الصفحة الأساسية > كتب ومنشورات > مرّة أخرى، حزب العمال وحقوق الإنسان (ملاحظات حول تقرير) > حزب الـعمال وحقوق الإنـسان (ردّ على انتقادات)
مرّة أخرى، حزب العمال وحقوق الإنسان (ملاحظات حول تقرير)
حزب الـعمال وحقوق الإنـسان (ردّ على انتقادات)

في كل مرة يتخذ فيها حزب العمال موقفا يتصل بحقوق الإنسان ويكون المعني بذلك عناصر تنتمي إلى "حركة النهضة" مثلما حصل في البيان الأخير الذي أمضيناه مع عدة أطراف ديمقراطية (أنظر "حقائق" بتاريخ 15 نوفمبر 1991) [1] نتعرض إلى الانتقاد من قبل بعض الأوساط "التقدمية". ويمكن حوصلة مضمون هذه الانتقادات في النقاط التالية :

1 - إنّ حزب العمال "يخدم" بموقف كهذا "حركة النهضة" حتى لو تعلق الأمر بحقوق الإنسان.

2 - إنّ "حركة النهضة" لو افتكّت السلطة لارتكبت أبشع الجرائم المنافية لحقوق الإنسان.

3 - إنّ موقف حزب العمال الرافض لحكم الإعدام ليس "موقف ماركسيا" وقد لا يكون نابعا عن قناعة مبدئية.

وردّا على هذه الانتقادات نقدم الملاحظات التالية :

1 - الدفاع عن حقوق الإنسان بثبات وتماسك

فيما يتعلق بالنقطة الأولى نردّ على منتقدينا بالقول إن لحزب العمال موقفا مبدئيا من حقوق الإنسان لا يتكيف بالظروف أو بالانتماء الفكري والسياسي والتنظيمي لضحايا الانتهاكات. فنحن ندافع عن حقوق الإنسان دون ميز أو استثناء وبنفس الالتزام والحماسة في كل الحالات وذلك لعدة أسباب منها ما هو مبدئي عامّ ومنها ما هو سياسي. فبالنسبة إلى ما هو مبدئي، نحن نعتبر مثلا أن "العصا" (كرمز للتعذيب) هي "العصا"، موجعة ومهينة سواء كان الضحية شيوعيا أو قوميا أو ليبراليا أو "إسلاميا" أو حتى إرهابيا. وبالتالي لا يمكن رفضها في حالات وقبولها في حالات أخرى، رفضها عندما يتعلق الأمر بالذات أو الصديق أو الحليف، وقبولها والصمت عليها عندما يكون الضحية خصما أو عدوّا أو عندما تقتضي ذلك بعض "المصالح السياسوية". فهذه المواقف غير ثابتة وغير متماسكة بل غارقة في الانتهازية ولا يمكن الاطمئنان إلى صاحبها في المعارك الديمقراطية الحاسمة.

أمّا بالنسبة إلى ما هو سياسي فنحن نعتبر أنّ المستفيد الوحيد من أيّ موقف انتهازي في التعامل مع قضية حقوق الإنسان، هو منتهكها الذي يهمه أن يتواطأ معه كل مرة طرف ضدّ طرف آخر، بالصمت على تلك الإنتهاكات أو بمساندتها على المكشوف مقابل وعد أو صفقة مما يديم في عمرها وفي العمر السياسي لمرتكبيها، علما وأن من يسكت اليوم على انتهاكات حقوق الإنسان بدافع انتهازي قد يأتي دوره لاحقا ويتعرض إلى نفس الإنتهاكات. فعندما يمارس التعذيب مثلا ضد طرف ليس ثمة ما يمنع ممارسته ضدّ أي طرف آخر، بل إن ذلك هو الحاصل عامة والمسألة مسألة ظرف وتوقيت.

إن الدفاع الصارم والمبدئي عن حقوق الانسان دون ميز أو استثناء هو موقف الديمقراطي الحقيقي الثابت والمتماسك الذي لا يحسب أي حساب سياسوي عندما يقف أمام أي انتهاك لتلك الحقوق فيدينه بشدة مهما كان المنتهك ومهما كان الضحية. ومثل هذا الموقف لا يستفيد منه حزب أو اتجاه فكري أو سياسي معيّن بل الشعب بأسره الذي يرتقي إلى مرتبة أعلى من المدنية والتحضر وحتى من الإنسانية تجعله متيقظا باستمرار حيال كل سلوك أو ممارسة وحشية وبربرية فيقاومها بلا هوادة. وهذا ما يرمي إليه حزب العمال الذي لا يمكن لأحد أن يتهمه بالتواطؤ إن فكريا أو سياسيا أو عمليا مع "حركة النهضة" بل نحن الذين يحق لنا أن نتهم، نتهم أشباه المثقفين والتقدميين والديمقراطيين الذين يدخلون اليوم في جحورهم جبنا أو دفاعا عن مصلحة أو يتواطؤون صراحة ولا يرفعون أصواتهم ضدّ انتهاكات حقوق الإنسان.

2 - الدفاع المبدئي عن حقوق الإنسان يحصّن الشعب من "النهضة"

أمّا فيما يتعلّق بالنقطة الثانية فإن حزب العمال يعتبر أن الدفاع اليوم عن حقوق الإنسان حتى لو تعلّق الأمر بـ"حركة النهضة"، من أجل فرض احترام تلك الحقوق على السلطات المعنية وترسيخها في أذهان المواطنين وإدماجها ضمن ثقافتهم وتقاليدهم اليومية هو نوع من التحصّن من "حركة النهضة" ذاتها ومن كل التيارات الظلامية والفاشية. فالشعب الذي تترسخ في ذهنه وفي تقاليده قيم المساواة واحترام الذات البشرية وحرية المعتقد والتفكير والتعبير إلخ... ونبذ الميز بسبب العرق أو الجنس أو الدين، لا يمكن أن يقبل بأي حال من الأحول بالجور والظلم إلى ما لا نهاية ولا أن يحكمه مستقبلا نظام كالذي تعمل على إرسائه "حركة النهضة"، نظام تيوقراطي متغطرس. وحتى إذا مكنت بعض الظروف الاستثنائية هذه الحركة من افتكاك السلطة فإنها لن تعمّر طويلا، بل ستقوم في وجهها معارضة قوية. وبالمقابل فعندما لا تكون تلك القيم راسخة في ذهن الشعب وداخلة في ثقافته وتقاليده اليومية، فإنّ مغالطته تكون أسهل من قبل أعداء الديمقراطية بمختلف ألوانهم ويمكن أن تمرّر إليه أبشع الممارسات باسم الدين، تماما مثلما يجري في بعض البلدان التي يصفقون فيها كلما انتهى الجلاد من فعلته الشنيعة، ظنّا منهم انه ينفذ "حكم الله"!!! وفوق كل هذا متى كانت الوحشية تبرّر استخدام الوحشية.

إن أحسن خدمة تقدم لـ"حركة النهضة" هو صمت القوى الديمقراطية على انتهاكات حقوق الإنسان حتى لو كان المتضرر منها أتباع هذه الحركة. فبالاضافة إلى استغلالهم لهذه الانتهاكات للمزايدة السياسية –وهذا حاصل اليوم (الظهور بمظهر الضحية المدافع عن حقوق الإنسان، اتهام القوى الديمقراطية بالتواطؤ مع السلطة إلخ...) فإنهم سيجدون دائما تربة خصبة لتوسيع نفوذهم وسط الجماهير الشعبية وتضليلها باسم الدين لتخلف وعيها السياسي وبالخصوص وعيها الديمقراطي. وهكذا فإنّ التزام القوى الديمقراطية والثورية بالدفاع المتماسك عن حقوق الإنسان ليس لها فيه كسب على حساب السلطة الحاكمة فقط، بل وعلى حساب "حركة النهضة"، أيضا وكل قوة أخرى معادية للديمقراطية تحلم بافتكاك مقاليد السلطة، لأن مثل هذا الموقف يرتقي بوعي الشعب ويحصّنه من المغالطة والتضليل.

وخلاصة القول ان كون "حركة النهضة" سترتكب أبشع الجرائم المنافية لحقوق الإنسان إذا افتكت الحكم، لا يمثل البتة ذريعة للصمت على ما يتعرض له أتباعها من انتهاكات لحقوق الإنسان، ليس خدمة لهم، بل بالعكس خدمة للشعب، ودرءا لخطرهم المحدق به وبالمجتمع بأسره.

3 - نريد وضع حدّ لمهنة الجلاّد

وفي خصوص النقطة الثالثة المتعلقة بحكم الإعدام، فنحن تؤكّد أيضا أن هدفنا هو وضع حدّ لمهنة الجلاد (Le Bourreau) هذه المهنة التي لئن دلّت على شيء فعلى أن الإنسانية لم تقطع نهائيا مع الوحشية والبربرية المتجسدتين في الانتقام باسم "الجماعة" –الذي يمثله حكم الإعدام- من مجرم حقيقي أو وهمي (كما هو الحال في معظم القضايا السياسية) ببرودة دم منقطعة النظير بدعوى إصلاح حال المجتمع بإعطاء الدروس لـ"المجرمين" المحتملين. إن المجتمع الذي يريد فعلا إصلاح أوضاعه، عليه أن يبدأ بحلّ مشاكله الاقتصادية والسياسية والثقـافية لتوفير العدل والمسـاواة، وتفتيق الطاقات الخيرة الكامنة في الإنسـان المتوازن وإعطاء الأولوية المطلقة للإصلاح على الانتقام، ممّا يقضي على أسس الإجرام ولو بشكل تدريجي ومضن.

وبالإضافة إلى ذلك فإن جميع الإحصائيات، وخاصة منها تلك التي نشرتها منظمة العفو الدولية، تبين بما لا يدع أي مجال للشك بأن ضحايا حكم الإعدام هم في معظمهم من الطبقات والفئات المضطهدة أي أنهم من الفقراء أو من الأقليات العرقية والقومية أو من الشعوب والأمم المضطهدة.

وهكذا فإن مختلف العوامل المبدئية منها والسياسية تجعلنا نعارض التيار ونناهض حكم الإعدام ونطالب بإزالته من القوانين التونسية ولا نسقط في أي حسابات انتهازية خوفا من الاتهام بمعارضة "الشريعة" أو الرّأي العام. إنّ الحسابات الضيقة في مجال الحريات وحقوق الإنسان لا تنجرّ عنها إلاّ المصائب لعلّ أهمّها بقاء مجتمعنا متخلّفا. وموقفنا هذا من الإعدام هو موقف ماركسي لأنّ الاشتراكية العلمية نظرية تطفح بالإنسانية الحقّة بقطع النظر عن بعض تطبيقاتها في بعض البلدان والتي لنا فيها رأي.

هذه على العموم بعض الأفكار التي أردنا أن نسجلها بعجالة بعد الانتقادات التي وصلتنا أكثر من مرّة بمناسبة اتّخاذنا لمواقف ندين فيها ممارسات لا إنسانية كان ضحيتها عناصر تنتمي إلى "حركة النهضة" أو غيرها من التيارات الدينية.

تــونس في 19 نوفمبر 1991.

هوامش

[1ورد بمجلة "حقائق" في ركن "في الكواليس" الخبر التالي : "أصدرت مجموعة من المثقفين بلاغا يرفضون فيه مبدأ حكم الإعدام، والممارسات المنافية لحقوق الإنسان وحرمة الجسد وينادون بإلغاء الإعدام من تونس. ومن بين الممضين جلول عزونة وحمة الهمامي وحمد الطاهر الشايب ومحمد الكيلاني ونوفل الزيادي وعبد الرحمان الهذيلي ومختار الطريفي وصدري الخياري وعلي رمضان وصالح الحمزاوي وعمر المستيري وراضية النصراوي." (حقائق عدد323 –ص 4- من 15/11 إلى 21/11/1991)


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني