الصفحة الأساسية > كتب ومنشورات > بمناسبة المهزلة الانتخابية أكتوبر ‏‏2004‏ - مشروع وثيقة: من أجل بديل ديمقراطي (...) > 17 سنة من حكم بن علي: دكتاتورية، استغلال، فساد وعمالة
بمناسبة المهزلة الانتخابية أكتوبر ‏‏2004‏ - مشروع وثيقة: من أجل بديل ديمقراطي وشعبي
17 سنة من حكم بن علي: دكتاتورية، استغلال، فساد وعمالة

إن المبرر الثاني لتمكين بن علي من ولاية رابعة، وهو مبرر سياسي، مثله مثل المبرر الأول مردود. فحتى على فرض أن نتائج 17 سنة من حكم بن علي إيجابية فإن ذلك لا يمثل بأي حال من الأحوال سببا مشروعا للبقاء في الحكم مدى الحياة أو حتى للترشح لولاية رابعة أو لعدم الاحتكام للشعب عبر انتخابات حرة حقا لأنه لا يمكن ربط مصير شعب بأكمله بفرد لما في ذلك من احتقار لذكاء هذا الشعب وامتهان لقدرته على إنتاج قادة أكفاء يختارهم لتسيير شؤونه. هذا كما قلنا إذا كانت النتائج حقا إيجابية فما بالك إذا كانت سلبية في كافة المجالات!! إن بن علي هو الذي زعم أن الـ 17 سنة من حكمه "إيجابية"، وليس الشعب التونسي الذي لم يكن له فوق ذلك أي دور بحكم حرمانه من حقوقه الأساسية، لا في صياغة الاختيارات التي سار عليها بن علي ولا في الإشراف على تنفيذها ولا في تقييمها. إن ما يقوله بن علي على نفسه أو ما يقوله عنه المحيطون به والمصفقون له يناقض الواقع الذي يشهد على ضرورة رحيله لا بقائه.

أ -في المجال السياسي: تدعيم الحكم الفردي، تفاقم القمع، دوس السيادة الشعبية

ففي المجال السياسي لم يحقق بن علي لا الحرية ولا الديمقراطية للشعب التونسي بل إن الشيء الوحيد الذي نجح فيه بحكم تكوينه المخابراتي وتجربته الطويلة على رأس جهاز الأمن في نظام بورقيبة هو تحويل تونس إلى سجن كبير، إلى بلد يشار إليه بالإصبع في كافة أنحاء العالم باعتباره موطنا لإحدى الدكتاتوريات البوليسية الرهيبة التي لا تزال قائمة إلى اليوم. فقد عزّز بن علي الحكم الفردي المطلق. فجمّع بين يديه على غرار سلفه بل أكثر منه كافة السلطات مما جعله يتصرّف في تونس بجهاز بوليسي ضخم (136 ألف عون) لمراقبة المواطنين والاستبداد بهم وقمع كل خروج على الصف. ودعّم هيمنة الحزب الحاكم على الدولة وجعل من الانتماء إليه شرطا أساسيا للتمتع بأبسط الحقوق المدنية كالشغل والسكن والمنحة الدراسية والرّخص. وسخّر القضاء بشكل لا سابق له لحماية مصالحه ومصالح عائلته والأقلية الفاسدة التي يستند إليها في حكمه. وعزّز ترسانة القوانين الفاشستية لتكميم أفواه التونسيات والتونسيين في الداخل والخارج. وقد استغل الحملة الدولية التي تشنها الإدارة الأمريكية بعنوان "مكافحة الإرهاب" للغلوّ في تجريم كل معارضة لنظامه واعتبارها "عملا إرهابيا". كما أنه لم يتورع أخيرا عن إصدار قانون باسم "حماية المعطيات الشخصية" يسمح للإدارة بانتهاك ما يتعلق منها بالمواطن ولكنه يجرّم كل من يفضح أعمال الفساد والنهب والإثراء غير المشروع لـ"العائلة الحاكمة" والمقربين منها. واستمر في انتهاك مبدأ السيادة الشعبية جاعلا من الانتخابات مجرد عملية صورية معروفة النتائج مسبقا ومن المؤسسات الناجمة عنها أدوات طيعة بيده تنفّذ أوامره، وحوّل المعارضة الرسمية إلى مجرّد ديكور يضفي به على نظامه طابعا تعدّديا زائفا. وقمع الأحزاب والمنظمات والجمعيات التي حاولت بهذه الدرجة أو تلك الحفاظ على استقلاليتها، ودجّن الحركة النقابية وحوّل الاتحاد العام التونسي للشغل ومعظم المنظمات المهنية إلى هياكل فارغة تأتمر قياداتها بأوامره وتنفّذ سياسات نظامه لأنها مدينة بوجودها وبقائها له ولبوليسه وإدارته لا إلى قواعد التنظيمات التي تزعم تمثيلها. واحتكر وسائل الإعلام ووصل قمعه لحرية التعبير والصحافة إلى درجة أنه ما انفك منذ عام 1998 يُرَتـَّب ضمن العشرة رؤساء دول وحكومات الأوائل في العالم في مجال معاداة حرية الصحافة وتونس ضمن المجموعة الأخيرة من دول العالم التي تمثل المنطقة السوداء في خارطة أوضاع حرية الصحافة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ. فقد أُطردت جمعية مديري الصحف التونسية من "الجمعية العالمية لمديري الصحف" (جوان 1997) وجُمّدت عضوية الجمعية التونسية للصحفيين في الفدرالية الدولية للصحفيين (مارس 2004) لنفس السبب وهو الإخلال بواجب الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين في تونس والتواطؤ مع الدكتاتورية في انتهاكهما. وملأ السجون بالمعارضين ناهيك أن ما بين 35 ألف و40 ألف مواطن اعتقلوا خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة لأسباب سياسية. وسبّب هجرة الآلاف من المعارضين للعيش في المنفى. وجعل من ممارسة التعذيب أسلوب حكم أودى بحياة العشرات من المعارضين وخلّف عاهات جسدية ومعنوية للآلاف منهم مما جعل الحديث عن تونس في تقارير المنظمات والهيئات الإنسانية مقرونا بشكل دائم بالحديث عن التعذيب فيها الذي كان سببا في حصول بن علي على إدانة في مناسبتين (1998-1999) من لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وإلى ذلك أصبح الاعتداء على النشطاء من النساء والرجال في كافة المجالات السياسية والحقوقية والنقابية والثقافية وتشويههم عبر حملات صحفية ممولة من وزارة الداخلية ظاهرة بارزة في عهد بن علي. وأخيرا وليس آخرا أخضع هذا الأخير كافة المواطنين للمراقبة البوليسية في مختلف مجالات حياتهم الخاصة والعامة. فالتنصّت على المكالمات الهاتفية ومراقبة المراسلات وشبكة الأنترنيت وجهاز الفاكس أصبحت أمرا يندرج ضمن الحياة العادية للتونسي.

وباختصار شديد فإن الشعب التونسي يجد نفسه بعد 17 سنة من حكم بن علي محروما من أبسط حقوقه الأساسية، مستثنى من المشاركة في الحياة السياسية، يعيش أفراده في وضع الرعية لا في وضع المواطنة يلازمهم الخوف على حريتهم وعلى حرمة أجسادهم وموارد رزقهم وخفايا حياتهم الخاصة فضلا على حرمة عائلاتهم ومصير بناتهم وأبنائهم. إن الحرية والديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات التي وعد بها بن علي لم تكن سوى وهم إذ الواقع عسف وتسلط وغطرسة.

ب – في المجال الاقتصادي: تبديد الممتلكات العمومية، تعميق الهشاشة والتبعية، سوء الإدارة والتصرّف

إن النتائج الاقتصادية لـ17 سنة من حكم بن علي لا تقل سوء عن النتائج السياسية رغم الدعاية المضلّلة التي يقوم بها النظام وبعض الأوساط السياسية والمالية الأجنبية المنتفعة من وجوده. فالتونسي يسمع باستمرار حديثا عن "المعجزة الاقتصادية التونسية" وعن نعت تونس بـ"القوة الاقتصادية الصاعدة" وبـ"نمر شمال إفريقيا". ومن بين الآراء الشائعة أيضا لدى تلك الأوساط ولدى صنف من الصحفيين والإعلاميين والمراقبين الأجانب أن بن علي إذا كانت "حصيلة حكمه في المجال السياسي قابلة للنقد لاتسامها بـ"إفراط غير مبرر في التشدد" فإن الحصيلة الاقتصادية إيجابية ونموذجية" ويخلصون إلى أن تونس لا تحتاج إلا إلى بعض الإصلاحات السياسية لتحقق التقدم المناسب لتقدمها الاقتصادي. ومثل هذا الكلام كان قيل عن بينوشي دكتاتور الشيلي الدموي (1973-1991) وكأنه توجد قطيعة بين الاقتصاد والسياسة، بل إن هذا الموقف الذي لا يخدم إلا مصالح الدول والشركات الاحتكارية الامبريالية وعملائهم في تونس يهدف إلى طمس حقيقة أن الدكتاتورية بما تعنيه من قمع للحريات وإلغاء لمبدأ السيادة الشعبية وانتهاك لحقوق الإنسان ما هي إلا إطار سياسي لتكثيف استغلال الشعب ونهب خيراته لفائدة أقلية من مصاصي الدماء دون أن تكون له إمكانية الدفاع عن حقوقه بأي وسيلة من الوسائل. فالنتائج الاقتصادية الإيجابية، إن وُجدت حقا، هي لفائدة من؟ وعلى حساب من تحققت؟ هذا هو السؤال الذي يقع يتجاهله. إن الحكم على أي سياسة اقتصادية لا يتم إلا من زاوية قدرتها على الاستجابة الفعلية لمقتضيات النهوض بالبلاد في مختلف المجالات وإخراجها من دائرة التبعية للدول والاحتكارات الامبريالية أوّلا وعلى تلبية حاجات الشعب الأساسية المادية والمعنوية ثانيا وليس من زاوية ما توفره من منافع لأصحاب رأس المال المحليين والأجانب.

لقد واصل بن علي منذ إزاحته لبورقيبة في نوفمبر 1987 تطبيق "برنامج الإصلاح الهيكلي" الذي تم الشروع في تنفيذه قبل عام بتوصية من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. كما أردف هذا البرنامج بآخر مملى من الاتحاد الأوروبي وهو "برنامج التأهيل الشامل" (1995) في إطار "اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية" التي تهدف إلى خلق منطقة تبادل حر مع تونس، أي تحويلها إلى مجرد سوق للرساميل والبضائع الأوروبية وبالانخراط في منظمة التجارة العالمية التي تحددت توجهاتها وأهدافها حسب مصالح الدول والشركات الاحتكارية الامبريالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كان لهذه الاختيارات الاقتصادية التي تندرج ضمن النهج الرأسمالي المتوحّش الذي يسود عالمنا نتائج وخيمة على الاقتصاد التونسي يمكن حوصلة الأساسي منها في النقاط التالية:

1) لقد تم تبديد الممتلكات العمومية بعنوان "الخوصصة" التي شملت كافة القطاعات بما فيها الاستراتيجية كالإسمنت والكهرباء والغاز والاتصال والنقل. ومن المنتظر أن تشمل قريبا الماء. وقد استأثر الرأسمال الأجنبي إلى حد الآن بـ75% من عائدات هذه الخوصصة وهي حصة قابلة للارتفاع مع خوصصة عدد جديد من المؤسسات وهو ما سيمكّن أصحاب الرأسمال الأجانب دولا وشركات وبنوكا من مزيد السيطرة على مصائر البلاد وتجريد الشعب التونسي من كل إمكانية للتحكم في خيرات بلاده وثرواتها للنهوض بأوضاعه وضمان مستقبل أبنائه وبناته وهو الهدف الحقيقي من سياسة الخوصصة التي أملتها مؤسسات النهب الدولي ويطبّقها صاغرا ذليلا نظام بن علي الذي خصته تلك المؤسسات بصفة "أنجب تلاميذها" في المنطقة.

2) وإلى ذلك فقد تفاقمت هشاشة الاقتصاد التونسي في عهد بن علي بسبب توجه النشاط الاقتصادي عامة إلى القطاعات غير المنتجة (الخدمات) على حساب القطاعات المنتجة بحثا عن الربح السهل والسريع. ناهيك أن مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج الداخلي الخام تراجعت سنة 2002 إلى حدود 10,4 % ولم تتجاوز مساهمة قطاع الصناعة والمناجم 29,1 % بينما بلغت مساهمة قطاع الخدمات 60,5%. ومن النتائج الخطيرة لهذا التوجه هو أن الاقتصاد التونسي أصبح أكثر من أي وقت مضى اقتصاد خدمات والبلاد تعيش أكثر فأكثر من الاستيراد وهو ما يعمق تبعيتها ويرهن مستقبلها ومستقبل أبنائها وبناتها بمراكز القرار الأجنبية، دولا ومؤسسات وشركات استعمارية.

3) وخلافا لما زعمت السلطة فإن اعتماد "برنامج الإصلاح الهيكلي" لم يؤد إلى التخفيف من عبء المديونية الخارجية لتوفير ظروف أنسب لتطور الاقتصاد التونسي وحتى لا تبقى ثمرة مجهود البلاد مخصصة لتسديد الديون بل إن النتائج أكدت تفاقمها إذ أنها زادت في ما بين 1987 سنة وصول بن إلى الحكم، و2002 أي بعد 12 سنة من حكمه بنسبة 3,6 مرات. ومن الملاحظ أن نسق تطور خدمة المديونية الخارجية كان خلال العشر سنوات الأخيرة أهم من نسق تطور الناتج الداخلي الخام (62,2% مقابل 43,4%) وأن ما تقترضه بلادنا حاليا لا يغطي حتى فاتورة خدمة الدين المسددة سنويا فما بالك بتحقيق مشاريع تنموية. وهو ما يؤكد أن بلادنا تغرق في التداين وبالتالي في التبعية وهو ما يسمح بتكثيف نهبها واستغلال أبنائها وبناتها.

4) وفي نفس السّياق لم يسجل الميزان التجاري تحسنا ذا مغزى من شأنه أن يبرر اختيارات السلطة. فعجز الميزان التجاري متواصل. كما أن انخراط تونس في المنظمة العالمية للتجارة وإبرامها لاتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي من أجل خلق منطقة للتبادل الحر وما نتج عن ذلك من تحرير للمبادلات وإلغاء تدريجي للمعاليم الجمركية أدى إلى تدمير تدريجي للنسيج الصناعي المحلي لعدم قدرة المؤسسات التونسية التي تغلب عليها المؤسسات الصغرى والمتوسطة على المنافسة. وإلى ذلك فإن إنشاء الفضاءات التجارية الكبرى التي تمثل فروعا لاحتكارات تجارية عالمية أضر كثيرا بصغار التجار. وبشكل عام تتجه الحالة إلى التعكر مع اقتراب دخول تفكيك الاتفاقية المتعددة الألياف الخاصة بالنسيج حيز التطبيق في شهر جانفي القادم ودخول الصين إلى المنظمة العالمية للتجارة في مطلع السنة المقبلة والتحرير التام للمبادلات مع الاتحاد الأوروبي في سنة 2008.

5) ومما زاد الطين بلة غياب التسيير الرشيد للنشاط الاقتصادي. ويتجلى هذا الغياب في:

أولا: التسيير البيروقراطي للحياة الاقتصادية وما يعنيه من تغييب للشغالين وللشعب عامة في تقرير الاختيارات الاقتصادية ومراقبة تنفيذها وتقييم نتائجها وفي كيفية صرف الأموال العمومية حيث تنعدم الشفافية.

وثانيا: تفاقم ظاهرة الفساد التي أصبحت في عهد بن علي ركيزة من ركائز النظام يمثّل أفراد "العائلة المالكة" والمقربون منها الطرف الضالع فيها رئيسيا. وهي تتمثـّل في استغلال هؤلاء نفوذ بن علي للحصول على عمولات هامة من التوسّط في الصفقات العمومية واستغلال عملية الخوصصة للاستحواذ على مؤسسات وأراض عمومية بأثمان بخسة واحتكار بعض الأنشطة بتواطؤ من الإدارة والبوليس والقضاء ومشاركة قسرية في المشاريع الرابحة واستئثار بالتجارة الموازية وافتكاك الممتلكات الخاصة، والأهم من ذلك تخريب النظام البنكي التونسي بما يحصلون عليه من قروض دون ضمانات وبالتالي مشكوك في تسديدها. وتمثّل البنوك العمومية التي يمولها الشعب أكثر متضرر من ذلك. وبما أن "البلاد على قيادها" فقد تفشت ظاهرة الرشوة في كافة المستويات من إدارة وبوليس وقضاء إلى حد أنها أصبحت وسيلة أساسية لقضاء أبسط الأمور.

وثالثا: فساد النظام الجبائي، فرغم أن هذا النظام صيغ لفائدة أصحاب رأس المال فإنهم لا يتوانون عن استنباط ألف طريقة وطريقة للتهرب من دفع الضرائب، إضافة إلى أن السلطة تستعملها وسيلة للضغط السياسي. فالذين يؤيدون الدكتاتورية النوفمبرية ويقدمون الرشاوي لرموزها يُغَضّ الطرف عنهم أما الذين ليس لهم "سند" أو يرفضون الخضوع للابتزاز فيتعرضون للعسف الجبائي بغية إرضاخهم أو تفليسهم. وما من شك في أن غياب الشفافية وسيادة منطق الجور والتعسف لا يساعد على تطوير النشاط الاقتصادي حتى في نطاق النظام الرأسمالي نفسه لانعدام الضمانات كما كان الحال زمن البايات.

وخلاصة القول إن السياسة الاقتصادية التي اتبعها بن علي، والتي هي كما ذكرنا مملاة عليه من الدوائر الامبريالية، لم تخرج البلاد من التخلف الهيكلي الذي يعاني منه اقتصادها بما يعنيه من تبعية وهشاشة وتفكك بل على العكس من ذلك فقد تعمقت هذه المظاهر مما سد الباب أمام إمكانية تحقيق تونس لنهوض شامل مستقل ومتماسك. ولا يوجد في الأفق ما يؤشر لإمكانية الخروج من هذا النفق بل إن كل الدلائل تشير إلى أن الاقتصاد التونسي تنتظره رجّات عنيفة رغم أن السلطات تحاول بكل الوسائل طمس هذه الحقيقة لتزوير الأرقام أو تجميلها كما هو الحال بالنسبة إلى معدلات النمو والعجز المسجل في ميزانية الدولة والتضخم إلخ.

ت – في المجال الاجتماعي: الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا

أما في المجال الاجتماعي فقد أدى النهج الاقتصادي الذي اختاره بن علي إلى نتائج خطيرة، ذلك أنه إن كان هذا النهج قد عاد بالنفع على أثرياء تونس وخاصة المقربين منهم من القصر وعلى أصحاب رؤوس الأموال الأجانب فإنه ألحق أضرارا فادحة بالشعب التونسي بكامل طبقاته وفئاته الكادحة.

فبعد 17 سنة من حكم بن علي أصبح أصحاب الملكية على قلتهم يستأثرون بـ56% من الناتج الداخلي الخام مقابل 40% في السبعينات. كما تعود إليهم نسبة 60% من مصاريف الاستهلاك الوطني وبالمقابل فإن مساهمتهم في الجباية لا تتعدى 11 أو 12%. أما الأجراء فإن نصيبهم من الناتج الداخلي الخام نزل من 54,9% عام 1970 إلى 29% في التسعينات رغم أن عددهم ازداد كثيرا. كما أن نصيب 80% من السكان من مصاريف الاستهلاك الوطني لا يتجاوز 20% ومع ذلك فهم يدفعون ما لا يقل عن 85% من معاليم الجباية. إذن فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا. هذه هي الحقيقة التي تتردد اليوم على أفواه كافة أبناء الشعب وبناته الذين دمر حياتهم:

أولا: الغلاء الجنوني للأسعار

مقابل النسق الضعيف لتطور أجورهم ومداخيلهم ناهيك أن أصحاب الأجر الأدنى في القطاعين الصناعي والفلاحي مثلا خسروا ما بين 1983 و2003 على التوالي 23,04% و13,80% من مقدرتهم الشرائية وبالتالي فإنهم لم يحرموا فقط من تحسين معيشتهم بل حرموا حتى من الحفاظ على مستوى عيشهم السّابق وقد أصبح الأجر الأدنى على محدوديته حلم عشرات الآلاف من الشغالين الذين مكنت المراجعة المتتالية لقوانين الشغل أصحاب رأس المال من تكثيف استغلالهم مقابل أجور بؤس لا تتجاوز في الغالب حتى 80 أو 100 دينار. وقد دفع غلاء تكلفة العيش بأعداد كبيرة من الأجراء إلى العيش بالديون لدى البنوك والمؤسسات التي يعملون بها ومراكز البيع بالتقسيط بل إن الواحد منهم أصبح مضطرا إلى البحث عن شغل ثان وثالث على حساب راحته وصحته لتأمين عيش العائلة ومصاريف تعليم "الأولاد" وتسديد الديون المتراكمة. ومن البديهي أن المستفيد من هذا الوضع هم مصاصو دماء الشعب لأن الدينار الذي يخرج من جيب المواطن يذهب مباشرة إلى جيوبهم.

ثانيا: تفاقم البطالة والتهميش ومظاهر البؤس:

إن 17 سنة من حكم بن علي لم تزد ظاهرة البطالة والتهميش إلا حدة واتساعا. فالشغل ليس حقا أساسيا من حقوق المواطنة يضمنه المجتمع وبالتالي الدولة لمواطنيها ومواطناتها لسد حاجاتهم وضمان كرامتهم بل هو "امتياز" كما جاء على لسان بن علي في مطلع التسعينات الذي يوافق انطلاق الهجمة الشرسة التي شنتها الدكتاتورية النوفمبرية على حقوق الشعب السياسية والاجتماعية ". ومن هذا المنطلق أصبحت مسؤولية البحث عن الشغل ملقاة على كاهل الفرد كما أصبح العاطل عن العمل مسؤولا على عطالته وهي طريقة لتبرير تخلي الدولة عن واجباتها خصوصا أنها قلصت الاستثمارات والنفقات العمومية وإطلاق يد أصحاب رأس المال المحليين والأجانب لتكثيف استغلالهم لليد العاملة والتصرف فيها كما يشاؤون بعنوان "مرونة التشغيل". وفي هذا السياق يسرت مراجعة قانون الشغل الطرد الجماعي للأجراء. كما ترك العمل القار تدريجيا مكانه لأنماط من العمل الهش كالعمل الوقتي والعمل الجزئي إضافة إلى العمل بالمناولة وما يعنيه من سمسرة فظيعة باليد العاملة. وإذا كانت الحكومة تقر بنسبة بطالة تتراوح بين 15 و16% (مقابل 13% سنة 1987) فإن أهل الاختصاص يقدرونها بحوالي 20 أو 25% تضاف إليها نسبة هامة من الذين يقومون بأنشطة هامشية وغير قارة. ولقد طالت البطالة لأول مرة في عهد بن علي حاملي الشهادات العليا الذين أصبحوا يمثلون حسب الأرقام الرسمية 6,3% من جملة العاطلين عن العمل بينما ترتفع نسبة ذوي مستوى التعليم العالي بشكل عام إلى 12,1% (2002). ولم يعد الذين يعملون في مأمن من البطالة إذ أصبح الطرد الجماعي ظاهرة مفزعة ناهيك أن عدد المطرودين سنويا منذ عام 1986/1987 لا يقل عن 10 آلاف حسب الحكومة و13 ألف حسب المصادر النقابية وتحديدا خلال السنوات الأخيرة. ولا يمكن الاعتقاد أن ظاهرة الطرد وبالتالي البطالة ستخف في القادم من الأيام لا لكون الظروف العالمية ستزيد سوءا (تفكيك الاتفاقية المتعددة الألياف في مطلع العام القادم وانعكاساته السلبية على قطاع النسيج، دخول الصين المنظمة العالمية للتجارة، إعادة توجيه الاستثمار الأوروبي نحو بلدان أوروبا الشرقية الملتحقة أخيرا بالاتحاد…) فحسب بل لإمعان بن علي في تطبيق نفس الاختيارات الرجعية المولدة للبطالة، ولعدم جدية الحلول التي يطرحها لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية مثل صندوق 21/21 أو بنك التضامن التي لا تعدو أن تكون مسكنات ظرفية ناهيك أن بن علي عوض أن يوجه المساعدات والتشجيعات إلى العاطلين عن العمل فهو ممعن في توجيهها إلى أصحاب رأس المال بدعوى حثهم على خلق مواطن الشغل بينما هم يستخدمونها لمزيد الإثراء دون أن يغيروا شيئا من واقع البطالة.

وإلى جانب تكاثر عدد العاطلين عن العمل تجدر الإشارة إلى أن حوالي 1.048.000 نسمة، حسب إحصائيات للبنك الدولي لسنة 2000، في الفقر أو الخصاصة. وقد تفاقمت نتيجة ذلك مظاهر البؤس في المدن والأرياف حيث تكاثر عدد المتسولين والمشردين في الشوارع والأسواق وأمام المساجد والمستشفيات ومحطات النقل من بينهم أطفال ونساء وشيوخ وحتى شبان وكهول.

ثالثا: تدهور الخدمات الاجتماعية

إن تدمير الخدمات الاجتماعية هو إحدى النتائج الأساسية لسياسة بن علي الاقتصادية. فهو ما انفك، تطبيقا لتوصيات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي يقلص من حجم التمويل العمومي لقطاعات الصحة والتعليم والنقل والسكن. إن المنطق الرأسمالي الوحشي يعتبر النفقات المخصصة لهذه الخدمات أموالا "ضائعة" لأنها لا تذهب إلى جيوب أصحاب رأس المال. وبعبارة أخرى فهذه الخدمات لا ينظر إليها كحق أساسي من واجب المجتمع وبالتالي الدولة السهر على توفيرها لكل فرد تكريسا للمساواة وضمانا للمقومات الدنيا للعيش الكريم بل ينظر إليها كـ"عبء" على الدولة أن تتخلص منه لتلقي به على كاهل الفرد ولتوفر الفرصة لأصحاب رأس المال المحليين والأجانب كي يحوّلوا تلك الخدمات إلى مجال للاستثمار يعود عليهم بالربح الوفير. وهو ما أدى إلى تفاقم شتى أشكال الحيف والتمييز علاوة على ما في الأمر من مخاطر على مستقبل المجتمع بأسره.

ففي مجال الصحة خوصص بن علي القطاع وفتحه للاستثمار الرأسمالي فتكاثرت المصحات الخاصة ذات الطابع التجاري التي تتحكم فيها مافيا طبية لا يهمها إلا ما تجنيه من أرباح على حساب المرضى. كما أنه قلص مساهمة الدولة في ميزانية الصحة العمومية ناهيك أنها نزلت من 43% سنة 1987 إلى 32% سنة 1999 بينما ارتفعت مصاريف الأسر في نفس الفترة من 42% إلى 48% وهو ما كان له أسوأ الأثر على الخدمات التي تقدمها المستشفيات العمومية بسبب فقدانها للإطارات والتجهيزات والأدوية الضرورية مما أصبح يشكل ضغطا غير مباشر على المواطن كي يتوجه إلى القطاع الخاص مع العلم أن السلطات سعرت تلك الخدمات وحدت من عدد المنتفعين بها مجانا وأثقلت كاهل المؤمنين بالزيادة في مساهمتهم في التأمين على المرض. وإلى ذلك فقد ارتفعت أسعار عيادات الأطباء ناهيك أن أجرة الطبيب العام ارتفعت من 5 دنانير سنة 87 إلى 15 دينار سنة 2004. وخلال نفس الفترة ارتفعت أجرة الطبيب الاختصاصي من 15 دينار إلى ما بين 30 دينار و40 دينار حسب الاختصاص. كما ارتفعت تسعيرة الولادة من 150 دينار إلى 500 دينار والعمليات القيصرية من 500 دينار إلى 1000 دينار وشهدت الأدوية بدورها ارتفاعا مشطا. وليس أدل على ذلك من أن بعض الأدوية (غونادتروفين كوريونيك 5000) ارتفع سعره خلال 2004 فقط من 2650 مليم إلى 11644 مليم! كما ارتفع سعر التيتاغام من 7464 مليم إلى 11878مليم وسعر المونوتاست من 2500 مليم إلى 6232 مليم. وبطبيعة الحال فإن المتضرر من هذا الوضع هم الطبقات والفئات الكادحة والفقيرة مما خلق وضعا يتميز بوجود نوعين من العلاج: واحد للفقراء وآخر للأغنياء وهو ما عمّق عدم المساواة أمام المرض وبالتالي عدم المساواة في الحياة الذي أصبح مرهونا أكثر من أي وقت مضى بالثروة.

وفي مجال التعليم صفّى بن علي ما تبقـّـى من مكتسبات الشعب التونسي في هذا المجال على محدوديتها بدعوى "الإصلاح" الذي هو في الأساس مشروع رأسمالي ليبيرالي فرضته مؤسسات النهب الدولي ويتخذ اليوم من الأسماء اسم "مدرسة الغد". وليس لهذا المشروع من هدف غير إخضاع المؤسسة التربوية لمقتضيات المؤسسة الاقتصادية الرأسمالية، حتى توفر لها ما تتطلبه من إطارات وتهيّء كوادرها للحياة المهنية إن حصلوا على شغل بالطبع. وهو ما يعني ضرب مفهوم التربية باعتبارها مؤسسة اجتماعية محورها المعرفة والعلم وتطويرهما ضمن استراتيجية تهدف إلى توفير شروط النهوض بالبلاد وجعلها قادرة على التحكم في مصيرها والإسهام في إثراء الإرث الإنساني انطلاقا من خصوصياتها التاريخية والقومية وتعويضه بمفهوم المؤسسة الاقتصادية التي تنتج بضاعة حسب الطلب مما يؤدي إلى خضوعها هي ذاتها لمنطق الربح الرأسمالي فتتحول العلاقة بينها وبين التلميذ/الطالب إلى علاقة بين مؤسسة وحريف، وهو ما ينجر عنه، كما في الصحة بروز نمطين من التعليم: واحد للفقراء رديء وبدون آفاق وآخر للأغنياء راق وذو آفاق مما يعمّق التمييز أمام المعرفة ويجعل كسبها رهين الثروة. في هذا السياق خضع التعليم في تونس تدريجيا للخوصصة وهي خوصصة من المنتظر أن تتفاقم مستقبلا مع فتح سوق التعليم للمؤسسات الأجنبية. كما أن السلطة ما انفكت تسعى إلى القضاء على المجانية النسبية للتعليم العمومي بتحميل العائلات نفقات إضافية لتعليم أبنائهم وبناتهم، في شكل معاليم ترسيم وأسعار لوازم مدرسية تنزع إلى الغلاء باستمرار أو في شكل "إعانات" لبناء أقسام جديدة أو ترميم الموجود منها أو تأثيث المكتبات أو نفقات كراء وأكل بالنسبة إلى الطلبة الذين تضاءل عدد المنتفعين منهم بمنحة (35%) أو سكن (24,07%) مما جعل أغلبهم عرضة لاستغلال فاحش من قبل أصحاب المبيتات الخاصة حيث تكلفة السرير تتراوح بين 35 دينار و90 دينار أي ما بين 3 و9 مرات تكلفة الإقامة بالمبيت العمومي. أما المنحة فهي تراوح مكانها (50 دينار) منذ سنوات علما أنها لا تكفي أحيانا لتسديد نفقات السكن بالنسبة لغير المقيمين بالمبيتات العمومية.

ومن منطلق إخضاع التعليم لحاجات السوق وهي سوق تسيطر عليها المؤسسات المالية والشركات الامبريالية انتشرت بشكل عشوائي الشّعب القصيرة ( شُعب تكوين مهني ) التي تحتاجها هذه المؤسسات والشركات والتي يبقى معظم خرّيجيها عاطلين عن العمل لعجز السوق عن استيعابهم. كما تتجه السلطة إلى تهميش العلوم الإنسانية بدعوى أن العصر "عصر علم" وتتخلى عن مفهوم التكوين الشامل للتلميذ أو الطالب لتعويضه بمفهوم يرتكز على تلقينهما بعض المعلومات لـ"تدبير الراس" بعنوان "المقاربة بالكفايات". وفي هذا السياق ما انفكت الجامعة تفقد وظيفتها الأساسية كمركز للبحث وإنتاج المعرفة ليصبح الجامعي مجرد "مكوّن" أو "صنايعي" يعد الإطارات التي تتطلبها المؤسسة مستمدا قيمته من مدى حاجة هذه المؤسسة إلى البضاعة التي ينتجها. ومما زاد أزمة التعليم عمقا أن الدكتاتورية النوفمبرية تفرض هذه المشاريع فرضا على المعنيين ولا تسمح لهم بإبداء الرأي فيها. كما أنها استغلت الوضع لإفراغ برامج التعليم من كل ما يمكّن التلميذ/الطالب من تلقي تكوين فكري يربي عنده ملكة النقد ويهيئه للبحث وإنتاج المعرفة. وهي تخضع المدرسة وخاصة الجامعة للمراقبة البوليسية المباشرة لمنع أي نشاط فكري أو سياسي أو نقابي مما حوّل الكليات والمدارس العليا إلى ثكنات. وتمثل الجامعة التونسية من هذه الناحية حالة شاذة في العالم ناهيك أنه حتى في إيران الملالي سن البرلمان قانونا يحمي حرمة الجامعة ويمنع البوليس من دخولها. ولم تشهد الحريات الأكاديمية ما شهدته في عهد بن علي من دوس. ففي منشور بتاريخ 25 فيفري 1997 صادِرٍ عن وزير التعليم العالي "طُولب" العمداء ومديرو المعاهد العليا ومراكز البحث بإعلام وزارة الداخلية مسبقا بكل تظاهرة علمية ينظمونها مع مدها بقائمة المشاركين ونص مداخلاتهم. ومع ذلك لا يتورع بن علي عن الحديث عن "مجتمع المعرفة" وكأنه ممكن دون حرية ودون تكفل الدولة بالإنفاق عن التعليم والبحث. وأخيرا وليس آخرا لم ينفك بن علي يتلاعب بنتائج الامتحانات والمناظرات لأغراض سياسوية. فنسب النجاح تضخمت ليس ترجمة لتطور نوعي للتعليم وإنما لكسب التأييد السياسي. ورغم تضخم "النجاح" في كافة المستويات فإن ذلك لم يمكّن السلطة من طمس هشاشة النظام التعليمي، إذ يكفي ذكر تزايد المنقطعين عن الدراسة في كافة المستويات من سنة إلى أخرى. ففي سنة 2002 مثلا "لفظت" المدارس 116454 تلميذا وتلميذة، وفي العام الموالي ارتفع هذا الرقم إلى 126266. وفي الجامعة يذهب حسب البنك العالمي في تقرير نشر منذ سنوات، 43% من طلبة المرحلة الأولى ضحية نظام الخراطيش. وما من شك في أن الخيارات التربوية هذه التي اتبعها بن علي خطيرة على مستقبل بلادنا وشعبنا الذي لا يزال رغم كل الدعاية المضللة يعاني من نسبة أمية مرتفعة تبلغ 27% (منها 36,3% في صفوف الإناث و 17,7% للذكور) مع العلم أن بلدا مثل كوبا، استقل عام 1959 وكانت الأمية منتشرة فيه بنسبة مرتفعة جدا تمكّن منذ مدة من القضاء عليها حسب المصادر الدولية. وختاما ليس أدل على تدهور حالة التعليم من عدم ثقة مسؤولي النظام بمن فيهم بن علي وأفراد حاشيته بالمدرسة/الجامعة التي يروجونها وإلا ما الذي يجعلهم يبعثون أبناءهم وبناتهم إلى المدارس الفرنسية بتونس. ألم يكن الأجدر بهم إعطاء المثال في تكوين أبنائهم وبناتهم في المدارس العمومية التي تمثل وجه التعليم في البلاد.

وفي مجال السكن تحولت رغبة المواطن في كسب شقة أو منزل إلى فرصة للبنوك والشركات العقارية كي تنهبه وترهنه وهو ما يترجم عنه الارتفاع الجنوني لأسعار العقارات ومواد البناء وفائدة القروض الممنوحة للراغبين في بناء مسكن أو شرائه علاوة على ارتفاع الأكرية. ناهيك أن الكراء أصبح يمثّل أحيانا ثلث الراتب إن لم يكن نصفه أو أكثر. وكما في جميع المجالات فإن حفنة من المضاربين تحتكر الشركات العقارية، وكما في جميع المجالات فإن حفنة من الأثرياء، والمضاربين تحتكر أفخر القصور والمنازل والعمارات والشقق بينما يعيش قسم هام من العائلات التونسية بالمدينة والريف في ظروف سكنية قاسية بل مزرية مع ما ينجم عن ذلك من مشاكل صحية وأخلاقية وخلافات عائلية وإخفاق في الدراسة إلخ.. وليس أدل على هذا الواقع المتميز بالحيف من أن عدد المساكن في تونس قد بلغ 2.204.300 مسكنا في سنة 1999 لا يوجد من بينها سوى 1.835.700 مسكنا آهلا بالسكان بينما بقية المساكن ومجموعها 362 ألف مسكن غير آهلة بالسكان منها 128 ألف مسكن ثانوي و26 ألف مسكن شاغر معد للكراء و78 ألف مسكن شاغر لكنه غير معد للكراء والبقية بصدد البناء. وفي نفس الوقت توجد 264 ألف مسكن مكون من الأكواخ والخيم والبراكات وغرف "الوكايل" كما توجد 284.085 أسرة تسكن غرفة واحدة! وتفيد هذه الإحصائيات أيضا أن 104768 مسكنا تسكنه أسرتان أو ثلاث فما فوق ومعظم هذه المساكن توجد بالمناطق الحضرية. فلو لم يكن بن علي حاميا لمصالح الأثرياء والمضاربين العقاريين ما الذي يمنعه من توزيع المساكن الشاغرة على مستحقيها والتخفيض في أسعار الكراء ومنع المضاربات العقارية بشكل عام؟

وفي مجال النقل تمت خوصصة القطاع وهو ما أدى إلى بروز نوعين من النقل: الأول عمومي لا طاقة للمواطن على رداءته والثاني خاص لا طاقة للمواطن على ارتفاع أسعاره. مع العلم أن السلطات ما انفكت تستغل هذا الوضع للزيادة في معاليم النقل العمومي دون أن يطرأ عليه تحسن جوهري. فالغلاء وطول الانتظار والاكتظاظ هي العلامات الثلاث المميزة للنقل العمومي في بلادنا.

وفي مجال الكهرباء والغاز والماء والاتصال تمت خوصصة جملة من الخدمات. والحكومة ماضية في تدعيم هذه الخوصصة بما في ذلك خوصصة الماء الذي قد تفوز بخدماته إحدى الشركات الفرنسية التي تستغل إنتاج الماء في المغرب. وبطبيعة الحال فإن التفويت في هذه الخدمات الأساسية للخواص وتحويلها إلى مجال للاستثمار والربح قد أدى إلى ارتفاع أسعارها. كما أن دخول الرأسمال الأجنبي فيها مكنه من السيطرة تدريجيا على قطاعات حيوية واستراتيجية. وللتذكير فإنه في بلادنا وبعد حوالي النصف قرن من حكم الحزب الدستوري لا يزال حسب الأرقام الرسمية (إحصاء 1999 حول السكان والتشغيل) 238.643 مسكنا غير مرتبط بشبكة النور الكهربائي و659623 مسكنا غير مرتبط بشبكة توزيع المياه. وفي نفس الفترة لا يرتبط سوى 47,2% من المساكن بشبكة صرف المياه.

رابعا: تفاقم الاختلال بين الجهات وبين المدينة والريف وبين الأحياء الغنية والفقيرة

إن تفاقم الاختلال بين الجهات هو نتيجة أخرى من نتائج الـ17 سنة من حكم بن علي. إن التمييز بين الجهات وتحديدا بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية هو من ثوابت النظام الدستوري منذ حكم بورقيبة ويعود ذلك إلى أولا: عامل سياسي يتمثل في أن معطم قادة النظام من المناطق الأولى وهو ما يجعلهم يركزون اهتمامهم عليها لكسب دعمها السياسي فيعطونها الأولوية في الاستثمار وبعث المشاريع ومنح القروض وإيجاد مواطن الشغل ويعينون أبناءها في أهم المراكز والمسؤوليات السياسية والاقتصادية والثقافية ويمارسون عبرهم الهيمنة على الجهات والمناطق غير المحظوظة. وثانيا: عامل اقتصادي إذ أن أصحاب رأس المال المحليين والأجانب يوجهون استثماراتهم إلى المناطق الساحلية لأنها الأكثر تجهيزا والأيسر لتصدير منتوجهم والأضمن ربحا إضافة إلى ما يلقونه من تشجيع من السلطات للاستثمار فيها. وهو ما عمق الفوارق بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية في بلادنا خصوصا في ظل حكم بن علي. فقد ظلت المناطق الساحلية تستقطب معظم الاستثمارات العمومية والخاصة (أكثر من ¾ الاستثمارات) وتستأثر باهتمام السلطة في كافة المجالات. أما الجهات المتروكة والتي أصبحت تسمى في عهد بن علي "مناطق الظل" فهي تمركز أعلى نسب البطالة والتهميش والأمية والنزوح. إن مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب الغربي التي لا يتجاوز عدد سكانها في عام 1999 تاريخ آخر مسح حول السكان والتشغيل ثلث مجموع السكان بالبلاد تجمّع حوالي 60,1% من العاطلين عن العمل و 45% من الأميين (أعلى نسبة بالوسط الغربي 42,5% مقابل نسبة وطنية بـ27%). كما أنها تمثل أهم مصدر للنزوح في اتجاه العاصمة (40 ألف خلال الفترة بين 94 و1999) والوسط الشرقي (32 ألف). وقد بلغ صافي الهجرة في الوسط الغربي وحده خلال نفس الفترة 41,1 ألف نسمة مقابل 23,9 ألف نسمة خلال الفترة 89-94 وهو ما يؤكد ازدياد الفقر والتهميش بهذه المنطقة. وإلى ذلك فإنه لا يوجد سوى طبيب واحد لكل 2478 ساكنا بالشمال الغربي، و2848 ساكنا بالوسط الغربي و2027 ساكنا بالجنوب الغربي، مقابل طبيب واحد لكل 1248 ساكنا على المستوى الوطني، وطبيب واحد لكل 676 ساكنا بإقليم تونس. وإلى حدود عام 2001 تاريخ الخارطة الطبية التي اعتمدناها توجد مناطق غير مجهزة بآلة "سكانار" مثل سليانة وتوزر وقبلي وسيدي بوزيد. كما أنه لا توجد ببعض هذه المناطق (سليانة، سيدي بوزيد، القيروان، قبلي…) قاعة سينما واحدة. وإلى ذلك تشكو هذه المناطق من رداءة الطرقات ووسائل النقل.

وعوض أن يعتني نظام بن علي بهذه الجهات خصوصا أنها لا تنقصها لا الثروات الطبيعية ولا البشرية ويخصص لها المشاريع فإنه لم يجد لها من حل سوى "تنظيم الصدقة" لها عن طريق صندوق 26/26 المستعمل للنهب من جهة وللإشهار السياسي من جهة ثانية. فالأموال التي تجمع له في شكل أداءات غير معلنة لا أحد يراقبها. كما أنها تقدم إلى بعض الفئات من المواطنين في شكل "هبات رئاسية". ولم تؤد هذه "الصدقات" إلى تغيير جوهري في واقع الجهات المحظوظة.

ولم تشهد العلاقة بين المدن والأرياف أي تحسن جوهري في عهد بن علي. فالمدينة لا تزال "تنهب" الريف. فهو يعطيها الحبوب والغلال والخضر والمياه وهي لا تعطيه أي شيء تقريبا. فمعظم المصانع الغذائية تقام في المدن وأبناء الريف وبناته محكوم على معظمهم بالبطالة. والقروض موجهة أساسا إلى دعم الفلاحين الكبار بينما الفقراء والصغار من الفلاحين يحصلون على قروض بؤس تستغلها البنوك لنهبهم. كما أن الاعتمادات المخصصة للأرياف سواء في مجال التعليم أو الصحة هي دون حاجاتهم بكثير. فأعلى نسب الأمية بالأرياف (40,6% مقابل 18,8% بالوسط الحضري) وأدنى نسب تواجد الأطباء والمصحات والمستشفيات بالأرياف ولا وجود لدور ثقافة أو قاعات سينما أو فضاءات مسرحية في أرياف تونس. وكذلك خدمات النقل والاتصال فهي شحيحة. ومن بين 238643 مسكنا غير مرتبط بالشبكة الكهربائية يوجد 158.553 بالريف. وعلى 659.623 مسكنا غير مرتبط بشبكة توزيع المياه يوجد 511.002 مسكنا بالريف ولا يوجد سوى 3109 من المساكن بالريف مرتبطة بشبكة التطهير. فأين ذهبت أموال الشعب خلال الخمسين سنة تقريبا من حكم حزب الدستور؟ ولا يجد أبناء الريف من مخرج سوى النزوح إلى المدن أو الهجرة إلى الخارج بحثا عن لقمة العيش. وقد تفاقمت هذه الظاهرة في عهد بن علي مما أصبح يهدد الأرياف التونسية بالانهيار.

ويمثل تعمق الاختلال بين الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة في المدن إحدى نتائج اختيارات بن علي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن لا يمكنه أن يلاحظ الاختلال المتفاقم بين هذين النوعين من الأحياء سواء كان ذلك في العاصمة أو في مدن تونس الأخرى؟ ويشمل هذا الاختلال كافة المجالات. فالعناية بالنظافة والتطهير والإنارة والمرافق الخاصة بالصحة والتعليم والرياضة والثقافة والأطفال لا تقارن. فأهم الاعتمادات على مستوى الحكومة والولايات والبلديات توجه إلى الأحياء الغنية على حساب الأحياء الفقيرة وهو ما زاد في تدهور ظروف سكانها الذين يعرفون أعلى نسب الأمية في المدن وكذلك الانقطاع عن الدراسة والبطالة والفقر والجريمة والمرض والهجرة إلى الخارج. ويكفي المرء أن يقارن الوضع بحي التضامن أو الملاسين أو الزهروني بالوضع بميتيال فيل أو قرطاج أو قمرت.

خامسا: تفاقم الجريمة والأمراض النفسية والعقلية وتأزم القيم

تفاقمت الجريمة في عهد بن علي بشكل مفزع. فالسرقة والنشل والاعتداء بالعنف والاغتصاب والاتجار بالمخدرات والتمعش من البغاء والقتل أصبحت ظواهر منتشرة في كافة أنحاء البلاد وخاصة في العاصمة وفي غيرها من المدن الكبرى. وهو ما جعل المواطن يفقد الأمن والأمان رغم العدد المهول من أعوان البوليس (واحد لكل 70 أو 80 مواطنا) المشغول بحماية حكم بن علي وحاشيته أكثر من حماية المواطن العادي. ولا تزال الحكومة تخفي الحقائق حول هذا الموضوع بعدم نشر الأرقام والإحصائيات للعموم. وتكفي الإشارة في هذا المجال إلى التطور المهول في عدد القضايا الواردة على المحاكم في السنوات الأخيرة. ففي السنة القضائية 1998-1999 مثلا بلغ عدد تلك القضايا 1.756.482 وقد ارتفع في السنة القضائية الأخيرة 2003-2004 إلى 2.158.492 قضية أي بزيادة 402.010 قضية. كما أنها ترفض الخوض في أسباب تفاقم الجريمة لإخفاء مسؤوليتها في ذلك وخاصة مسؤوليتها في انتشار البطالة والفقر والتهميش في نفس الوقت الذي تنتشر فيه قيم الربح السهل والسريع وتتفاقم العقلية الاستهلاكية وتختزل قيمة الفرد فيما يملك. وعوض البحث عن الحلول الجدية لمواجهة هذه الظاهرة المفزعة بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية اختارت السلطة حلا واحدا وهو الحل الأمني الذي فشل فشلا ذريعا في الحد من الجريمة فما بالك بالقضاء عليها. والأخطر من ذلك أن العديد من أعوان الأمن وجدوا في الجريمة مجالا للاستثراء سواء بالمشاركة المباشرة في العصابات أو في توفير الحماية لها مقابل أتاوات أو بالحصول على رشاو مقابل طمس آثار الجريمة.

ومن جهة أخرى تفاقمت الأمراض النفسية والعقلية في المجتمع التونسي خلال 17 سنة هذه من حكم بن علي. فقد تكاثر رواد المستشفيات والمصحات النفسية والعصبية. وفي هذا الشأن نشرت إحدى الجرائد (الصباح 26 جوان 1998) إحصاء يشير إلى أن مستشفى الرازي سجل خلال العشرية 88/98 توافد 7 آلاف حالة جديدة كل سنة. ولا نخال هذه النسبة إلا في ازدياد منذ ذلك الوقت. وقد كان من نتائج هذا الوضع تطور ظاهرة الانتحار في بلادنا. فلا يكاد يمر يوم دون أن تنشر إحدى الصحف خبر انتحار في هذه الجهة أو تلك لهذا السبب أو ذاك. وليس خافيا أن تفاقم الأمراض النفسية والعقلية يعود بالأساس إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية التي يواجهها التونسيون والتي تحرمهم من تحقيق التوازن في حياتهم ومن تحقيق طموحاتهم وهو ما يوقعهم في اليأس والإحباط.

ويواجه المجتمع التونسي أزمة قيمية لا سابق لها. إذ ما انفكت تتطور فيه قيم الفردانية و"تدبير الراس" على حساب قيم التضامن والتآزر التي دمرها المناخ الاقتصادي والاجتماعي من جهة والقمع السياسي من جهة أخرى. كما تطورت قيم العبودية بما تعنيه من خنوع وذل أمام الحاكم واستسلام لـ"الأقدار" وهي نتاج طبيعي لـ"ثقافة الرعية" التي تروجها الآلة الدعائية للدكتاتورية. كما تنتشر في المجتمع قيم الكذب والغش والوشاية والانتهازية في العلاقات بين الناس بما فيه في صلب العائلة وخارجها، وهذا أمر طبيعي في مجتمع تعد فيه الصراحة والجرأة والإصداع بالحق والحقيقة جريمة يعاقب عليها صاحبها وينكل به باعتباره "ناكرا للجميل" وهو أمر طبيعي أيضا في مجتمع أصبحت فيه مواصفات الشخص الناجح تكمن في مدى قدرته على التحيّل والنهب. ولا يختلف اثنان في ما أصاب السلوك العام من بذاءة لا نجد لها مثيلا في كافة الأقطار العربية إن لم نقل العالم. فلغة الشبان والكهول على حد السواء بل الأطفال أيضا تلوثت بشكل خطير حتى كاد يتعذر على أفراد العائلة الواحدة السير مع بعضهم في الشارع حيث تروج أوسخ لغة. إن هذا الواقع القيمي الأخلاقي المتدهور هو الابن الشرعي للمناخ الاقتصادي والاجتماعي الذي عمقه بن علي وهو مناخ الرأسمالية الليبيرالية المتوحشة المؤسسة على النهب وعلى مبدأ "حوت ياكل حوت وقليل الجهد يموت"، ولنمط الحكم الدكتاتوري البوليسي الذي أرساه إذ لا جدال في أن الحرية من جهة والعدالة الاجتماعية من جهة ثانية هما العاملان اللذان يغذيان لدى المجتمعات المتقدمة حقا القيم النبيلة التي تشجع أعضاء هذه المجتمعات ليس على الخلق والإبداع فحسب بل كذلك على الصدق والجرأة والنزاهة وروح المسؤولية واحترام الآخرين.

ومن الملاحظ أن نظام بن علي الذي لم يعد بإمكانه التغطية على ما بلغته العلاقات الاجتماعية من تعفن على المستوى القيمي والأخلاقي لم يجد من مخرج مرة أخرى سوى القمع إذ شن البوليس هذه السنة، بمناسبة صدور قانون بعنوان "حماية الأخلاق، حملة شرسة على الشبان خاصة وقع استغلالها لانتهاك الحرية الشخصية للعديد من الناس إذ أصبح تواجد رجل وامرأة في الشارع أو بالمقهى أو بالمطعم محل شبهة، بل الأنكى من ذلك أن هذه الحملة استغلت من قبل أعوان الأمن لابتزاز المواطنين.

سادسا: الشباب والنساء ضحايا نظام بن علي

- الشباب يكتوي بنار جحيم السابع من نوفمبر

يمثل الشباب ضحية أساسية من ضحايا نظام بن علي رغم كثرة الخطب حول "العناية الموصولة به" بل إن المرء ما أن يطلع على واقع الشباب التونسي حتى يدرك أن هذه الخطب ما هي إلا وسيلة ديماغوجية للتغطية على ذلك الواقع المأساوي. إن البطالة والجريمة والهجرة السرية (الحرقان) والتسكع هي الآفات الأساسية التي جناها الشباب التونسي من حكم بن علي. إن 70% من العاطلين عن العمل تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة. ويمثل ذوو مستوى التعليم العالي 12,1% من مجموع أولئك العاطلين بينما يمثّل حاملو الشهادات العليا 6,3%. ولا يملك هؤلاء الشباب أية فرصة أخرى لتحقيق استقلاليتهم في أي مستوى من المستويات. وتعج السجون التونسية بالشباب (من الجنسين) الذي انخرط في الجريمة بمختلف أنواعها: السرقة والاتجار بالمخدرات واستهلاكها والاعتداء بالعنف والاغتصاب والقتل والبغاء. ولا يكاد يمر يوم في تونس دون أن تنشر وسائل الإعلام خبرا عن إيقاف أو غرق مجموعة من الشبان الفارين من جحيم "جنة بن علي" معرضين أنفسهم لشتى المخاطر بما فيها الموت عساهم يصلون إلى إحدى البلدان الأوروبية بحثا عن مورد رزق أضاعوا سنين في البحث عنه في بلدهم دون جدوى. ولا يجد الشباب أية إمكانية للتعبير عن آرائه بل إنه مرغم على الصمت وعلى استهلاك أنماط من الثقافة الهابطة. كما أنه محروم من تأسيس الجمعيات والمنظمات للدفاع عن حقوقه الأساسية وطموحاته المشروعة. وهو معرض باستمرار لعسف البوليس الذي يرى في الشاب خطرا دائما على النظام العام ينبغي تدجينه وإذلاله. وقد تعرّض الآلاف من الشبان من مختلف النزعات الفكرية والسياسية في عهد بن علي للاعتقال والتعذيب الوحشي والمحاكمات الجائرة بسبب انتمائهم إلى تنظيم سياسي أو بسبب قيامهم بأنشطة فكرية ونقابية أو سياسية. ولا يسهم الشباب التونسي بأي شكل من الأشكال في إدارة الشؤون العامة. وما دام الأمر يتعلق هذه المرة بالانتخابات فإن الغالبية العظمى ليست مسجلة بالقائمات الانتخابية ولا تحصل على "بطاقة ناخب".

- النساء: توظيف رخيص لطمس واقع مهين

منذ وصوله إلى السلطة في مطلع التسعينات، استخدم بن علي قضية المرأة وسيلة لتلميع صورة نظامه الدكتاتوري بالخارج وإظهاره بمظهر النظام "العصري" و"التقدمي". ولم تتورع الدعاية الرسمية عن الادعاء بأن "مكاسب المرأة التونسية تحسدها عليها حتى نساء الدول المتقدمة". وكما هو الحال في المجالات الأخرى فإن هذه الدعاية لا تعكس حقيقة واقع النساء في تونس اللواتي يمثلن أحد أهم ضحايا الدكتاتورية النوفمبرية في كافة الميادين. وليس أدل على ذلك من الأرقام والمعطيات. فوضع المرأة في الشغل لم يتغير جوهريا عما كان عليه في عهد بورقيبة. إن من بين كل 4 نساء في سن الشغل لا نجد سوى واحدة تعمل. وإن نسبة النشيطات إلى النشطاء من الرجال هي 1 مقابل 3 (24,6% للنساء مقابل 75,4% للرجال) أي أن الفجوة بين النساء والرجال في مجال الشغل تبلغ 50,8%. كما أن النساء العاملات لا يزلن يشتغلن في القطاعات التقليدية كالنسيج والفلاحة والتمريض وهن لا يشغلن سوى 19% من الخطط الوظيفية في الوظيفة العمومية. بل إن 3,8% منهن فقط لهن خطة مديرة عامة و8,91% خطة مديرة و 17,8% خطة رئيسة مصلحة. أي أن تونس لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق المساواة في ميدان الشغل. ولم يتحذ نظام بن علي أي إجراءات لتحسين مكوقع النساء في مجال التسيير كما هو الحال في العديد من بلدان العالم التي أصبحت تتبع مبدأ التمييز الإيجابي. وتمثل المرأة العاملة في ظروف اليوم ضحية أساسية للطرد التعسفي بما في ذلك بسبب الحمل ولسوء المعاملة إذ أصبحت الاعتداءات الجنسية على العاملات، خاصة في قطاع النسيج أمرا معروفا لدى القاصي والداني. كما أنهنّ الأكثر عرضة للحرمان من ممارسة الحق النقابي. ولا تزال الأمية منتشرة كثيرا في صفوف النساء. فهي تشمل إلى حد عام 1999 تاريخ آخر مسح حول السكان والتشغيل 36,6% مقابل 17,7% للذكور ونسبة أمية وطنية بـ27%. وترتفع نسبة الأمية في صفوف النساء في الأرياف إلى 54,5% في الوسط الغربي و48,2% في الشمال الغربي ولا نعتقد أن في ذلك مفخرة للنظام الدستوري بعد حوالي نصف قرن من "الاستقلال". أما في الحياة العامة فإن للمرأة مكانة دونية شكلا ومضمونا. فحضورها في المؤسسات الرسمية التي يسيطر عليها الحزب الحاكم سيطرة مطلقة لا تتجاوز 11% في مجلس النواب بعد انتخابات 1999 مما يعني فجوة بين الجنسين بـ77%، و20,6% بالمجالس البلدية مقابل 79,4% للرجال أي بفجوة تقدر بـ59,2% و8,4% بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي أي بفجوة 83,2% و 13,3% بالمجلس الأعلى للقضاء أي بفجوة تبلغ 73,4%. أما بالنسبة إلى الحكومة فتوجد وزيرة واحدة (وزيرة المرأة). وينتمي كل الولاة إلى صنف الرجال. وفي خصوص المنظمات الوطنية لا يوجد أي عنصر نسائي بالمكاتب التنفيذية لاتحاد الصناعة والتجارة والاتحاد الوطني للفلاحين وهما المنظمتان الخاضعتان تماما للحزب الحاكم. ولا يوجد أي عنصر نسائي بالمكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل المتذيل للدكتاتورية النوفمبرية.

ومن المعلوم أن النساء الموجودات في المؤسسات "التمثيلية" أو الحكومة ليس لهن أي دور في صياغة السياسة العامة أو المتعلقة منها بالمرأة. فوجودهن صوري ولا يذكر أحد أن نائبة من الحزب الحاكم في البرلمان بادرت يوما ما بتقديم مشروع قانون لتحسين وضع النساء في تونس. إنهن يكرسن سياسة بن علي المعادية للشعب عامة وللنساء خصوصا. فما أبعد هذا الواقع عما يجري من إصلاحات في أكثر من بلد في العالم من أجل إقرار المساواة في التمثيلية عن طريق إقرار مبدأ التناصف. وتحرم السلطة باقي النساء من ممارسة حقوقهن وتقمع النشيطات منهن بشكل وحشي فتعرضهن للإيقاف والتعذيب والسجن كما تعرض أطفالهن للترهيب والتنكيل وممتلكاتهن أو مكاتبهن، إن كن يشغلن أعمالا حرة، للنهب والتخريب.

أما بالنسبة إلى المكاسب القانونية التي تقيم الدكتاتورية حولها الدنيا فإنها على محدوديتها بشكل عام لم تشهد تطورا ملحوظا في عهد بن علي. فإذا كانت مجلة الأحوال الشخصية الصادرة عام 1956 قد حسمت بعض المسائل لفائدة المرأة وهي أساسا منع تعدد الزوجات وإعطاء المرأة حق الطلاق وإقرار مبدأ التبني فإن بن علي عجز، بعد 38 سنة من صدور تلك المجلة من حسم ما تبقى من مسائل أساسية تكرس التمييز وهي تهم إدارة شؤون العائلة التي لا تزال في الأساس مسؤولية الرجل والإرث والولاية على الأطفال والأطفال من خارج الزواج. إن ما قام به بن علي من إصلاحات مزعومة في هذا المجال ظلت جزئية، بل شكلية وذات أغراض دعائية ليس إلا، مع العلم أن هذه الإصلاحات لم تشمل نص الدستور الذي لا يوجد فيه فصل ينص صراحة على المساواة بين الجنسين. وإلى ذلك فلا أحد يمكنه أن ينكر ما بلغته الأسرة في عهد بن علي من تفكك بسبب تفاقم المشاكل الاجتماعية والنفسية والقيمية التي زادت التوترات العائلية حدة مما فاقم ظاهرة الطلاق (10592 طلاقا في عام 2001 مقابل 9127 عام 97) والعنف العائلي وإهمال العيال. بل إننا أصبحنا نلاحظ تزايد عدد أرباب العائلات الذين يتركون منازلهم إلى وجهة غير معلومة. واحتدت ظاهرة العزوبية، ففيما بين 1984 و1994 مثلا ارتفعت العزوبية في صفوف البالغات ما بين 25 و29 سنة من 25% إلى 38%، والبالغات من 30 إلى 34 من 10% إلى 18%. أما في صفوف الرجال وخلال نفس الفترة ارتفعت العزوبية من 52% إلى 71% ومن 18% إلى 31%. كما تفاقمت ظاهرة البغاء بشكل مفزع لتشمل "حريفات" جددا من أوساط مختلفة. إن مناخ اقتصاد السوق وما نجم عنه من بطالة وفقر وتهميش من جهة ورغبة في التمتع بـ"نعيم مجتمع الاستهلاك" ومن فراغ روحي ونفسي واختلال من جهة ثانية قد أدى إلى تفاقم تبضيع جسد المرأة وخلق "سوق للذة" تستغلها وحوش آدمية للإثراء على حساب كرامة النساء. ولا تزال وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة تقدم صورة مهينة للمرأة سواء في الإعلانات الإشهارية أو المسلسلات أو المقالات.

هذه أوضاع النساء في ظل حكم بن علي. وهي تؤكد حقيقة أن المرأة لا يمكنها أن تكون حرة في مجتمع ليست فيه حرية لجميع المواطنين.

ث – في المجال الثقافي: تصحر لا سابق له

أما في المجال الثقافي فإن أصحّ ما وصفت به الحالة في تونس هو التصحر. فقد قضى بن علي خلال السبع عشرة سنة من حكمه على تلك النواتات التي أفرزتها في أواخر العهد البورقيبي نضالات الستينات والسبعينات، مبشرة بنهضة فكرية وثقافية واعدة. وقد تظافر عاملان اثنان للقضاء على تلك النواتات وإحداث التصحر المذكور. فالعامل الأول اقتصادي وهو هيمنة قيم السوق على الساحة الثقافية وهو ما حول النشاط الثقافي إلى نشاط سلعي – استهلاكي مفتوح لـ"مافيا الثقافة" الباحثة عن الربح على حساب حاجات المواطن. أما العامل الثاني فهو سياسي يتمثل في استعمال السلطة سلاحي القمع والإفساد المنهجي لضرب حرية الفكر والإبداع. وقد أدى تظافر هذين العاملين إلى هيمنة نمط من الثقافة-البضاعة الهابطة التي ليس لها من هدف سوى اغتيال العقل وتجريم الفكر الحر النقدي وقتل الذوق ومخاطبة البطن والنصف الأسفل ونشر روح الخنوع والتمسح على أقدام الدكتاتور. فما هي إلا بضع سنوات حتى فقدت تونس نواة مفكريها ومثقفيها المستقلين الذين إما أنهم قبلوا خدمة الأمير وتحولوا إلى أداة بيده لقمع حرية الفكر والثقافة أو أنهم لاذوا بالصمت وكفوا عن الاهتمام بالشأن العام وانغمسوا في مجالات لا صلة لها بواقع اليوم أو بواقع البلاد. فهيمنت على الساحة الفكرية فئة من المرتزقة المحليين والأجانب الذين سخّروا قلمهم للتسبيح بحمد الأمير وإبراز "مناقبه" وتعداد أفضاله على "البلاد والعباد". كما طغى على الساحة الأدبية، أدب بلا ألياف وبلا روح، يمتدح الأمير أو يغرق في الإسفاف والتقليد أو التصوّف السلبي. وفي هذا السياق تحول اتحاد الكتّاب التونسيين إلى أداة بيد الدكتاتورية يدعمها سياسيا ويؤيد قمعها لحرية الإبداع ويدافع عنها في الداخل والخارج ويراقب الكتّاب والمبدعين الأحرار ويشي بهم إلى السلطة. وهو ما أدّى بعدد من الكتاب والشعراء إلى تكوين رابطة الكتاب الأحرار التي ما انفكت تتعرض للحصار والقمع.

وفقدت حركة نوادي السينما والسينمائيين الهواة ذات التاريخ المجيد مكانتها بحكم القمع والضغوط المادية ناهيك أن وزير الثقافة الحالي مثلا لم يتورع عن إيقاف المنحة المخصصة لجامعة نوادي السينما لعامي 2003 و 2004 طالبا عزل رئيس الجامعة ليأذن بصرف تلك المنحة لا لشيء إلا لأنه ينتمي إلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وتجرأ على توجيه بعض النقد لنشاط الوزارة بصورة غير مباشرة (عن طريق أحد النواب!!). وقد استعملت السلطة مسألة الدعم أيضا لتسليط ضغوط شتى على المبدعين في مجالي المسرح والسينما في محاولة منها لإخضاعهم لتوجهاتها الرجعية وصرفهم عن معالجة قضايا مجتمعهم وقضايا الإنسانية عامة في إنتاجهم. كما أنها دجنت هياكلهم الممثلة وحرمتهم من أدوات تعبر عن مشاغلهم وتدافع عن مطالبهم وطموحاتهم.

وإلى ذلك اندثرت أو تكاد المجموعات الفنية الباحثة عن الجديد المرتبط بهموم الشعب وهيمن على الساحة الفنية الفن الهابط وليس أدل على هذا الواقع مما وصلت إليه المهرجانات الصيفية وعلى رأسها مهرجان قرطاج من إسفاف وضحالة خاصة بعد أن امتدت يد "المافيا" إليها لتكديس الربح على حساب المواطن المغبون.

وعلى صعيد آخر اشتدت الرقابة في عهد بن علي على حركة النشر بالداخل وعلى استيراد الكتب والمنشورات من الخارج مما أدى إلى وضع شاذ في تاريخ البلاد إذ أن البوليس هو الذي أصبح يحدد للتونسي ما يقرأ وما لا يقرأ. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن 31 كتابا تعرض للمنع في العشر سنوات الأخيرة. كما رفضت السلطات منح بعض المثقفين تأشيرة إصدار مجلات فكرية. وهي تضرب قيودا شديدة على دخول الكتب والمجلات إلى تونس. إن عون الديوانة أو عون البوليس بالموانئ البحرية والمطارات أصبح همه مراقبة ما يتسرب إلى البلاد من كتب ومنشورات قد تحمل نقدا لنظام بن علي أكثر من مراقبة ما يخرج منها من أموال مهربة أو يدخلها من مخدرات وممنوعات أخرى يحظى مهربوها بحماية ما في هذا المستوى أو ذاك من مستويات السلطة. وقد تحوّل معرض تونس الدولي للكتاب إلى مجرد تظاهرة فارغة يشرف عليها البوليس مباشرة وهو ما أفقده الإشعاع الذي كان يتمتع به في وقت من الأوقات.

وخلاصة القول أن النظام البوليسي لبن علي لم يطور في نهاية الأمر إلا الثقافة التي تناسبه، ثقافة المديح والولاء من جهة وثقافة الإسفاف التي تخاطب الغرائز من جهة ثانية. وبالطبع لا يمكن للمرء أن ينتظر من نظام كهذا أن يطور ثقافة تخاطب العقل وتنمي الملكات النقدية للناس وترتقي بأذواقهم وتحررهم من الجهل والظلام وعقلية القطيع.

ج – في المجال البيئي: تفاقم المخاطر على الإنسان والطبيعة

أما في المجال البيئي فقد تدهورت الحالة بشكل أصبح يهدد مصير التونسيين والتونسيات. إن مدنا ومناطق بأكملها مثل صفاقس وقابس وبنزرت وأحياء بأكملها مثل حي التضامن والملاسين وغيرهما بتونس أصبحت مرادفا للتلوث بما يعني ذلك من انعكاسات خطيرة على صحة البشر والحيوان والنبات لأنه يلوّث الماء والهواء والتربة. وتعود أسباب هذا التلوث إلى المصانع التي لا يراعي فيها إلا شروط الربح. وتكفي هنا الإشارة إلى بعض الأرقام المفزعة: إن الفليور الملوث التي تفرزها شركة السياب بصفاقس مثلا يتجاوز فيها تلوث الفليور النسبة المسموح بها بنحو 249 مرة والفسفور 12240 مرة، والكادينوم 620 مرة. أم عن تلوث الماء بمواد فليور الكالسيوم والبخارة والآمونياك وتحويل الفسفاط بقابس فحدّث ولا حرج. كما يعود إلى المياه المستعملة التي لا تشملها شبكة ديوان التطهير وتصب مباشرة في المائدة المائية، والفضلات الاستشفائية وفضلات عديد المصانع المتفرقة ومصبات الأوساخ البلدية، وغازات أسطول النقل المتقادم. وقد تولد عن كل هذه الأوضاع انتشار العديد من الأمراض. فحالات السرطان تتزايد في بلادنا وكذلك أمراض الجهاز التنفسي وغيرها.

ورغم خطورة هذه الأوضاع فإن السلطات لا تزال تتخفى عليها. ولا نخال سلوكها سيتغير مع الفوضى الاقتصادية السائدة حاليا وما يقدم من تسهيلات لأصحاب رأس المال وما يقدمه هؤلاء من رشاوي إلى المسؤولين للحصول على ما يريدونه من رخص.

ومن المشاكل البيئية المتزايدة التي أصبحت في السنوات الأخيرة حديث كل الناس المواد الكيمياوية التي تستخدم في إنتاج الحبوب والخضر والغلال. إن المواطن لا يعرف شيئا عن هذه المواد لأن الدولة لا تقدم له أية معلومات. ولكنه يعيش تأثيراتها في شكل أمراض مختلفة تصيب الصغار والكبار على حد السواء. وكما هو الأمر في كافة المجالات تمنع الدكتاتورية قيام جمعيات أو منظمات مستقلة تعنى بهذه الأمور وترشد المواطنين وتعبئهم ضد المخاطر التي تتهددهم وتقترح الحلول لمشاكلهم. لقد بينت الفياضانات التي حصلت في السنتين الأخيرتين وشملت مناطق من الشمال الغربي (بوسالم خاصة) وأخرى قريبة من تونس (الجديدة، طبربة…) غياب أي حماية للمواطنين بهذه المناطق من مثل تلك الكوارث رغم معرفة الدولة بإمكانية حدوثها. ولم تجرم الدولة في عدم توفير الحماية اللازمة للمواطنين فقط بل إنها أجرمت في حقهم أيضا عند حصول تلك الكوارث إذ أنها أولا: تكتمت عليها ومنعت وسائل الإعلام من نقل الحقيقة إلى المواطنين. وثانيا لم تعلن المناطق المتضررة مناطق منكوبة كما تجري به الحال في بلدان الدنيا لإخفاء الأضرار واجتناب أن يتساءل المواطن عن حقيقة الأسباب ويطالب بفتح تحقيقات وتحديد المسؤوليات. وثالثا: لم تتورع عن منع بعض هيئات المجتمع المدني المستقلة لا من الاطلاع على الأوضاع فحسب بل ومن التضامن مع المتضررين أيضا. رابعا: لم تتورع أيضا عن استخدام القمع لمواجهة احتجاج العائلات المنكوبة.

ح – في المجال الرياضي: استشراء الفساد والعنف والتوظيف السياسي الرخيص

وفي مجال الرياضة حصل ما حصل في كافة المجالات الأخرى من فساد وإفساد. فقد تحولت الرياضة أكثر من أي وقت مضى إلى امتياز لنخبة من العناصر ومصدر لكسب الربح ووسيلة للتخدير وتلهية الناس وخاصة الشبان منهم عن قضاياهم الأساسية وتغذية للنعرات الجهوية وروح "الهوليغانز" التي أدت في أكثر من مرة إلى سقوط موتى وجرحى (مثال باجة قبل 3 أو أربع سنوات) وللدعاية السياسية السخيفة. فالسلطة لا تتوانى عن صرف المليارات على بعض الرياضات النخبوية بحثا عن النتائج لتوظفها لتحسينصورةبنعليونظامه البوليسي لدى عامة الناس. وقد تسللت المافيا إلى قيادات الجمعيات الرياضية التي أهملت الرياضة النسائية والرياضات الفردية وركزت نشاطها على كرة القدم فأصبحت تمارس النهب بعنوان "تجميع المساعدات" وتصفي الجمعيات والنوادي الصغيرة وتسد أمامها فرص النمو والتطور وتمارس التخويف والإرشاء لكسب النتائج. ونتيجة لكل ذلك ضمرت الرياضة المدرسية والجامعية والرياضة في المؤسسات وانحسرت تدريجيا الفرص المتاحة أمام عامة الناس لممارسة الرياضة إلا من كان منهم مستعدا لدفع المال لأصحاب القاعات والنوادي. وقد عمدت السلطة لتحقيق سيطرتها على الميدان الرياضي وخاصة على كرة القدم (اللعبة الأكثر شعبية) إلى استعمال المال العام لإخضاع الجمعيات والنوادي لنفوذ بن علي. كما أنها عمدت إلى القضاء على بدايات مقرطة الحياة الداخلية للجمعيات والنوادي والجامعات التي أخضعت بالكامل لسلطات الدولة والحزب الحاكم وألغي فيها مبدأ الانتخاب وأصبح التعيين هو المبدأ السائد حتى لا تفلت أي جمعية أو ناد أو جامعة رياضية من المراقبة وصار من واجبات مسؤولي النوادي التي تعلن السلطة "حرصها" على أن تبقى بعيدة عن "التوظيف السياسي" التسبيح بحمد بن علي في كل كبيرة وصغيرة وإهداء التتويجات له، وتزكية ترشحه في كل مرة. بما فيه هذه المرة التي يتهيّأ فيها لرئاسة مدى الحياة.

وقد زاغ كل هذا بالرياضة عن أهدافها النبيلة. فالمجتمعات الإنسانية المتقدمة تنظر إلى ممارسة الرياضة كحق أساسي من حقوق المواطن دون تمييز بسبب المال أوالجنس وهي تشجّعها باعتبارها وسيلة للحفاظ على صحة أفرادها الجسدية والعقلية (العقل السليم في الجسم السليم) وتمكينهم من قضاء حياة متوازنة فضلا على إنماء قدراتهم على العمل والإنتاج.

خ – في مجال الدين: توظيف المؤسسة الدينية لخدمة الدكتاتورية

لقد استمر بن علي في توظيف الدين والمؤسسة الدينية لخدمة نظامه بشكل سافر رغم كثرة حديثه عن "تحييد المساجد" و"حصر وظيفتها في التعبد" وتركها في منأى عن "التوظيف السياسي". وقد سن في أواخر الثمانينات قانونا في هذا المعنى ولكنه موجه في الأساس ضد الحركة الإسلامية وضد معارضي بن علي عامة حتى يتسنى له احتكار توظيف الدين ويقدم نفسه على أنه "حامي الحمى والدين". فقد استمرت وزارة الشؤون الدينية في تعيين الأئمة كما أنها هي التي تحدد لهم مضمون خطب الجمعة وهي خطب تمجد النظام وتدعو لبن علي وتؤيد بقاءه في الحكم وتشهر بمعارضيه وتكفرهم. كما أصدرت وزارة التربية المنشور المعروف بالمنشور 108 حرّمت فيه ارتداء الخمار في المدارس والكليات. ووقع توسيع تطبيقه إلى كافة المؤسسات العمومية ليتحول بعد ذلك إلى منع شامل في كافة الفضاءات. وقد مثّل ذلك ولا يزال فرصة للبوليس كي يشن حملات ينتهك فيها حرمة التلميذات والطالبات والشغيلات المرتديات للخمار. وفي نفس السياق استغل بن علي الحملة على "التطرف الديني" لإدخال تعديلات في قانون الصحافة وإدماج فقرات في قانون الإرهاب الجديد تنتهك حرية المعتقد وحرية الفكر.

د – في السياسة الخارجية: تبعية للامبريالية وتطبيع مع الكيان الصهيوني

أما على صعيد السياسة الخارجية فإن بن علي ولئن واصل سياسة سلفه الموالية للدول الامبريالية الغربية فقد عمّق هذه التبعية وجعل من تونس أداة من أدوات تنفيذ سياسة تلك الدول في المنطقة. فقد وجدت تونس لأول مرة في تاريخها تكرّس رسميا سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي سمح له بن علي في بداية التسعينات بفتح مكتب اتصال بالعاصمة. كما سمح بتبادل وفود تجارية وثقافية وغيرها. وقد فعل ذلك إذعانا لواشنطن التي جعلت من التطبيع ركيزة أساسية من ركائز سياستها الشرق أوسطية. ومن الملاحظ أن بن علي انخرط في سياسة التطبيع سرا إذ أن الاعتراف الرسمي بالكيان الصهيوني وتبادل نوع من التمثيل الديبلوماسي معه تم دون علم الرأي العام بل وحتى دون إثارة الموضوع في مجلس النواب رغم ولائه المطلق لبن علي. وقد ظلت وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية تتكتم على الموضوع لمدة طويلة. ولا يجب الاعتقاد أن العلاقة بالكيان الصهيوني انتهت بمجرد غلق مكتب الاتصال إلى سنة 2000 بسبب الضغط الداخلي والعربي جراء الجرائم التي ترتكبها حكومة هذا الكيان على حساب الشعب الفلسطيني منذ انطلاق الانتفاضة الثانية بل إنه متواصل بصورة خفية ويمكن أن يستعيد طابعه الرسمي في كل وقت. وليس أدل على ذلك مما تناقلته وسائل الإعلام أخيرا عن اللقاء "الحميمي" يوم الاثنين 20 سبتمبر وزير الخارجية التونسي بوزير الخارجية "الإسرائيلي" على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد تم التطرق في ذلك اللقاء حسب نفس المصادر إلى إمكانية "إحياء العلاقات الثنائية" و"تنشيط السياحة اليهودية بتونس".

كما ظهرت التبعية التي أغرق فيها بن علي تونس بمناسبة الحرب التي شنها التحالف الامبريالي الأمريكي على العراق في ربيع العام الماضي (2003). فقد كشف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بأن 15 نظاما عربيا وإسلاميا عبّروا لواشنطن عن تأييدهم لتلك الحرب مع طلب عدم ذكر أسمائهم. وقد كان من بينهم حسب الصحافة العالمية نظام بن علي الذي تصرف بوحشية تجاه تحركات التونسيين المناهضة لتلك الحرب والمساندة للشعبين العراقي والفلسطيني. ويعلم الرأي العام في تونس أن بن علي أيد ولا يزال السياسة الأمريكية المجرمة في العراق سواء بشكل مباشر أو من خلال الجامعة العربية التي أكد آخر قرار لمجلسها على ضرورة دعم حكومة العميل إياد علاوي على حساب استقلال الشعب العراقي ومقاومته الباسلة.

وقد أظهر اجتماع القمة العربية المنعقد في غضون هذه السنة في تونس مدى الدور الذي توكله واشنطن لبن علي في الدفاع عن سياساتها الشرق أوسطية ومحاولة فرضها من خلال الجامعة العربية بمعية بعض الأنظمة العميلة الأخرى (تأجيل القمة من جانب واحد، تقديم مشروع قرار يلخص مشروع واشنطن المسمى "مشروع الشرق الأوسط الكبير"…). وقد قبل بن علي أن تكون تونس مركزا إقليميا لمكتب الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية الذي افتتح منذ مدة نشاطه. كما سمح مبدئيا لإذاعة "سوا" الأمريكية بالبثّ من تونس في محاولة للتأثير في الرأي العام التونسي والعربي وكسب تأييده للسياسات الأمريكية الاستعمارية في المنطقة. وتتحدث بعض الصحف التي لها صلة بنظام بن علي على مشروع أمريكي يهدف إلى إقامة قواعد عسكرية في الجنوب التونسي بنية استخدامها للتدخل السريع في القارة الإفريقية. وتلازم السلطات الرسمية الصمت حيال هذا الخبر الذي نشر أكثر من مرة وهو ما يؤكد أنها إما قابلة بذلك المشروع أو هي لا تزال تدرسه.

ومن الواضح أن هدف بن علي من وراء هذه السياسة الموالية للامبريالية هو الحفاظ على نظامه وكسب الدعم السياسي الاقتصادي والأمني والعسكري له وبشكل مباشر أن تغض واشنطن الطرف عن بقائه في الحكم وأن لا تشن عليه الحملة التي شنتها على بعض الدكتاتوريين الآخرين الذين سعت إلى تعويضهم.

هذه نتائج 17 سنة من حكم بن علي: حكم فردي مطلق وتكريس لهيمنة الحزب الواحد (الحزب الدولة) ومصادرة تامة للحريات وإخضاع المواطنين للمراقبة المباشرة وقمع شامل لحقوقهم الأساسية وممارسة منهجية للتعذيب واستنزاف لخيرات البلاد وثرواتها من قبل أقلية مافيوزية محلية وأجنبية وتكثيف استغلال الكادحين ونهبهم ودعم للنفوذ الامبريالي على بلادنا وتواطؤ مع الامبرياليين في عدوانهم على الشعوب العربية وتطبيع مع الكيان الصهيوني. وبمثل هذه النتائج يريد بن علي الاستمرار في الحكم لا لولاية رابعة فحسب بل مدى الحياة.


الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني