الصفحة الأساسية > البديل العالمي > ماذا تعرف عن العَلمانيّة؟(1)
ماذا تعرف عن العَلمانيّة؟(1)
22 نيسان (أبريل) 2006

لماذا العودة إلى طرح العَلمانيّة؟

نسعى في هذه الحلقات إلى إعادة طرح موضوع العَلمانيّة على بساط التعريف و بيان المفهوم والمضمون و التطوّر ونبدأ بالوقوف على الدّوافع التي تدفع بنا اليوم إلى معاودة النظر في العلمانيّة (بفتح العين)، والتي نلخصها في أمرين أوّلهما الغموض الذي عاد من جديد كي يلفّ العَلمانيّة ويجعل لها صورة محرّفة و مشوّهة عند الشباب وبين أفراد المجتمع عامّة، صورة ما انفكّ دعاة الانغلاق و التعصّب و استعباد الأرواح و الأبدان من كلّ التيّارات و الاتّجاهات يعملون على ترويجها و يمعنون في إخفاء حقيقتها، فإذا بالعلمانيّة حسب زعمهم "مفهوم غريب و دخيل و ملحد وفاسد". أمّا الأمر الثاني الذي دعانا إلى التذكير بالعلمانيّة ونفض الغبار عنها و إجلاء صورتها و إظهار حقيقتها فهو الظروف و الأوضاع الرّاهنة التي يمرّ بها العرب و المسلمون و الحروب الطائفيّة و الدّينيّة التي تجري مقدّماتها في العراق و تتهدّد باقي البلاد العربيّة والإسلامية و تمتدّ شظاياها إلى بلاد أخرى كثيرة شرقا و غربا حتّى لكأنّ العالم يوشك أن يغرق في عتمة "قرون وسطى" جديدة، ممّا حتم على حمَلة الأنوار و على التقدّميّين و الأحرار في بلادنا العربيّة و الإسلامية أوّلا، و في سائر أرجاء المعمورة ثانيا التنبّه إلى خطورة التيّار و إلى العمل على إحياء القيم المدنيّة الكبرى و البحث عن قارب النجاة من طوفان الدّم الطائفي و العنصري الذي بات يحصد أرواح الآلاف في بلد كالعراق، بعد أن سلّمه المحتلّ الأمريكي-الغربي إلى "المرجعيّات" الدّينيّة و رؤساء الطوائف و العشائر العملاء.

إنّ الكتابات الصّادرة، منذ ما يزيد على القرن، بل منذ عصر النهضة الأوروبيّة ثمّ الثورة الفرنسيّة وغير الفرنسيّة ليست هي التي تعوز القارئ والباحث و الرّاغب في الاطلاع و التثقّف، و هي كتابات بمختلف اللغات لمفكرين و قادة سياسيّين، لأنصار الفكرة و مناهضيها، لمن تولّى بلورتهــاالنّظريّة و لمن مارسها على أرض الواقع. و في هذا السّياق كان للمهتمّين العرب و المسلمين بالمسألة إسهام ذو بال تناول العلمانيّة من جوانبها المختلفة. وقبل أكثر من عشرين عاما شهدت السّاحة الفكريّة و الثقافيّة و السّياسيّة عندنا حراكا أتاحته الفجوة التي تلت أحداث قفصة 1980 وانقلاب 7 نوفمبر 1987 والتي سرعان ما أصبحت ذكرى، و تجسّد في تلك النقاشات و السّجالات الواسعة حول أمّهات الملفّات الشاغلة بال النخبة و المجتمع، بين المشروع المدني الدّيمقراطي و مشروع الدّولة الدّينيّة، وكان لا بدّ أن تكون العلمانيّة (أو اللائكيّة بعبارة تلك السّاعة) في قلب المواضيع المطروحة واتسعت منابر عديدة (الدّوريّة الفكريّة "أطروحات" خاصّة) لطرح تلك الملفّات و احتضان مادّة المطارحات. وقد أثمر الجدل حول "اللائكيّة" و الدّولة الدّينيّة مادّة جديرة بالجمع و النشر لم يجمع منها وينشر –فيما نعلم- سوى كتاب "في اللائكيّة" للرّفيق حمّه الهمّامي، لكن هذا التأليف على قيمته الوثائقيّة وقيمة الرّؤية التنويريّة والتقدّميّة التي قادته، يبقى متأثرا بظروف السّجال التي ولّدته، و معنى ذلك أنّه أثر نظري يتوفر على قيمة عمليّة من كونه نتاج مواجهة لأسلة الواقع و مجابهة للأضداد، لكن مهمّته لم تكن تثقيفيّة بالمعنى المدرسي والتكويني الذي نحتاج اليوم إليه، ولا يمكن أن تسدّ مسدَّ المراجع الأساسيّة المطلوبة في الموضوع. ولعلّ من الآثار الإيجابيّة لتلك النقاشات التي قابلت بين الرّؤى و المشاريع في الثمانينات والتسعينات حول صورة المجتمع التّونسي المنشود، ما تمّ على صعيد الجامعة من اهتمام بعض دوائر البحث و الباحثين في الحضارة و علم الاجتماع بالموضوع ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى العمل الذي أنجزه الأستاذ فتحي القاسمي في إطار المرحلة الثالثة تحت عنوان "العلمانيّة و طلائعها في مصر" والذي لم يتسنّ له أن ينشره كاملا غير مبتور إلا بمصر سنة 1999. هذا الكتاب ثمرة بحث وتقصّ، و يضمّ حصيلة نظر صاحبه في نشأة العلمانيّة و تطوّرها و طروحها العربيّة والإسلاميّة والأطراف المتقابلة عليها وبالتالي فإنّ الكتاب يكتسي أهمّيّة تثقيفيّة رغم ما نختلف فيه معه حول نظرته التي نراها تحتاج أحيانا إلى تعديل حتّى يقع إنصاف العلمانيّة من غلاة خصومها دون تردّد أو احتشام.

أمّا الملابسات التي تحفّ اليوم بإعادة العلمانيّة إلى دائرة الضوء فلا أحد يجهلها أو يحقّ له أن يتجاهلها، بل لعله لم تكن الحاجة إلى الحلّ العلماني ماسّة في البلاد العربيّة مثلما هي الآن، و هذه البلاد تقف على بركان الحروب الطائفيّة و الدّينيّة، فضلا عن مخاطر صعود تيّارات دينيّة متطرّفة لا تميّز بين الدّين و السّياسة، و فضلا عن استغلال الأنظمة الحاكمة للدّين في خطابها الانتخابي وفي محاربة المعارضة الدّيمقراطيّة. وقد دلّت التّجربة على أنّ التشويه لا يأتي إلى العلمانيّة من خصومها الموجودين داخل الحكم و خارجه فحسب، بل كذلك من بعض "المدافعين" عنها مثلما شاهدنا ذلك مؤخرا في بعض القنوات العربيّة، حين تولّى الدّفاع لسان الامبريالية و الصّهيونيّة فبدا لمن يجهل حقيقة العلمانيّة كأن كلام أعدائها هو الصّواب، أو مثلما نسمع و نرى أحيانا في بلادنا حين يصبح بعض "أصوليّي العلمانيّة" حلفاء للدّكتاتوريّة النوفمبريّة تحت غطاء "مقاومة الظلاميّة" فإذا به متواطئ معها أو مبرّر لقمعها وفسادها و عمالتها.

و لذا سنسعى إلى تقديم مادّة تعريفيّة و تاريخيّة مبسّطة و نبدأ بتدقيق المصطلح وإيضاح العلاقة بين العَلمانيّة (بفتح العين" و العِلمانيّة (بكسر العين) واللائكيّة، هذا الثالوث الجاري على ألسنة النّاس والذي كثيرا ما يختلط أمره عند أغلبيّتهم.

(يتبــع)



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني