجنسين معا، إذ تمّ سحب شهائده العلمية ومنعه من العمل والتضييق عليه من كل النواحي فعانى من المرض والعزلة... ومات في الفقر والحرمان.

ولكنّ أفكاره لم تمت.

فالمرأة التونسية نهضت لتعانق مبادئ الحرية والمساواة ولتطالب بحقوقها فشهدت البلاد ظهور عديد المنظمات النسائية. والشعب التونسي التواق إلى الحرية والمتعلّق بمبادئ المساواة والأخوة والطامح إلى الحداثة والعدالة الاجتماعية أفرز حركة شعبية واسعة مساندة للمرأة وداعمة لتوقها للتحرر ولئن كانت معركة السفور أولى تمظهرات ذلك المخاض الاجتماعي فإن المعركة من أجل تعليم البنات كانت ذات أهمية قصوى. وفعلا بدأت المدارس تشهد إقبالا في صفوف البنات متزيدا باطراد وخاصة بعد الحرب الثانية، وتراجع موقف التحريم والمنع الذي كان سائدا.

وبعد أن أحرزت البلاد استقلالها السياسي كانت مجلة الأحوال الشخصية تجسيدا عمليا لمطمح من طموحات المرأة التونسية. ثمّ انتشرت المدارس تلبية لمطمح آخر لا يقلّ أهمية بل اعتبر من وسائل فتح المجال لتحرير المرأة فانفتحت بذلك أبواب الشغل على مصراعيها أمام المرأة التونسية الجديدة وبدأت تظهر إلى جانب الرجل في شتى الميادين والقطاعات والساحات.

وأمام هذا الحراك الاجتماعي الجديد ظهرت ثلاثة مواقف إزاء قضية المرأة:

الموقف الأول: من أجل المساواة التامة والفعلية.

وهو الموقف الداعي إلى تدعيم مكاسب المرأة وتطويرها من أجل الوصول إلى المساواة التامة والفعلية بين الجنسين لذلك عمل أنصار هذا الموقف على نشر ثقافة المساواة بين الجنسين وبث الوعي الاجتماعي حتى تحقق المرأة مكانتها وتحتل موقعها الطبيعي في المجتمع. وكان ذلك بإحياء التظاهرات وعقد الندوات وإلقاء المحاضرات وعرض الأفلام وتقديم المسرحيات وأحياء الأمسيات الشعرية وإقامة الحفلات الموسيقية وإنجاز النشريات وتنظيم معارض للكتب المختصة في الموضوع... كل من موقعه أو بتنظيم أنشطة مشتركة في مناسبات عديدة أولاها الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس كل سنة. فنشأت بذلك حركية ثقافية اجتماعية كانت خير درع يقي المرأة والمجتمع من رياح الردّة.

وقد كرست هذا الموقف مكونات المجتمع المدني والسياسي التي شهدت أوج نشاطها وإشعاعها في السبعينات والثمانينات خاصة ونذكر على سبيل المثال:

- نادي 8 مارس لدراسة قضية المرأة بدار الثقافة الطاهر الحداد بتونس.
- نوادي "8 مارس" التي تركزت بدور الثقافة بعديد الجهات داخل البلاد.
- جامعتي نوادي السينما والسينمائيين الهواة.
- جمعية نساء ديمقراطيات.
- الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
- منظمة العفو الدولية – فرع تونس –
- "لجان المرأة العاملة" بالاتحاد العم التونسي للشغل.
- المجموعات الموسيقية المعروفة بالتزامها بقضايا: المرأة والحرية والوطن والديمقراطية...
- الفرق المسرحية وجمعيات الهواة والمسرح الجهوي...
- النوادي الثقافية العديدة والمتنوعة بدور الثقافة والشباب على غرار: نادي الأدب - نادي الدراسات - نادي الفكر - نادي علم الاجتماع - نادي الشعر - نادي القصة...
- الحركة الطلابية في إطار الاتحاد العام لطلبة تونس.
- الصحف والمجلات المستقلة.
- الأحزاب والحركات والتيارات السياسية التقدمية واليسارية.

الموقف الثاني: الرجعية تمعن في إذلال المرأة.

بعد الستينات، وتبعا لعدة أسباب لعل من أهمها: بداية التحولات الاجتماعية السريعة والعنيفة وظهور هرم اجتماعي جديد ومع الانهيار السريع لسلم القيم القديم بالتوازي مع انتقال أغلب السكان من الريف إلى المدينة وظهور حياة جديدة ومشاكل جديدة وقضايا جديدة في مجتمع جديد دون الاستعداد لكلّ تلك التحوّلات بقيم ومفاهيم ومؤسسات جديدة ظهرت حركة الردّة كردّ فعل انتكاسي مؤسس على الخوف من الجديد الذي بصدد التشكل بصعوبات شتّى وأوجاع متنوعة وراحت هذه الردّة تستحضر صورة من الماضي السحيق المبهم وتجمّلها بأوهام المحرومين حتّى تقدّم بؤس التنظيم الأسري والنظام الاجتماعي والسياسي للعهد الاقطاعي على أنّه جنّة ضائعة لا بدّ من استرجاعها.

ولقد وجدت حركة الردّة هذه في لجم الحريات والتضييق على المنظمات والجمعيات والأحزاب مناخا ملائما لها لتعشش في كلّ جيوب الجهل والأمية والفقر والتخلف... ولقد راهنت عليها السلطة فدعمتها لمواجهة المدّ الديمقراطي التقدمي خلال السبعينات والثمانينات خاصة... كما لقيت دعما متعدد الأشكال وفي مختلف المناسبات من أقطاب الرجعية في العالم العربي والإسلامي...

فدعت إلى العودة إلى الثقافة التقليدية، إلى المجتمع القديم، إلى العلاقات القديمة موظفة الدين لإضفاء طابع القدسية على المشروع الاستبدادي وقد جعلت من المرأة ضحيتها الأولى، ضحيتها المفضلة، فدعت خاصة إلى:

- عودة المرأة إلى "مكانها الطبيعي: البيت". وتسخيرها لخدمة الزوج والأبناء، وتحميل النساء مسؤولية البطالة في صفوف الشباب.
- منع الفتيات من مواصلة الدراسة بعد سن الثانية عشر (حسب بعض الاجتهادات).
- منع الفتيات من الخروج إلى العمل (بعض الاجتهادات تسمح لهنّ بالعمل في بعض القطاعات كالتعليم والصحّة – للعناية بالأطفال فقط -...)
- شن حملات ترهيب ضد النساء والفتيات بصفة خاصة لحملهنّ على وضع "الخمار". (من ذلك سلسلة الاعتداءات بماء الفرق)
- تنظيم حملات للمطالبة بالتخلي عن مجلة الأحوال الشخصية. وكمرحلة أولى: الدعوة للتراجع في مبدإ منع تعدد الزوجات والسماح بزوجة ثانية.

وفي السنوات الأخيرة تمحور الصراع حول "الخمار" بين الدعاة لـ"لزيّ الاسلامي" ولامرأة تُعتبر عورة وتُختزل في أداة متعة للرجل وآلة للإنجاب من ناحية أولى ومن ناحية ثانية السلطة التي تشنّ الحملات من حين لآخر ضد كل مرتديات "الخمار" باعتباره "لباسا طائفيا"، وقد اختزلت الخلاف في "المنشور 108" متوخية الحل الأمني، متجاهلة أن حركة الردّة والأفكار الرجعية والتعصب والظلامية والسلفية... لا تعشش إلاّ في كل فضاء تنعدم فيه الحريات وتلجّم فيه قوّة المنطق ويطلق فيه عنان منطق القوّة.

وبالمناسبة، وانطلاقا من إيماننا بمبادئ وقيم حقوق الإنسان فإنّنا، وإن كنّا نرفض النظرة الدونية للمرأة واعتبارها عورة وتكفينها بالحياة، فإنّنا لا نحجب حقّ اختيار اللباس على كلّ فتاة أو امرأة تختار أن تضع حجابا أو خمارا أو برقعا لأيّ سبب كان سواء كان بدافع ديني أو سياسي أو تقليدي أو بسبب الفقر! (أيْ نعم) أو لأسباب نفسية.. ونحن ندعو بالمناسبة أصحاب الاختصاص لدراسة الظاهرة والبحث في جذورها وملابساتها والعمل على فتح حوار اجتماعي- ثقافي-وطني مسؤول ومفتوح للجميع وعلى مدى طويل في قضية المرأة والمواضيع ذات الصلة حتّى نجنّب مجتمعنا هزّات وصراعات لا نجني من ورائها سوى البؤس والدمار والتخلف والاستبداد.

الموقف الثالث: لا شيء خارج دائرة السلطة.

إنّ السلطة تعتبر أنّ ما تحظى به المرأة التونسية من مكاسب ليس نتيجة تحوّلات اجتماعية ونضال روّاد وتمسّك طلائع المجتمع وتشكيلاته بحقوق المرأة... إنّما هو منّة منها، بل من رموزها، وأنّ وضعية المرأة التونسية مفخرة لها في المحافل الدولية – خاصة إذا قورنت بأخواتها العربيات – وبذلك يكون ما نالته سقفا ويبقى للسلطة، وحدها، وكلما أرادت، أن تعلن عن إجراء جديد لصالح المرأة كما ترتئيه هي.

لذلك توجد هوّة بين التشريعات والخطب والتصريحات من ناحية ومن ناحية ثانية واقع المرأة ومعاناتها اليومية بسبب استغلالها واضطهادها بصفة مضاعفة في مجتمع استغلالي وذكوري، داخل البيت وخارجه. فمجلة الأحوال الشخصية تواصل تكريسها لمفهوم المجتمع الذكوري في تنظيمها للأسرة ويبقى مطلب المساواة في الإرث مثلا بلا استجابة وتتواصل معاناة المرأة العاملة في القطاعات الهشة بصفة خاصة كالصناعات التصديرية والنسيج والقطاع الفلاحي حيث تتعرّض لاستغلال فاحش من ذلك مثلا أنّها تتقاضى في بعض القطاعات أجرا أقل من أجر الرجل مقابل مجهود أكبر...

بعبارة واحدة فإنّ السلطة لا تستغل وتضطهد المرأة فحسب بل تخنق قضيتها مدعية أنّ قضية المرأة لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل لها خارج دائرة السلطة.

وهكذا تجد المرأة التونسية نفسها "بين مطرقة السلطة وسندان السلفية".

فالنضال من أجل المساواة التامة والفعلية بين المرأة والرجل يستوجب النضال من أجل مجتمع تنبني فيه العلاقات بين كافة مواطنيه على أسس الحرية والمساواة والعدالة والأخوة والمحبة... فتحرير المرأة مرتبط ومرهون بتحرير الإنسان. وتحرير الإنسان مرتبط بتحرير المجتمع من نير الاستغلال والاضطهاد.

حمـــام الأنـــف مـــارس 2010

عن هيئة الفرع: الرئيــــــس
رضـا البركـاتي

ملاحظة

* نعتذر عن الإطالة... فلو رفع البوليس حصاره عن مقرات الرابطة التي يدفع المنخرطون معاليم كرائها ولو كانت أبواب الفضاءات العمومية مفتوحة للعموم... لساهمنا إلى جانب كل المناضلات والمناضلين في التعريف ب "8 مارس" ومبادئه وفي نشر الوعي الاجتماعي المشبع بمبادئ حقوق الانسان.
* ملاحــظة : لقد أعدنا بهذه المناسبة العظيمة نشر بيان 8 مارس 2007.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني