الصفحة الأساسية > كتب ومنشورات > البيان الشيوعي > من مقدمة انجلز للطبعة الألمانية لعام 1890
الفهرس
البيان الشيوعي
من مقدمة انجلز للطبعة الألمانية لعام 1890

[...]

عاش "البيان" حياة خاصة به، استقبلته عند صدوره طليعة الاشتراكية العلمية. وكانت إذ ذاك ما تزال قليلة العدد، بتحيات الحماسة (مثلما تشهد عليه الترجمات المذكورة في المقدمة الأولى)، ثم سرعان ما قذفت به الرجعية إلى مركز ثانوي عقب انكسار العمال الباريسيين في جوان 1848، وفي آخر الأمر أصبح "البيان" محرّما "بمقتضى القانون" عند صدور الحكم على شيوعيي كولونيا في نوفمبر 1852. ومع زوال حركة العمال التي قامت في ثورة فيفري عن مسرح الحياة الاجتماعية غاب "البيان" أيضا.

ولما استعادت الطبقة العاملة الأوروبية ما يكفي من القوى لمعاودة الهجوم ضد سلطة الطبقات السائدة، كان ميلاد الجمعية العالمية للشغيلة. وكان هدفها أن تصهر في جيش جرار واحد جميع القوى المناضلة من الطبقة العاملة الأوروبية والأمريكية. فلم يكن بوسعها إذن أن تنطلق مباشرة من المبادئ المعروضة في "البيان"، إذ كان عليها أن تضع برنامجا لا يقفل الباب أمام النقابات التريدينيونية الانكليزية ولا أمام البرودونيين الفرنسيين والبلجيكيين والايطاليين والاسبانيين، ولا أمام اللاساليين الألمان. وهذا البرنامج - الذي هو توطئة النظام الداخلي للأممية - وضعه ماركس بمهارة لم يتمالك حتى باكونين والفوضويون عن الاعتراف لها. وكان ماركس يعوّل كليّا في الانتصار النهائي للمبادئ الواردة بـ"البيان" على التطور الفكري للطبقة العاملة، الذي كان ينبغي أن يتمخّض عن النشاط المشترك والمناقشة. ولم يكن من الممكن أن تمرّ الحوادث وتقلبات النضال ضد رأس المال، والإندحارات أكثر من الانتصارات، دون أن تشعر المناضلين بأن كل علاجاتهم الشافية غير كافية، وتجعلهم يدركون إدراكا عميقا الشروط الحقيقية لتحرير العمال. وكان ماركس مُحِقّا فيما ذهب إليه، فإن الطبقة العاملة لعام 1874، بعد حلّ الأممية، كانت تختلف اختلافا كليا عن تلك التي كانت في عام 1864 عند تأسيس الأممية، فبرودونية البلدان اللاتينية واللاسالية المحض بألمانيا كانتا في دور الاحتضار، وحتى النقابات التردينيونية الانكليزية نفسها، المغرقة في المحافظة، كانت تقترب شيئا فشيئا من اللحظة التي كان يستطيع فيها رئيس مؤتمرها المنعقد بسوانسي عام 1887 أن يصرح باسمها: «إن الاشتراكية القارية لم تعد تخيفنا». إلا أن الاشتراكية في القارة الأوروبية كانت منذ 1887 مطابقة تمام المطابقة تقريبا للنظرية المصوغة في "البيان". وهكذا فان تاريخ "البيان" يعكس، إلى حدّ، تاريخ الحركة العمالية الحديثة منذ عام 1848. ولا ريب في أنه راهنا أوسع الآثار انتشارا وأكثر تآليف الأدب الاشتراكي أممية، بل البرنامج المشترك للملايين العديدة من العمال في جميع البلدان، من سيبيريا إلى كاليفورنيا.

ومع ذلك لم يكن في استطاعتنا أن نسمّيه عند صدوره بالبيان الاشتراكي، ففي 1847 كانت كلمة "الاشتراكية" هذه تضم نوعين من الناس: من جهة أتباع مختلف النظم الطوباوية، خصوصا "الأوينيون" في "انجلترا" و"الفورييريون" في فرنسا، وكانوا جميعا قد أصبحوا حلقات بسيطة محتضرة. ومن جهة أخرى المشعوذون الاجتماعيون من كل شاكلة وطراز، الذين كانوا يريدون بواسطة أكداس العلاجات وكل أنواح الترقيع والترميم، أن يمحوا البؤس الاجتماعي دون أن يصيبوا رأس المال والربح بأدنى ضرر. وفي كلتا الحالتين، كان هؤلاء جميعا يقفون خارج الحركة العمالية وينشُدون، بالأحرى، السند لدى الطبقات "المثقفة" وبعكس ذلك، كان هناك قسم من العمال مقتنع بعدم كفاية الانقلابات السياسية الصرف، ويسعى وراء تغيير المجتمع تغييرا جوهريا، وكان يسمي نفسه إذ ذاك شيوعيا. وكانت شيوعيتهم هذه غير مكتملة، شيوعية غريزية، فيها شيء من الخشونة أحيانا، إلا أنها كانت على درجة كافية من القوة لتكوين منهجين من الشيوعية الطوباوية: في فرنسا "إيكارية" كابي، وفي ألمانيا منهج ويتلينغ. كانت الاشتراكية تدل سنة 1847 على حركة بورجوازية، والشيوعية على حركة عمالية. وكانت للاشتراكية، في القارة الأوروبية على الأقل، مداخلها إلى المجتمع الراقي، أما الشيوعية فكان الأمر معها على عكس ذلك تماما. ولما كان رأينا الصريح الواضح منذ ذلك الحين أن «تحرير الطبقة العاملة لا يمكنه أن يكون إلاّ من صنع الطبقة العاملة نفسها»، لم يكن في استطاعتنا أن نتردد لحظة في الاسم الذي ينبغي لنا اختياره من بين الاسمين. ولم يخطر لنا قط منذ ذلك الوقت أن نتخلى عن هذه التسمية.

"يا عمال العالم اتحدوا!"، حينما ألقينا بهذه الكلمات في العالم لم يجاوبنا سوى بضعة أصوات فقط، وكان ذلك منذ اثنتين وأربعين سنة وكنا إذ ذاك على أعتاب الثورة الباريسية التي تقدمت أثناءها البروليتاريا بمطالبها الخاصة لأول مرة. ولكن لم يحن يوم 28 سبتمبر من سنة 1864 حتى كان العمال من أغلب بلدان أوروبا الغربية يتحدون ويؤلفون الجمعية العالمية للشغيلة، مجيدة الذكرى. ولم تعش الأممية نفسها سوى تسع سنوات. لكن التحالف الأبدي الذي أقامته بين عمال جميع البلدان، فلا أدلّ من يومنا هذا على أنه ما يزال قائما وأنه الآن أقوى منه في أي وقت مضى، ففي اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور تستعرض البروليتاريا الأوروبية والأمريكية قواها الكفاحية التي تتعبّـأ لأول مرة في جيش واحد، وتحت علم واحد، وراء هدف مباشر واحد، هو التحديد الشرعي ليوم العمل العادي بثماني ساعات، هذا اليوم الذي طالب به مؤتمر الأممية المنعقد في جينيف سنة 1866، وطالب به من جديد المؤتمر العمالي المنعقد في باريس سنة 1889. إنّ مشهد هذا اليوم سيبيّن للرأسماليين والملاكين العقاريين في كل البلدان أن عمال كل البلدان متّحدون الآن اتحادا حقيقيا فعليا.

ألا ليت ماركس إلى جاني ليرى بعينيه كل هذا!

فريدريك انجلز
لندن غرة ماي 1890


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني